الشريط الأخباري

“إنَّ مقتدى الصدر سابقاً ليس نفسه الرجل الحالي”.. روبين هود الذي اصطاد الجنود الأميركيين يتحول إلى وجه الإصلاح المفاجئ في العراق الجديد

مدار نيوز، نشر بـ 2018/05/21 الساعة 8:31 مساءً

مدار نيوز – وكالات: لايزال العراق حبيس ذكريات فرقة الموت المتشحة بالسواد وهي تجوب أحياء بغداد قبل عقدٍ مضى، تُطهِّره من السُنّة في وقتٍ كان العراق فيه غارقاً في العنف الطائفي. وقتها ارتُكِبت كثيرٌ من المذابح الجماعية في العاصمة تحت اسم مقتدى الصدر، رجل الدين الذي أكثر ما يتذكره الأميركيون به هو خطبه التي أعلن فيها أنَّ استهداف القوات الأميركية واجبٌ مقدس تنص عليه عقيدته الشيعية.

كانت إيران هي التي تمد المليشيا التي يقودها الصدر بالأسلحة، وقد أسس الصدر تحالفاً قوياً مع قادة طهران الذين كانوا يتوقون لأنَّ يحلوا محل الوجود الأميركي في العراق والاضطلاع بالدور المهيمن في تشكيل مستقبل الدولة، كما قال صحيفة The New York Time الأميركية.

والآن، هذا الرجل الذي تصوره الولايات المتحدة على أنَّه واحدٌ من أخطر التهديدات على سلم العراق واستقراره، فاجأ الجميع بالفوز في الأنتخابات التي جرت الشهر الجاري مايو/أيار وجاءت نتائجها متقاربة، بعد ظهوره بصورة جديدة صادمة في حملته الانتخابية كمرشح شعبوي مناهض للفساد، والذي حظيت رسالته “العراق أولاً” بقبول الناخبين من كافة الطوائف.

ويرى الصدر أن العراق في حاجة إلى التآخي بين المذاهب والأديان، والتوجّهات والأفكار، حتى يعبر هذه الفترة الصعبة. 

لكن من الواضح أنَّ هذه النتيجة غير المتوقعة أضعفت الأساس الطائفي للنظام السياسي العراقي، وساعدت على تغيير صورة الصدر من نموذج المقاتل الشيعي إلى رمزٍ غير متوقع للإصلاح وللقومية العراقية، وهذه هي الحيثيات.

الصدر ابتعد عن إيران حين رأى أن تدخلها يفسد الاستقرار

دفعت نتيجة الانتخابات واشنطن وطهران إلى الترقب في قلق؛ إذ يسعى المسؤولون في كلا البلدين إلى السيطرة على ما قد يصبح معركةً معقدة ومطولة في الكواليس لتشكيل حكومة ائتلافية. وفاز ائتلاف الصدر بـ54 مقعداً، ورغم أنَّ هذا العدد هو أعلى عدد مقاعد تحصده أيٌ من الكتل المترشحة، إلا أنَّه لا يزال أقل بكثير من أن يكون أغلبية في البرلمان العراقي الذي يصل إجمالي عدد مقاعده إلى 329 مقعداً.

وحتى قبل إعلان النتائج صباح السبت 19 مايو/أيار، أوضح الصدر -الذي لم يخض الانتخابات كمرشح مستقل، واستبعد نفسه بالتالي من تولي منصب رئاسة الوزراء- مَن هم الذين يعتبرهم حلفاءه السياسيين المُؤكَّدين. وجاء على رأس هؤلاء رئيس الوزراء حيدر العبادي، القائد الشيعي المعتدل الذي كان حليفاً للولايات المتحدة في حربها على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، والذي احتل تكتله السياسي المرتبة الثالثة.

وغابت الكتل المؤيدة لإيران بوضوح عن قائمة الصدر للحلفاء المحتملين؛ إذ أصر على النأي بنفسه بعيداً عن رعاته السابقين في إيران، بعدما رأى أنَّ تدخلهم يزعزع استقرار الحياة السياسية للعراق.

