الشريط الأخباري

أراد إنقاذ المصريين وخنق القطريين، فنجح في هذا وفشل في ذاك.. تفاصيل صفقة ولي عهد أبو ظبي مع أديس أبابا

مدار نيوز، نشر بـ 2018/06/21 الساعة 4:45 مساءً

مدار نيوز – وكالات: على إيقاع موسيقى المنتصرين في الحروب، نشرت وكالة الأنباء الإماراتية “وام” مقطع فيديو لوصول ولي عهد أبوظبي، إلى العاصمة الإثيوبية أديس أبابا بطائرة أميرية في 15 يونيو/حزيران 2018، فيما كان البساط الأحمر ممتداً وفي استقبال محمد بن زايد طفلة إثيوبية تحمل باقة من الزهور تقف بجانب رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد، الذي يثقل كاهل حكومته النقص الحاد في العملة الصعبة بالبلاد.

قبّل بن زايد يد الفتاة عندما وصل إلى أسفل سلم الطائرة بابتسامة هادئة؛ واثقة، ثم حضن مضيفه الإثيوبي أبي أحمد طويلاً، وربَّت على كتفيه 3 مرات وهو يتحدث في أذنيه عبارات كان فحواها من دون ريب: أعلم ما أنتم فيه، بجعبتي الحل، ولو مؤقتاً.

بن زايد كان يعلم أن المليارات الثلاثة التي حملها معه، واحد منها سيودع في البنك المركزي، واثنان آخران للصرف على القطاعات الاقتصادية التي تراها الحكومة الإثيوبية مهمة، لن تحل المشكلة الاقتصادية في إثيوبيا، وكان يعلم أيضاً أن المبلغ ليس صيداً ثميناً ستتخلى بموجبه أديس أبابا عن حلفائها الخليجيين الآخرين الذين ينافسون أبوظبي في القرن الإفريقي، لكنه كان متأكداً أنه كاف لبث جرعة من الحياة في حكومة أبي أحمد، الذي تسلم في أبريل/نيسان 2018، حكومة منهكة مالياً، بسبب المشروعات الضخمة لتطوير البنية التحتية، وعلى رأسها مشروع سد النهضة؛ شاغل المصريين والرئيس عبدالفتاح السيسي؛ الحليف الرئيسي لابن زايد، على مدار السنوات الثلاث الأخيرة.

السيسي: أريد حلاً

طوال هذه السنوات، ظلَّ الرئيس السيسي ميالاً لحل مشكلة سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد بقطع المياه تماماً عن ملايين المصريين، ما قد يهدد حياتهم ويقضي على بيئة الدلتا المصرية، بـ”التسوية والوساطة”، عكس المنادين بتدخل عسكري وغير قادرين على تنفيذه.

في البداية، عمد المسؤولون المصريون إلى إعداد مذكرة تفصيلية قدموها للرئاسة تنص على حتمية التحرك القانوني الدولي ضد أديس أبابا، وتنسيق حملة إعلامية دولية، تشرح للعالم الأضرار البيئية الناجمة عن المشروع الذي سيدمر دلتا مصر، مسبباً خسائر كارثية، إضافة إلى آلاف النازحين الذين يشكلون خطراً حقيقياً على أوروبا.

وقال خبير التنمية ونقل التكنولوجيا بالأمم المتحدة هاني السلموني، وأحد المتخصصين في ملف “سد النهضة”، إن أزمة مصر الحقيقية تتلخص في كون حصة مصر الحالية لا تكفيها منذ سنوات، ومع الزيادة السكانية والتوسع في المشاريع الاستصلاحية أصبحت القاهرة في أمس الحاجة لزيادة حصتها لا اقتطاع 20% منها.

فلجأ السيسي إلى السعودية التي تسلمت الملف لفترة طويلة، لكنها فشلت فيه فشلاً ذريعاً. ولجأ إلى الولايات المتحدة التي أرسلت لجنة رفيعة المستوى في رحلات مكوكية ضمَّت كلاً من ديفيد جريني مدير مكتب شؤون الشرق الأدنى، وأرون سالزبيرج المنسق الخاص للموارد المائية، إلا أن رحلاتهما لم تحقق النجاح المطلوب.

يعلم السيسي أن مصر تعيش أزمة نقص مياه حادة ستتفاقم مع إصرار إثيوبيا على بناء سد النهضة، مما يهدد أمنها المائي وجعلها تعيد النظر في سياساتها الفلاحية، خاصة زراعة الأرز، الغذاء الرئيسي للمصريين، والذي قرّرت الحكومة تقليص مساحاته المزروعة إلى 725 ألف فدان، وجعل العقوبة على مخالفي القرار بالحبس بعدما كانت غرامة مالية فقط.

“ويبدو أن بن زايد نجح فيما فشل فيه السعوديين والأميركان” هكذا يصف لـ”عربي بوست” أحد المسؤولين الحكوميين في إدارة الملف بوزارة الري المصرية.

