الشريط الأخباري

حصار وفدائي وعنب !!

مدار نيوز، نشر بـ 2018/05/14 الساعة 8:32 صباحًا
شارك الخبر:

طوباس-مدار نيوز: استعاد الثمانيني محمد صالح العرجا، فصولًا قاسية من حصار الفالوجة عام 1948،  ووصف بلدته خلال الحلقة (65) من سلسلة ذاكرة لا تصدأ” التي تنظمها وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية واللجنة الشعبية للخدمات في مخيم الفارعة، وجاءت ضمن إحياء السنوية (70) للنكبة بالتعاون مع هيئة التوجيه السياسي والوطني. كما  استرد لحظات نكبتها، وذكرياتها مع الجيش المصري ودفاعه عنها.

واستهل: كان عدد سكان بلدتنا خمسة آلاف، وفيها بلدية، ومدارس ثانوية وابتدائية للبنات، وأربع كتاتيب، ومركز صحي، ومحكمة، ومسلخ للحوم. وكانت متطورة، وتعيش على الزراعة، ثم تحولت إلى التجارة.

سوق البرين

وأضاف: تقع بلدتنا شمال غزة وغرب الخليل، وأقامت فيها عائلات: السعافين، وعقيلان، والنجار، والنشاش، والمطرية، والبراجنة، ولا زلت أنذكر مناطقها، كالشومرة، والخصاص، وأم النعاج، والرسوم، وخربة الشلف، ودار كركية، وأبو الغربان، ومليطة، والقبال. وفي كل يوم خميس كان ينعقد سوق البرين، وفيه يتوافد الناس من البلدات والمدن المجاورة للمتاجرة بالسلع المختلفة، كالقماش واللحوم والذهب والخضار. وكنا نشاهد مواسم وادي النمل، والمنطار، أسدود، والنبي روبين، والرملة، التي كانت مثل العرس، وتعقد في شهر أيار، وفيها سباقات خيول على البحر، ودبكة، وأناشيد دينية للفرق الصوفية، وبيع، وشراء.

كان العرجا يشاهد الناس والتجار في سوق البرين، وكان يلعب بالفخاخ، ويصطاد العصافير من الحقول. ولا زال يتذكر يوم اجتمع الأهالي، وقرروا قبل النكبة إرسال الشيخ محمد عواد، رئيس البلدية إلى مصر لشراء السلاح، بعد أن جمعوا المال، وقرروا تدريب 360 من الشبان على استخدامه.

وتابع: في إحدى أيام نيسان، كنا نلعب في المزارع، عندما أوقفتنا سيارة عسكرية للجيش المصري، فسألني الضابط( يا جدع وين المستعمرة)، فأشارت له إلى مكانها، وصعد إلى خزان المياه في البلدة، وحمل منظاره، ثم نزل، وبعد أيام قليلة بدأ الجيش يدخل البلدة، وطلب من الناس أن يفحتوا ( يحفروا) خندقاً حولها، وظلوا يقومون بهذا العمل لشهر، حتى انهوا”.

فداء مصري

اختلط العرجا بالجنود المصريين، وكان يبيت بينهم في منزل أسرته، وتعرف على الأسلحة، وشاهد مدفع (أبو الستة رطل)، وراح يجر صناديق الرصاص معهم، وتعرف إلى الضابط القبطي وحيد، وشحاتة من المنصورة، وسعيد القادم من السويس، واحتك بالضباط صلاح سالم، وجمال عبد الناصر، الذي أصبح رئيسًا فيما بعد.

وأضاف: عشنا تحت الحصار والقصف ستة أشهر، وكانت البلد كلها ساحة معركة، وصد الجيش المصري العصابات الصهيونية مرات كثيرة، وشاهدت بعيني الشهداء والجرحى والطائرات، وكان يظن الجنود المصريون أن الطائرات الإسرائيلية التي تقصفهم هي مصرية.

ومضى العرجا: هجرنا من البلد أنا وأمي وعمتي وأخواني، وظل أبي مع الجيش المصري، وروحنا على الدوايمة. وعدت إلى الفالوجة لمساعدة عمتي فاطمة البعم، التي قالوا لها إن زوجها استشهد، فما أن دخلنا البلد، إلا وإصابتها قذيفة، وشاهدت كيف قسمت جسدها إلى نصفين، واحترق شعر رأسها، وجاء زوجها الذي تبحث عنه ليدفنها بنفسه.

وواصل الراوي متنقلاً بين الدوايمة، ووصل دورا ثم مدينة الخليل، فأريحا، ثم سوريا، فالأردن، وانتهى به الحال في أريحا، حيث فرضت عليه الإقامة الجبرية واعتقل لفترة، ثم أستقر في مخيم الفارعة، بانتظار العودة التي نفذها بعد النكسة عدة مرات، فكان يفتش خلالها عن بيته، والمسجد حيث تلقى دروسه، وضريح وليها.