وتحول من الشيعي المتشدد إلى العراقي الوطني

وبينما يمتلك الصدر كل الزخم أثناء توجهه لخوض المفاوضات على تشكيل الائتلاف الحاكم، فليس هناك ما يضمن أنَّ تكتله السياسي سيكون في السلطة. ومن الباكر جداً أيضاً تبيُّن ما الذي قد تعنيه الانتخابات لاستقرار العراق أو أهداف الأمن القومي الأميركي.

وبصفته رئيس تحالف “سائرون”، يتزعم الصدر تحالفاً يدمج على غير المتوقع قاعدته الشيعية من الطبقة العاملة المتدينة كثيراً، مع قادة أعمال سُنَّة وليبراليين وعراقيين باحثين عن مخرجٍ من الأزمة الاقتصادية التي تلهب البلاد منذ وقت طويل.وكان من المهم لكل مَن انضم للتحالف أن يقتنع بأنَّ تحول الصدر من الشيعي المتشدد إلى العراقي الوطني هو تحولٌ صادق من المرجح أن يدوم.

في أواخر العام المنصرم 2017، بدأ رجل الدين التواصل مع جماعات خارج قاعدته باقتراحٍ لتشكيل حركة سياسية جديدة، ما دفع اليساريين والعلمانيين المتعثرين -الذين كانوا سابقاً أعداءه اللدودين- لمواجهة لحظة لمراجعة الحسابات.

لكنَّ مجموعة غير منظمة من الشيوعيين والديمقراطيين الاشتراكيين والأناركيين (اللاسلطويين) تقبَّلوا الصدر رمزاً للإصلاح الذي ظلوا لسنواتٍ ينادون به، وهي الصورة التي عززها رجل الدين لنفسه معتبراً أنَّها الطريق الأمثل للوصول للسلطة السياسية.

قال رائد فهمي، أحد قادة الحزب الشيوعي العراقي وهو جزء من تحالف الصدر: “دعوني أكون واضحاً: كانت لدينا الكثير من المخاوف، والكثير من الشكوك. لكن صوت الأفعال أكثر صخباً من صوت الكلمات. إنَّ مقتدى الصدر سابقاً ليس هو نفسه مقتدى الصدر الحالي”.

يتحدث عن التغيير الداخلي بعباراتٍ براغماتية واضحة

في حواره الوحيد الشامل قبل الانتخابات، مع قناته التليفزيونية، استعرض الصدر بياناً تبناه بشكلٍ كبير من حلفائه الجدد العلمانيين. وقال إنَّه يهدف إلى إسناد السلطة إلى الأكفاء -لا الموالين لحزبه- سعياً لبناء مؤسساتٍ قومية تخدم الشعب بدلاً من أعضاء الوسط السياسي.

 

وفي انتقادٍ لاذع وصفه مساعدو الصدر بأنَّه موجه لحركته أيضاً، قال الصدر: “جرَّبنا الإسلاميين في الحكم وفشلوا فشلاً ذريعاً. لذا دعونا نجرِّب طريقةً أخرى يتولى فيها الأفضل من بين التكنوقراط المستقلين، أو الإسلاميين المستقلين، أو التكنوقراط العلمانيين، وزارةً ويجعلونها منتجة. يجب علينا أن نجرب هذا”.

وقال جوست هيلترمان، مدير برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمجموعة الأزمات الدولية، إنَّ السؤال حول ما إذا كان الصدر سينجح في تنفيذ خطته الإصلاحية أم لا هو سؤال مفتوح؛ إذّ أنَّ بناء ائتلاف أغلبية يعني تأسيس شراكة مع بعض الأوجه الحالية التي أعرب الناخبون عن عدم رضاهم عنها في التصويت. وأضاف أنَّ هؤلاء السياسيون الآخرون “لديهم الكثير ليخسروه في حالة القضاء على الفساد”.

ويطوي صفحة عداوات الماضي في السياسة الخارجية

وإلى جانب هذه السياسية الداخلية الجديدة، استحدث الصدر (45 عاماً) سياسةً خارجية تدعو إلى “العراق أولاً”.