ويضيف المسؤول الحكومي أن الموقف المصري تغيَّر تماماً عبر محطات المفاوضات المتتابعة، من الرفض التام إلى القبول بوجود السد، مع اشتراط أن حصة مياه مصر لن تتأثر، لكن الجانب الإثيوبي أصرَّ على أن الملء سيكون في 3 سنوات فقط، لن تحصل فيها مصر على نقطة مياه واحدة، وهو ما يعني حرفياً تدمير الدلتا، في حين طالبت مصر بـ7 سنوات بحد أدنى لملء الخزان، الأمر الذي ترفضه إثيوبيا.

وبعد وساطة رجل الإمارات القوي، والمتزامنة مع تغييرات داخلية عميقة في إثيوبيا، أصبح من شبه المؤكد أن أديس أبابا مستعدة للوصول لحل وسط كما يؤكد جنرال إثيوبي متقاعد، يعمل كمستشار في ديوان ولي العهد، فزيارة بن زايد أتت لوضع اللمسات الأخيرة لهذا الاتفاق، حيث تقبل إثيوبيا أن يكون ملء الخزان بمعدلات أبطأ ولمدة أطول، قد تصل إلى 11 سنة، وهو ما يعني أن مصر ستخسر تقريباً 20% من حصتها من النيل الأزرق (المصدر الأهم للمياه) طيلة مدة الملء، وهو أقل الأضرار الممكنة عملياً.

ليس نجدةً للسيسي فقط، إنما محاربة للدوحة أيضاً

في الواقع، ما كان يشغل بال بن زايد أكثر هو النفوذ المتزايد للدوحة في القرن الإفريقي.

فحسب تصريحات لـ”عربي بوست” من المستشار الاستراتيجي لمحمد بن زايد، فإن ملفين رئيسيين حملهما معه بن زايد إلى إثيوبيا،مساعدة الرئيس المصري في حل أزمة سد النهضة، وتجاوز كارثة قد تؤثر على بقائه في الحكم حال تفاقمها، ومحاولة استعادة النفوذ الإماراتي في منطقة القرن الإفريقي، بعد أن خسرت أبوظبي مساحات في ليبريا والصومال لصالح الدور القطري المتنامي في المنطقة.

وتعد زيارة ولي العهد الإماراتي الأولى من نوعها لبلاد الحبشة، وهي زيارة تراقبها دول عدة مثل مصر والصومال وجيبوتي وتركيا، وقبل كل هؤلاء الدوحة وإيران، حيث إن نتائجها قد تؤثر على النفوذ والمصالح في المنطقة بأشكال مختلفة.

وتشكل منطقة القرن الإفريقي ورقة هامة في السياسية الخارجية الإماراتية- السعودية، على الصعيدين الأمني والاقتصادي، كما يؤكد الجنرال المتقاعد لـ”عربي بوست”، فمن جهة تسعى أبوظبي للحد من النفوذ القطري في تلك المنطقة الحيوية، ومن جهة أخرى تعتبر تلك المنطقة المدخل الحيوي للبحر الأحمر، وصولاً لقناة السويس، وهو ما يمثل محوراً تجارياً حساساً للإمارات.

وتندرج زيارة بن زايد لإثيوبيا، في إطار خطة أبوظبي للضغط على الصومال، التي اتخذت موقفاً مناوئاً لها في معركتها ضد قطر برفضها مقاطعة الدوحة، لترد أبوظبي بتوقيع اتفاقية تشغيل ميناء بربرة مع حركة “أرض الصومال” الانفصالية، بواسطة شركة موانئ دبي الإماراتية، نكاية في الحكومة الفيدرالية.

وتسعى الإمارات لإدخال إثيوبيا طرفاً في الاتفاق لتعزيز موقفها في القرن الإفريقي، خصوصاً بعد أن خسرت مساحات في جيبوتي، التي قرَّرت سحب امتيازات شركة موانئ دبي لتشغيل محطة دوراليه للحاويات، في صفعة يعتقد الكثيرون أن الدوحة وراءها.

فهل ستغير أديس أبابا موقفها بثلاثة مليارات فقط؟

لين الموقف الإثيوبي يبرره الخبراء، بكون الإماراتيين مهَّدوا لزيارة ولي العهد بإيداع مليار دولار في البنك المركزي الإثيوبي، لتخفيف نقص العملة الأجنبية، حيث صرَّح أحمد شيد، رئيس مكتب شؤون الاتصالات الحكومية في إثيوبيا، أن مليار دولار ستُودع في البنك الوطني في غضون أيام قليلة لمعالجة نقص العملة الأجنبية.

وأضاف المسؤول الإثيوبي أن الوديعة سيكون لها تأثير كبير في تخفيف نقص العملة الأجنبية في البلاد، كما أنهم سيحصلون على مليارين إضافيين سيُستخدمان في قطاعات اقتصادية تعطيها الحكومة أولوية.

