الشريط الأخباري

“الشعبونية”: العادة التي تسبق رمضان.. تعرف عليها!

مدار نيوز، نشر بـ 2017/05/19 الساعة 7:49 صباحًا

نابلس – مدار نيوز: تسبقُ شهرَ رمضانَ استعداداتٌ شعبيةٌ تمتد لأسابيع قبل ليلة ترقّب هلاله. وشهر شعبان، الثامن في الأشهر العربية، الذي عُرف بهذا الاسم قبل الإسلام، اكتسب أهمية خاصة في التراث لكونه الشهر الذي يسبق رمضان، وتكثر فيه المناسبات الاستعدادية للشهر الفضيل، ومنها “الشعبونية”.

و”الشعبونية” كلمة عامية دارجة في أنحاء كثيرة من الوطن العربي وهي نسبة لشهر شعبان، الذي قيل إن أصل اسمه من تشعب القبائل وتفرقها للغزو والصيد بعد شهر رجب المُحرم. وعُرف لدى أهل الشام بشهر “مليص” كناية عن مرور أيامه بشكل سريع (يملص بسرعة).

ولهذا الشهر مكانة مرموقة عند قريش والعرب قبل الإسلام حتى أنهم نسبوا له ولشهر رمضان التعظيم والقداسة، وأعطوهما تعظيمًا يكاد يُضاهي تعظيمهم للأشهر الحرم. وكان للعرب في شهر شعبان سوق مشهود يقوم من أوله حتى النصف منه.

ولمّا جاء الإسلام جعل لشهر شعبان مكانة بالحثّ على الصوم فيه وفعل الخير. فيما نسبت العامة لشهر شعبان فضائل كثيرة، وتسارعوا لفعل جملة من العبادات والمكرمات التي نسبوها للإسلام.

وقد نسجت المُخيلة الشعبية جُملة من الفضائل لهذا الشهر، حتى صار له طقوس وعادات يحتفل بها، بعضها استند لأحاديث ضعيفة، وبعضها قام على خُرافات أو موروثات قديمة من إرث الأمم السابقة للإسلام.

ومن جملة الاعتقادات التي تنسب لهذا الشهر، أن النبي زكريا – عليه السلام – صام يوم الأحد الأول من هذا الشهر، قبل أن يستجيب الله له ويهبه يحيى، ولذا يصوم البعض هذا اليوم ويعدون الأطعمة والحلويات ويوفون بنذورهم وسط احتفال عائلي كبير.

ويضاف لذلك، ليلة الشعلة، أو ليلة البراءة كما يُسميها الناس، وهي ليلة النصف من شعبان (الناصفة)، وكان يُحتفل بها قديمًا لاعتقادهم بأن لها جُملة من الفضائل والبركات. ومن ذلك اعتقادهم بأن الله يقسم الأرزاق والأعمار فيها. والاحتفال بهذه الليلة يكون دينيًا في المساجد ذا طابع تعبدي مُبتدع، واحتفال شعبي مرح يقوم به الأطفال كتقليد شعبي قديم حيث يطوفون الأزقة منشدين ومهللين.

ولعل أكثر ما راج في العالم العربي قديمًا في شهر شعبان، وليمة شعبان المعروفة باسم “الشعبونية”، وقد عرفتها بلاد الشام وجزيرة العرب والمغرب العربي، وتفردت كُل منطقة باسمٍ لها، وتفاصيل قد تميزها، لكنّها تتفق في جوهرها وطبيعتها وأصل نشوئها.

ولا تزال بعض المدن في المجتمعات العربية حتى اليوم تتمسك بهذه العادة وتحرص على تنفيذها مع الاعتقاد بثواب ذلك، وأن فيه صلة للرحم وتقوية للنسيج الاجتماعي.

ففي سوريا يُسميها الناس “شعبونية” و”تكريزة رمضان”، وفي بيروت تسمى “سيبانة رمضان”، وكانت تتم خارج المدن في سوريا ولبنان، حيث ترتبط بالتفسح والخروج الى المناطق المرزوعة والبساتين.