وفي هذه السياسة الجديدة، وسَّع الصدر نظرته التي كانت تركز سابقاً على معاداة الولايات المتحدة لتشمل انتقادات شديدة لإيران. ومدَّ كذلك جسور العلاقات مع حلفاء للولايات المتحدة في العالم العربي، مثل ولي عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان.

ويقول مساعدوه إنَّ الصدر يختلف بشدة عن ذلك الذي وصفه الرئيس الأميركي جورج بوش الابن بأنَّه عدوهم الأكبر في العراق على قدم المساواة مع تنظيم القاعدة.

والتقى بالصدر سفراء من عدة دول غربية، منها دول قُتِل جنودٌ لها في قوات التحالف في العراق على يد مليشيا الصدر، وقالوا إنَّهم يبحثون عن سبلٍ للعمل مع هذا القائد الجديد المؤثر. وأعربوا عن استعدادهم لطي صفحة الأحداث الماضية أملاً في الالتقاء عند نقطة مشتركة حول احتواء النفوذ الإيراني في العراق.

ويبعث الأمل في بناء الجسور بين الطوائف المنقسمة

غير أنَّ الكثير من العراقيين لا يعتقدون أنَّ موقف الصدر الجديد سيستمر. ومن بين هؤلاء العديد من القادة الكبار في قوات الأمن العراقية الذين يحاولون بناء سلسلة قيادة مركزية بدلاً من المليشيات الطائفية. وقد عزَّزت هذه المليشيات مكانتها نتيجة لدورها في هزيمة “داعش”، لكنَّها لاتزال معروفة بمخالفتها للقانون.

وفي الأسبوع التالي للانتخابات، انتقد العديد من المنافسين السياسيين الكبار لتحالف “سائرون” الصدر سراً، مشيرين إلى التاريخ الطويل من العنف الذي ارتكبته مليشياته. ومع ذلك، لم يتحدث أيٌ منهم على الملأ، نظراً للمعركة السياسية الحساسة التي يخوضها نحو بناء ائتلافٍ حكومي.

ولاتزال غالبية الطائفة السُنّيّة العراقية باقيةً على حذرها من الصدر. ولكن لأنَّ كثيراً منهم منح صوته لتكتل العبادي، فإنَّ ائتلافاً حاكماً يضم الجانبين سيُعَد بالتأكيد بمثابة مد للجسور بين الطوائف المنقسمة في البلاد.

يتحالف مع الشيوعيين على قاعدة مشتركة حقيقية

قبل عامين، اهتم الصدر بحركة احتجاج صغيرة نظَّمها اليساريون والعلمانيون في العاصمة. كانت المظاهرات التي وقعت في ساحة التحرير في بغداد نيابةً عن موظفي الخدمة المدنية والمُتقاعدين، وضد عدم المساواة الاقتصادية المتنامية، ونقص الضروريات مثل الكهرباء والرعاية الصحية. نظر إلى مطالبهم باعتبارها صدًى للدعوات الحزينة لقاعدته من أجل الحصول على وظائف وخدمات حكومية أفضل. لذلك، كان يتطلع إلى بناء علاقات مع هذه المجموعات، على الرغم من نظرتهم المختلفة تماماً للعالم.

ووصف ضياء الأسدي، أقرب مساعدي الصدر، هذه المُفاتحات للتفاوض بأنَّها صادقة ومنطقية. وقال: “كان معروفاً دائماً بأنَّه صوتٌ للفقراء. وقد رأى أنَّ تجمُّع أولئك الذين يشاركونه المبادئ منفعةً لكل العراقيين”.

على مدار العامين الماضيين، اتحد مؤيدو الصدر مع الشيوعيين والمثقفين والناشطين المجتمعيين في مسيرات احتجاج، وهي الجهود التي بنت احتراماً متبادلاً.

يستطيع تحفيز الملايين لكي يحسنوا حياتهم

في الخريف الماضي، زارت قيادة الحزب الشيوعي الصدر في مقره في مدينة النجف، المدينة التي تُمثِّل مقر المؤسسة الدينية العراقية. وقال فهمي، أحد الزعماء الشيوعيين، إنَّ العديد من رفاقه كانوا موافقين في البداية على فكرة ضم قواهم مع شخص يُعتَقد أنَّ يديه ملطخة بالكثير من الدماء.

في النهاية، وافق معظم الأعضاء على أنَّهم إذا أرادوا أن ينجح التغيير السياسي الجذري في العراق، فإنَّه يحتاج إلى زعيم شعبي لجلب الجماهير.

قال فهمي: “إذاً ماذا لو كان مقتدى الصدر هو الآن وجه الإصلاح؟ ما الذي يجب أن أهتم به طالما أنَّ الإصلاحات تحدث؟ إنَّه رجل يستطيع تحفيز الملايين، وإذا تحسَّن مجتمعنا بسببه، فسأكون أول من يهنئه”.

ويمكنه تغيير دوره بشجاعة إذا أحس بأنه أخطأ

كانت المرة الأولى التي يسمع فيها العديد من العراقيين اسم مقتدى الصدر بعد فترةٍ وجيزة من سيطرة الأميركيين على بغداد عام 2003. ففي فوضى ما بعد الاحتلال، ظهر الصدر وكأنَّه روبن هود، نَشَرَ ميليشياته التي كان قد شكَّلها مؤخراً لتوزيع الطعام على الفقراء والدفاع عن الشيعة ضد ما اعتبره الكثيرون أعمالاً من أعمال العدوان الأميركي.

وبدأ المسؤولون الأميركيون يعتقدون أنَّ ترددهم في مواجهة الصدر عَكَسَ قبولاً ضمنياً بالحرب الطائفية التي تشنها ميليشيته ضد العراقيين السنيين.

وبمرور الوقت، تحول احترام العديد من العراقيين لميليشيا الصدر إلى نفور وامتعاض. وأصبحت الوحدات معروفة باتباع أساليب مافياوية في الحماية والتهديد والخطف والابتزاز، حتى في الأحياء الشيعية. ودفع رد الفعل العنيف المتزايد الصدر إلى الرحيل إلى أيران في عام 2007.

وفي عام 2008، بينما كان الصدر لا يزال في إيران، اتخذ رئيس الوزراء نوري كامل المالكي إجراءً حاسماً، وأَمَرَ الجيش العراقي بمدينة البصرة بوقف عنف الميليشيات هناك. وأسفرت معركةٌ مدنية عنيفة عن مقتل 215 من أفراد الميليشيا وإصابة 600 آخرين.

أدت هذه الضربة إلى تهميش الصدر لبعض الوقت. وأمَرَ ميليشيته بتجميد النشاط، لكنَّه لم يأمر رجاله بالتخلي عن سلاحهم قط.

بحلول عام 2012، استعاد الصدر، الذي كان قد عاد من إيران، نفوذاً كافياً ليقود تصويتاً بحجب الثقة عن المالكي، وهي مناورة أدخلت العراق في أزمة جديدة.

ثم في عام 2014، اندلعت أزمة وطنية أخرى، إذ حدث انهيارٌ أمني مع تولِّي استيلاء داعش على ثلث البلاد.

واستدعى الصدر ميليشياته إلى الخطوط الأمامية، لكن هذه المرة كشريكٍ لقوى الأمن العراقية المتنوعة والتحالف الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة المتطرفين.

أخيرا، تنقل صحيفة The New York Time عن الشيخ صلاح العبيدي، المتحدث باسم الصدر، أنَّ التغيير الذي لحق بالرجل يرجع إلى الأزمة السياسية والأمنية التي نتجت عن سيطرة تنظيم “داعش” على أجزاء واسعة من شمال وغرب العراق في عام 2014. وتسبَّب العنف الناتج في تغييرٍ جارف في الشعور العام؛ إذ ساد شعورٌ بأنَّ الطائفية هي أصل معظم ما تعانيه  البلاد.

تعليقات