ورغم أن مبلغ 3 مليارات غير كافٍ، حسب مختصين في الأزمة المصرية الإثيوبية لحل الملف نهائياً، إلا أنه سيشكل تنفيساً عن حكومة أبي أحمد، التي تعيش وضعية صعبة خاصة، حيث يعاني الاقتصاد من نقص حاد في العملة الصعبة، بسبب الإنفاق على مشاريع كبيرة للبنية التحتية، مما يترك لدى الحكومة احتياطيات تعادل قيمة ما يقل عن شهرين من الواردات، وفقاً للتقديرات الرسمية.

رئيس الوزراء الجديد لديه خطة جديدة لن تعجب بن زايد تماماً

وجاءت الحكومة الجديدة لأبي أحمد بتغييرات جذرية في شكل علاقاتها الداخلية والخارجية، سواء بالتوسع في مجال الحريات وإطلاق سراح آلاف المعتقلين، أو من خلال أخذ خطوات أوسع صوب تهدئة الأوضاع مع إريتريا، التي استمرَّ بينهما الصراع لعقود، وكذلك تقوية الأوضاع الاقتصادية بالبلاد لتحسين حياة أكثر من 100 مليون مواطن إثيوبي.

هذة السياسية الأكثر انفتاحاً للرجل، يصعب معها، بل يكاد يستحيل حسب المستشار الأمني،الاستجابة الكاملة لضغوط الإمارات عليه بالانضمام لدول الحصار ضد قطر، فحتى الآن يبدو حريصاً على مدِّ الجذور وتهدئة الأوضاع مع الجميع، وهو ما لا يرضى عنه محمد بن زايد، وإن كان مضطراً للتعامل معه، حتى يعوض خسارته في الصومال وجيبوتي، ويستهدف المصالح القطرية في إثيوبيا.

وكانت قطر قد وقعت مع إثيوبيا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2017، اتفاقية تعاون عسكري وامتيازات ضريبية، كما أعفت حاملي الجوازات الخاصة الإثيوبيين من تأشيرة الدخول، إضافة إلى استثمارات ضخمة في البلاد ضمتها 11 اتفاقية، أغلبها متعلقة بالزراعة والإنتاج الحيواني، لتأمين الحاجيات الغذائية لقطر في ظل الحصار المستمر.

إضافة إلى الأمن الغذائي فإن الدور السياسي الذي تلعبه إثيوبيا في المنطقة باعتبارها قوة إقليمية في محيط مليء بالدول الفقيرة والمهتزة، يجعل منها حليفاً مهماً في السياسة الخارجية القطرية، كما يعلق الجنرال المتقاعد.

وقطعت إثيوبيا علاقتها مع قطر أيام حكومة ميليس زيناوي في 2008، حينما اتهمت الدوحة وقتها أنها تدعم إريتريا وحركة شباب الصومال المعادية لإثيوبيا، وحينما توفي زيناوي في 2012، قام رئيس الوزراء الجديد هيليماريام ديسالين باستئناف الحوار مع القطريين وحل الأزمة.

لكن تحقيق مكسب ما أفضل من لا شيء، حتى وإن كان بفتح مكتب إعلامي

جو الود الذي طبع زيارة ولي العهد الإماراتي أقنع السلطات الإثيوبية بفتح مكتب لقناة سكاي نيوز العربية، التي تمولها الإمارات في أديس أبابا، حتى لا تترك الحبشة للنفوذ الإعلامي القطري منفرداً، والذي توسع في عهد حكومة هايلي ديسالين السابقة، التي منحت ترخيصاً لقناة الجزيرة كأول فضائية أجنبية تبث من أديس أبابا.

حضور “سكاي نيوز” في إثيوبيا هام جداً بالنسبة لولي عهد أبوظبي، كما يؤكد الجنرال المتقاعد، لمنافسة القطريين والسعي إلى التضييق عليهم في مجال نفوذهم، غير أن قبول أديس أبابا بفتح مكتب لقناة إماراتية بها لا يعني أنها ستحول موقفها حيال الأزمة الخليجية.

والدوحة كانت الأسرع كالعادة

فارتباطات إثيوبيا شديدة التعقيد مع قطر التي تتقدم على خصومها بخطوة دائماً،  كما يشرح المستشار الاستراتيجي، وفي نظره مبلغ 3 مليارات دولار لن يجعل أديس أبابا تخسر مكانتها كدولة إفريقية زعيمة، وتنطوي تحت لواء معسكر الإمارات- السعودية “محمد بن زايد يدرك هذا جيداً، لكنه على الأقل يسعى لتحييدها، وفي نفس الوقت استخدام أديس أبابا للضغط على الصومال وجيبوتي (حليفتي قطر) وخنقهما”، يختم الجنرال.

منقول

هاف بوست

تعليقات