الشريط الأخباري

التسعينية أبو هنية: عيد وبحر وحنين

مدار نيوز، نشر بـ 2018/06/11 الساعة 1:25 مساءً
شارك الخبر:

طوباس-مدار نيوز: استعادت التسعينية آمنة يوسف أبو هنية أجواء العيد في قرية شحمة المُدمرة ( 16 كم) جنوب غرب الرملة. وباحت خلال الحلقة (67) من سلسلة (ذاكرة لا تصدأ) لوزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة: كنا نستعد لعيد الفطر، ونُحضر الكعك، ويذبح المقتدرون الذبائح، ويجتمع الأهالي في ساحة مجاورة للمقبرة، لزيارة أمواتهم، ويحضرون معهم القهوة، ويوزعون الحلوى عن أرواح الغائبين، ثم يلفون بيوت القرية.

وسردت: كان الكبار ينتظرون الهلال، ويستعدون للعيد للذهاب إلى الرملة ويافا، فيخيمون ثلاثة أيام على شاطئ البحر، ويأخذون معهم الطعام والشراب، ويركبون الجمال والخيول، ويفرح الأطفال.

ولا تفارق تضاريس شحمة الحاجة آمنة، فقد جاورتها قرى: قطرة، وبشيت، والمسمية، ويبنة، وبنت بريطانيا مطاراً عسكرياً شمالها، عُرف باسم مطار عاقر. وأقامت معسكرًا فوق أراض القشّة ونجيلة. 

لحم وكعك

ووفق الراوية، فقد انتشرت في القرية عادة حفظ اللحوم بطريقة تقليدية، وفيها يسلقون الذبائح، ويحتفظون بها بأوعية من الفخار مع القليل من الطحين؛ خشية أن تتلف، ويأكلون في الأيام التالية للعيد. أما العكك فكان يٌعد بعجوة تأتي بأوعية كبيرة تسمى (زنبيلا).

كانت أبو هنية وأطفال شحمة ينتظرون العيد طويلًا، وكن يتلقين العيدية، ولا تنسى وحدات الجنيه الصغيرة ( الملات المعدنية)، وفئاتها الكبيرة التي كانت مثقوبة من منتصفها.

وقالت: كانت الأمهات والجدات والصبايا يلبسن الثوب الفلسطيني المطرز، وهو قماش من اللونين الأبيض والأزرق والأسود والأحمر والأخضر، وتعلوه الغدقة البيضاء ( غطاء الرأس)، وهو زي يصنع يدويًا، وتحرص حتى اليوم على إعداده بنفسها.

وزادت: كانت أرض أبي رملية، وزرعها بالكرسنة والعدس والسمسم والخضروات، ولا أنسى الخيول والجمال التي انتشرت في شحمة، ومواسم البيادر، حيث كانت الدواب تجر ألواح الخشب لتنظيف القمح والشعير من القش.

أفراح وغناء

تستذكر: كان سيدي حسن أول مختار للبلد، ثم انتقلت المخترة لحسن شاهين وعبد الله محمود معاً، ومن العائلات في شحمة: حسن, والقريناوي, وعوض، وخضر, وكتكت, والمذكر, وشاهين, وأبو هنية, والمحشي, والحتاوي, واليخري, والراعي. وكان مهر العروس خمس جنيهات، أو ليرة  ذهب واحدة، وفي وقت الفرح،  كانت تطارد الخيل أمام الناس، وتأتي النوريات للرقص على الحبال( استعراض يشبه السيرك) ونغني 7 أيام بلياليهن، وأذكر أن عائلة محمود عبد الله غنت لابنها  الوحيد30 يوماً.

مما يرافق الحاجة آمنة من أغنيات للعرس: “( ع العلندة العلندة/ كله من شانك يا علي انته/ وهي يا زين الحلا وقف تشوف/ في بلدنا تعليلة وزفة عروس/ وهي يا زين الحلا يا أبو الغزلان/ في بلدنا تعلية وزفة صبيان). ولا تنسى مواسم العيد، حين كان الأهالي يتوجهون إلى البحر، فيُركّبون الأطفال والنساء على الجمال، ويخيّمون على الشاطئ عدة أيام، يأكلون ويفرحون ويلعبون.”

تتابع: كان لزوجي بئر ماء، وحين قررنا الرحيل بعد هجوم اليهود، عاد لإطفاء الماتور، وقال: هي يوم أو يومين ونعود. ثم واصلنا، وكانت الناس حافية الأقدام، وطلعت بملابسها، وكان صوت البارود خلفنا، وسمعنا عن سيدة من البلد حملت المخدات بدل ابنها من شدة الخوف. وأخفت أمي الكواشين والذهب والمصاري في العقود (بيوت حجرية ذات قباب). وركبت أنا وأختي صبحية على الحمار، وركب أخوتي وأبي على الخيل. وشاهدنا امرأة مقتولة على جانب الطريق. ورأينا عجوزاً رفضت مغادرة منزلها، وحرقها اليهود داخله.

هلع وشهيد

ومما يسكن ذاكرتها، كيف أن الطائرات صارت تضرب الفارين من شحمة، وتوقع الشهداء منهم، فيما غفلت إحدى نساء القرية من الهلع عن حمل رضيعها، فأخذت بدلًا منه المخدة، وبعد أن انتبهت إلى مصيبتها أخذت تصرخ وتبكي وفقدت عقلها.

فرّت العائلة وأهالي شحمة نحو خربة (مغلس)، ثم إلى بيت جبرين، فعجور، ثم وصلت بني نعيم، وسكنت فترة في الكهوف، وهطلت الثلوج عليها، وكسرت أغصان الزيتون من قوته، ولا تنسى الراوية قصة الجار شاكر عوض، الذين كان محاصرًا في مغارة، وصار يُطلق النار من مسدسه ليفتح الطريق بالثلج.

ولا تسقط من قلبها وعقلها سيرة ابنها الشهيد  عبد المنعم، فتتذكر الفتى الأسمر، والقصير، وصاحب الشعر الناعم، والوجه المربوع، الذي غاب عنها للأبد في تشرين أول 1989، في مواجهات مع جيش الاحتلال داخل مخيم الفارعة فأصيب بوجهه، وكان في الصف الثاني الإعدادي، وتوقفت أحلام “المعلم الصغير”.

تاريخ وحياة

بدوره، أشار منسق وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، عبد الباسط خلف إلى أن الوزارة أطلقت (ذاكرة لا تصدأ) منذ عام 2012، وفيها أعادت بناء تفاصيل المدن والقرى المدمرة، من وحي شهادات شفوية لرجال وناسها عاشوا قهرها.

وتابع: قدمت الحلقات قرابة مئة قصة وصفت  البيوت والطرقات وينابيع المياه والأطباق التراثية، وتتبعت ذكريات المدارس والكتاتيب، وتجولت في تفاصيل الأعياد، والأفراح، والأحزان، ووثقت مواسم الشتاء، وحكايات الزراعة وأسماء الأراضي، والعلاقات الاجتماعية، والتجارة، والحج، وعادات شهر رمضان، ولحظات التهجير المؤلمة.

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات