الشريط الأخباري

الروائي واستغباء القاريء: يحيى يخلف ” اليد الدافئة ” .. عادل الاسطة

مدار نيوز، نشر بـ 2018/09/29 الساعة 12:47 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز / وأنا أقرأ رواية يحيى يخلف الأخيرة “اليد الدافئة “2018 تذكرت مقالة غسان كنفاني “كيف تفسد قصة ناجحة؟ “.
كان كنفاني ناقدا أدبيا ساخرا، وهذا الوجه الساخر له لا يعرفه عنه كثيرون، فهو لا يظهر في رواياته أو دراساته أو مسرحياته أو قصصه القصيرة، وإنما يظهر في المقالات التي كان يوقعها باسم” فارس فارس “.
كان كنفاني تناول مجموعة قصصية للكاتب اللبناني توما الخوري ورأى أنها قصص جيدة لولا أن صاحبها أفسدها من ناحيتين: استخدام مفردات وعبارات لا تلائم زمننا وإقحام عبارات تستغبي القاريء، ودلل كنفاني على ما ذهب إليه.
في رواية يحيى يخلف “اليد الدافئة “ما يذكر المرء بالقصص التي كتب عنها كنفاني.
يكتب يحيى رواية عن الفلسطينيين العائدين إثر اتفاقات( أوسلو )ويختار فلسطينيا كان نشيطا وهو في المنفى في صفوف حركة المقاومة، ويعود هذا الفلسطيني إلى رام الله ويعمل في أجهزة السلطة الفلسطينية ثم يحال إلى التقاعد فيعيش على الهامش ومما يزيد من همومه ومشاكله أنه فقد زوجته وأن ابنته الوحيدة تقيم مع زوجها في بلد خليجي.
يحاول هذا الفلسطيني العائد المتقاعد الذي غدا على الهامش أن يتكيف مع واقعه ويفكر في كتابة رواية. وهكذا تكتب رواية داخل الرواية، وموضوع الرواية هو سمعان الناصري الفلسطيني الثوري الذي صار وغدا.
لقد ترك سمعان بيروت والثورة واستقر في برلين وهناك تعرف إلى إفريقية ،هي صوفي، أقام معها علاقة فاحترمته وانقذته من الضياع ثم تخلى عنها لأنه أقام علاقات نسائية مع اوروبيات شقراوات..
بطل رواية يحيى يغدو مؤلفا روائيا، وكما يقص سارد كلي المعرفة عن الشخصية الرئيسة أحمد أبو خالد فإن أحمد يقص بدوره حكاية سمعان.
كلاهما أحمد وسمعان كانا في الثورة الفلسطينية في لبنان، واختلفت بهما السبل ولكنهما ظلا على تواصل.
بغض النظر عن الموضوع الروائي فإن سارد رواية “اليد الدافئة “-وهو يحيى، إذ ليس ثمة ما يقول لنا إنه غيره ،-غالبا ما يستغبي القاريء، ويبدو هذا من خلال تكرار كلمات تكرارا لافتا يمكن الاستغناء عنها، ولعل أكثر هذه هي الكلمات التي كانت عنوانا للرواية “اليد الدافئة “وصاحبة اليد الدافئة هي المرأة التي يتعرف إليها أحمد أبو خالد .لقد تكررت لدرجة الملل، ومثل كلمتي “اليد الدافئة “وصفه صديقة سمعان صوفي الخلاسية اللون. إنها تشبه الشوكلاطة ولم يورد الوصف مرة واحدة. غالبا ما عاد ونعت تلك المرأة بالوصف ذاته، وربما يبدو إحصاء تكرار مثل هذه الكلمات أمرا مجسدا للتدليل على الإفراط في الوصف دون حاجة. والتكرار هنا لنعت المرأة تكرار برز من قبل في قصة يحيى”تلك المرأة الوردة”.
لا يترك يحيى لقاريء قصته أو روايته فسحة لكي يستنتج هو بذاته صفات المرأة الإيجابية. إنه يقولها ويكرر قولها تكرارا لافتا كما لو أن القاريء بلا ذاكرة وغير قادر على الاكتشاف والحكم.
ويبدو هذا التكرار غالبا ضربا من الحشو والاستطراد معا، تماما كما أن بعض ما أورده السارد في بعض صفحات الرواية كلام يمكن الاستغناء عنه، ولعل أبرز مثال نجده في الصفحة الأولى.لنلاحظ مثلا هذا الاكتشاف العجيب: “للانسان طفولة وشباب وشيخوخة، للطفولة براءتها وللشباب جسارته وللشيخوخة عزلتها”(10).
كان كنفاني كما ذكرت توقف أمام عبارات ومفردات تراثية في قصص توما الخوري التي نقدها ورأى أنها عبارات ومفردات تبدو مضحكة.
لا تخلو رواية “اليد الدافئة “من استخدام عبارات كانت ابنة بيئتها وما عادت تناسب البيئة التي استخدمت فيها. من ذلك أن أحمد أبو خالد الذي يكتب رواية عن سمعان الناصري يصف حالة سمعان وهو في (برلين) حين يعود مهزوما فاشلا لصديقته ،يصفه على أنه كان أشعث أغبر.
إن عبارة أشعث أغبر عبارة نقرؤها في الأدب العربي الذي كتب في البادية مثل شعر عمر بن أبي ربيعة.
في رائية عمر:
“أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ”
وصف لحالة عمر متنقلا في الصحراء. لقد صار لهذا أشعث أغبر، والذين قرأوا القصيدة سخروا من عمر لوصفه نفسه الوصف السابق، فقد عرف عنه أنه يعيش في المدينة عيشة مرفهة وأنه بذلك وصف نفسه بما ليس فيه.
ومن العبارات اللافتة العبارة التي نطق بها الكاتب المجيد أحمد أبو خالد يخاطب سائقه أبا الخير: “ها انت يا صديقي صرت حكيما أو تحتذي بحذاء الحكماء “(226) ولست متأكدا من صواب العبارة التي أعادتني إلى المعجم واستفتيت في صحتها القراء. هل عرف عن العرب استخدامهم عبارة”تحتذي بحذاء الحكماء “للتدليل على أنه صار على طريقتهم أو نهجهم؟
في المعجم حذا حذو الحكماء لا احتذى بحذائهم.
ويخيل إلي أنها ضرب من الفذلكة اللغوية.
هل كان يحيى وهو يكتب روايته اسير اللغة مسحورا بها؟
أزعم أن كثيرا من كتابنا لا يدخلون إلى نفسيات شخوصهم بما فيه الكفاية وأنهم يكتبون وأحيانا ينسون ما يكتبون.
في الرواية تحضر شخصية أبو مجدي خال نرمين ذات اليد الدافئة. أبو مجدي هذا تارة يرد “أبو مجدي” وطورا يرد “مجدي “.أهو الغفلة والنسيان أم أنها أخطاء طباعية؟
كان غسان كنفاني في مقالاته النقدية ناقدا حادا عنيفا وساخرا، وأتمنى ألا أكون تعلمت منه.

نابلس 28 ايلول 2018.

شارك الخبر:

تعليقات