أما في فلسطين والأردن فقد عُرفت ب “الشعبونية”، ويشتهر بها حتى اليوم أهل نابلس ويافا، وبعض أهل القدس والسلط والبلقاء وعمان. وتقوم على دعوة الرجل لكل أرحامه وقريباته من النساء لتناول الطعام في بيته. وكانت القُرى في فلسطين تُقيمها عند الأولياء ويؤدون معها النذور والهبات.

وعرفها أهل المدينة ومكة ومناطق من الحجاز باسم “الشَّعبنة”، وكانوا يقيمونها في الأماكن العامة أو الحدائق والأماكن ذات الجو المقبول، أو في بعض القرى القريبة من المدن.

واشتهرت في الكويت وبعض مناطق الخليج باسم “يوم القريش”. وكانت النسوة يأتين بطعامهن إلى بيت كبير العائلة، أو يذهبن إلى شاطئ البحر في اليوم الأخير من شعبان؛ للأكل بشكل جماعي مُستذكرين المثل الشعبي: “اليوم القريش وباكر نطوي الكريش”.

وعرفتها تونس والجزائر والمغرب العربي والأندلس باسم الشعبانة “وليمة الشعبانية”، وقد رافقها ابتهالات وغناء ومديح وفرحة احتفالية عارمة.

ومجمل القول في وليمة شعبان “الشعبونية” أنها تُعد في الأسبوع الأخير من شهر شعبان، أو في آخر يوم من هذا الشهر، وتقام في أماكن عدة ومختلفة من العالم العربي، مثل بيت كبير العائلة، أو في فسحة عامة، أومكان مفتوح، أو عند مقامات الأولياء، أو تحت أشجار النخيل، أو في الحقول المُشجرة والمنتزهات.

وتقدم في “الشعبونية” أصناف من المأكولات مما لذ وطاب، ومما سيتعذر طبخه في رمضان مثل، الكوارع، والكبة، واللخنة النابلسية، والفسيخ، والمفتول، والمحاشي، ويؤتى أيضًا بكل أصناف المأكولات التي لا يصلح بقاؤها في مونة البيت، بسبب دخول شهر رمضان وبدء الصوم. فتكون هذه الوليمة عامرة بألذ الأطعمة والحلويات المشهورة في البلد.

ومع مرور الوقت تطورت هذه العادة في المجتمعات العربية، وصار لها في بعض المناطق خصوصية وتفردًا، وإضافات مميزة، لكنها لا تخرج عن وصفها العام “ولائم شعبان”. فنجد مثلاً أن “الشعبانيات” في مدينة نابلس صارت وليمة لها فعاليات على مدار ثلاثة أيام تُدعى لها جميع الأرحام والولايا دون الرجال. وتنتهي الشعبانية بتقديم أصناف الحلوى. وفي ذلك يقول أهل نابلس (كُلي المحلى وانسحلي). أي بعد التحلاية تنتهي الشعبانية.

وشكلت هذه الولائم جزءًا من الإرث الشعبي في المجتمع العربي، حتى أصبح البعض يسارع إليها صلة للأرحام وطلبًا للثواب. أو توديعًا لأيام الإفطار واستقبالًا للصوم. أو كتقليد موروث من الآباء والأجداد علينا الحفاظ عليه.

وقد زعم البعض أن لهذه الوليمة التي تسبق الصوم نسب بالأمم والحضارات التي سبقت الاسلام، وأنه كان عندها طقس بعمل ولائم تسبق صومها وانقطاعها عن الطعام، ومن هذه الأمم تسربت الوليمة للمجتمع الإسلامي. وإن صح هذا أو لم يصح، فهو لا يغير من كونها ظاهرة معروفة في المجتمع العربي، ولها حضور في ذاكرة أجياله، وأنها تعد من جُملة إرثه الشعبي العريق.

ألترا صوت فلسطين – حمزة العقرباوي

تعليقات