الشريط الأخباري

المفتول الفلسطيني… وجبة الشتاء وجمعة العائلة

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/23 الساعة 10:53 صباحًا
شارك الخبر:

وكالات – مدار نيوز: كانت المرة الأولى التي تعلمت فيها السيدة صبحية عبد القادر أبو صالح “أم عزام” (69 عاما) من ضاحية شويكة في مدينة طولكرم شمالي الضفة الغربية، تحضير وجبة المفتول، من والدتها الحاجة “أم مصطفى”، قبل زواجها، وصحب طبخ المفتول “أم عزام” طيلة حياتها الزوجية، تعدها لعائلتها في أيام الشتاء، وخاصة في أيام الجمعة.

بدأت “أم عزام” تنظر إلى والدتها “أم مصطفى” حينذاك وهي تعد وجبة المفتول، تحضر في بادئ الأمر دقيق القمح والبرغل الناعم (قمح مجروش) بعد نقعه في الماء لحين من الوقت، كل في إناء خاص، بينما تبدأ عملية “الفتل”، وهي خلط البرغل والدقيق معا، ورشهما بالماء الفاتر، وتبدأ “أم مصطفى” بتحريك الطحين مع البرغل في حركة دائرية سريعة يصير معها الدقيق والبرغل كتل “عجين” كروية صغيرة وبشكل متناسق، “وهو بحاجة إلى فن في إعداده على شكل كرات”، كما توضح “أم عزام”.

بعد ذلك، تبدأ عملية طبخ المفتول على البخار “التهبيل” بلهجة الفلاحين الفلسطينيين، يوضع في مصفاة حديدية (إناء مخرم) تلصق بواسطة العجين فوق طنجرة الطبخ التي تكون مملوءة بالماء، فتنتج بخارا يطبخ فيه المفتول، ويحرك على البخار إلى أن يصبح جاهزا ومن ثم يرش بالملح والبهارات ويرش عليه زيت الزيتون، في وقت تعد فيه الشوربة الخاصة بالمفتول.
تلك الشوربة اللذيذة المعدة إما من مرقة الدجاج أو اللحوم الأخرى لكن أهل الريف الفلسطيني يفضلونها بلحم الدجاج البلدي، وتزين تلك الشوربة حبات الحمص المسلوق والبصل، وقد يضاف لها عصير البندورة معلبا أو يتم عصره طازجا بحسب الرغبة، وعملية إعداد المفتول قد تستغرق نحو أربع ساعات.

في موسم فصل الشتاء من كل عام، تحرص السيدة شفاء سليم محمود البيك “أم إياد” (53 عاما) من سكان مدينة جنين شمال الضفة الغربية كغيرها من العائلات الفلسطينية، على إعداد وجبة المفتول لعائلتها عدة مرات، وخاصة في أيام الجمعة من كل أسبوع لأن اجتماع العائلة في هذا اليوم ولخاصية يوم الجمعة لما له من أهمية، ولذا تخصص أفضل الوجبات في هذا اليوم أو الوجبات النادرة.

قبل 25 عاما تعلمت “أم إياد” من قريبة لها إعداد المفتول، وتعد المفتول لعائلتها بنفسها، كما اعتادت بالطريقة التي كانت كل العائلات الفلسطينية تعدها بها، لكنها ومنذ عشر سنين وهي تشتريه جاهزا من نساء يكرسن أنفسهن لإعداد المفتول وبيعه للعائلات، ما يوفر جهدا ووقتا لدى “أم إياد”.

المفتول بمرقة اللحمة ما تفضله “أم إياد” فهو أطيب بالنسبة لها، لكن إعداد هذه الوجبة التي تفضلها العائلات الفلسطينية، تشتهر بأن يزينها لحم الدجاج، ثم تزين المائدة المخللات، أما عن إعداد المفتول في الشتاء فتوضح “أم إياد” أن تلك الوجبة “تشعر الإنسان بالدفء”، كما تقول.

في حين، فإن السيدة منى فالح من مدينة رام الله وسط الضفة الغربية، كانت ترقب إعداد المفتول من خالاتها وعماتها وجدتها منذ صغرها، فأصبحت “تفتل” المفتول وتتقنه، تحفظ إعداده من جدتها لأبيها، لكنها اليوم تشتريه جاهزا من المحال التجارية بدلا من إهدار الوقت والجهد في إعداده، كما توضح.

“المفتول” بالنسبة لمنى، لم يعد تقليديا كما تعلمته، فهي تحاول إضافة بعض الأطعمة عليه، كإضافة بعض أنواع الخضار على مرقته، كالقرنبيط والجزر، بل إنها مهتمة أيضا بتصوير ما تجهزه من طعام، وتدرك أن إعداد الطعام هواية وتذوق حسي، كما تقول.

يباع المفتول الجاهز إما طازجا أو مفرزا، في بعض محال البقالة و المواد التموينية، ومحلات المفرزات، ويبلغ سعر الكيلو الواحد المفرز 10 شواقل (نحو 2 دولار ونصف)، أما الطازج منه فيبلغ سعره 12 شيقل (نحو 3 دولارات)، حيث يوضح مدير محلات “التل الأخضر” في مدينة رام الله، عدي قطاوي، مشيرا إلى بيعه في كل أيام السنة مفرزا، لكن الإقبال عليه طازجا في الشتاء أكثر، إذ يتم استيراده من عائلات تختص بفتله وتعبئته، لبيعه في محله.

عرف الفلسطينيون “المفتول” منذ قديم الزمان، كما عرفته بلاد الشام وبلاد المغرب العربي، لكنه يسمى في بلاد المغرب العربي “الكسكسي”، أما في فلسطين فقد أصبح المفتول ملتصقا بتاريخ الشعب الفلسطيني، كما يوضح الخبير في التاريخ والباحث في التراث، عبد الله كلبونة.

في السنوات الأخيرة تحاول سلطات الاحتلال الإسرائيلي أن تشن حربا على التراث الفلسطيني بصفة عامة وسرقته، ونسب ذلك التراث من أطعمة وغيرها للإسرائيليين، حيث يشير كلبونة إلى وجود آراء مختلفة واجتهادات دون دليل بأن المفتول هي أكلة “الملك سليمان”، رغم عدم وجود أي دليل يثبت هذه الآراء.

ويشير كلبونة إلى أن المفتول أكلة معروفة بالشتاء في جميع أنحاء فلسطين، وتعد بشكل شبه أسبوعي فهي تعطي الدفء والطاقة للجسم، أما سبب تسميتها بهذا الاسم “المفتول”، فلأن العرب سمت الأشياء من حركتها وأشكالها وأفعالها، ولذا جاء المفتول من الحركة الدائرية السريعة وفتل الطحين وتحويله إلى جزيئات صغيرة.

وبحسب الباحث كلبونة، فإن الآراء قد اختلفت حول أصل أكلة المفتول، لكنه يرجح بأنها تعود إلى الوطن العربي واختص بها أهالي بلاد المغرب العربي وبلاد الشام، ويظهر المؤرخون أن ظهورها وانتشارها في بلاد الشام ربما يعود إلى أنها نُقِلَت من خلال الحجاج المغاربة.

العربي الجديد – محمود السعدي

شارك الخبر:

تعليقات