تصوّف وكاز

ومما نسجته رواية  العرجا عن بلدته: كنا نستقبل شهر رمضان بتجهيزات خاصة، بعد أن نعرف ثبوته من علماء الأزهر بمصر، وكانت تنشط لدينا الزوايا الصوفية الأربع، ونستمع إلى دق الطبول والموالد الرمضانية، وتميزت بلدته بأن رجالها كانوا يحافظون يوميا طوال الشهر الفضيل، على تقليد اسمه ‘الخروج’، فيحمل كل واحد منهم طبقا من الطعام، ويجتمعون في مجالس الحارات، ويأكلون معا، وكانت البلدية تنير الشوارع بفوانيس الكاز من بعد العصر وحتى أن ينفذ ما فيها من وقود.

ووالى: كان لكل حارة مسحراتي خاص بها، وكنا نسمع إلى خليل الراعي، وهو يقرع الطبل ويوقظ الناس من نومهم، ولا ننسى ‘المفتول’ الأكلة الشعبية في رمضان، والمنسف دون أرز، أما الحلويات فأشهرها المطبق، وكان تجار غزة يحضرون لأسواقنا النمورة.

وزاد: سقطت بلدنا بعد صمود طويل، وأذكر أن ذلك كان في رمضان، وكنت صائما، وأغمي علي من العطش، فأدخلني والدي إلى المقهى، وأسقاني العصير، وأتذكر وجود الجيش المصري في بلدنا، وكيف كان الجو في رمضان معهم. ولا أنسى كيف أن الحصّادين هربوا من السهل القريب إلى داخل البلد، وهم يحملون المناجل من جيش الاحتلال.

ومن القصص التي لا ينساها، كيف غمر ثلج عام 1950 خيام المخيم، وحين انفجرت من وسط بيت أسرته عين ماء، أجبروا على النوم فوقها، بعد وضع الأشواك والحطب، ولا يسقط من ذاكراته حين أورقت أوتاد الخيام التي أحضرتها وكالة الغوث لتقوية بيوت المخيم أمام الرياح، ثم أزهرت وأثمرت!

نجمة وصبح!

وسرد أحمد عبد الله دغمان (82) مقاطع رأسه الكفرين القريب من حيفا: احتفظ بخريطة بلدتي التي أعدها لي رجا مصطفى صالح، وحتى اليوم لم أنس أسماء أراضيها الشعبية، كالحواكير، والمرشقة، وتلة الزعترة، وأم القرامي، وطريق العرب، والبيادر، وبئر خميس، ووادي البزاري، وعين البلد، ووادي العرائس، ووادي الحنانة، وجبل بيت راس.

وقال: عاشت في الكفرين، التي تعني بالتسمية القديمة (نجمة الصبح): عائلات: سرحان، والغول، وخليفة، والعسوس، ونعجة، وعبد الجواد، والحاج يوسف، وأبو لبّادة، وأبو سرّيس، أما مختار البلد فكان أديب أبو نجمة، من حيفا، بينما كان أمام المسجد الشيخ عبد الله الأحمد، ونعيم دروزة مدير المدرسة ومعلمها الوحيد.

وبحسب الراوي، فقد اشتهرت قريته بالزراعة، وبخاصة  الحبوب والحنطة والذرة البيضاء والملوخية، ولكنها تميزت بالفجل الذي كان يتضخم كثيراً ويتجاوز  وزنه 2 كيلو غرام، ويذهب إلى أسواق حيفا.

وتابع انتشرت في الكفرين الجمال، التي كانت تستخدم لنقل البضائع، فيما كانت معظم الطرق ترابية. واستذكر حكاية رمضان في قريتي، فقد كان الأهالي يتبرعون لقراءة المولد والمدائح النبوية الرمضانية، وكنا نخشع حين نستمع إليها، وكان المولد ينتقل في كل ليلة من بيت إلى آخر، ويدعو من يقع عليه الاختيار الجيران والأقارب والأهالي.

مسحراتي وفدائي

 وأردف: أتذكر أمي وقريباتي ونساء بلدنا  حين كن يصنعن على الرحى (الطاحون المنزلي) البرغل خلال نهار رمضان، ويجهزن الشعيرية من الطحين في البيوت. ولا أنسى كيف كان الرجال والنساء يجمعون الخضروات من أراضي سهل الروحة قبل الإفطار، ثم يجتمعون قبيل الغروب في مجموعات لتناول الطعام مع بعضهم البعض.

ووفق دغمان، فقد حرص المسحراتي الشيخ عبد الله على إيقاظ الناس، وكان يجوب الحارات، ويصلي بالناس التراويح، وكان الصبية يذهبون في رمضان إلى مقام (الولي) الشيخ مجاهد. أما النساء فيتوجهن لعيون الكفرين: البيادر، والبلد، وحمد، وصلاح، وادي البزاري، والحنانة، وغيرها؛ لجلب الماء البارد قبل الإفطار.

وأضاف: قبل أن نُجبر على ترك الكفرين، منعنا والدي من أخذ أي أغراض، وقال لنا( سنعود بعدي يومين على الأكثر)،  ورحل معظم الناس إلى أم الفحم، وانتقلنا منها نحن إلى سيلة الحارثية ورمانة، وبعضنا إلى جنزور ( قرب  مثلث الشهداء)، ثم إلى مخيم نور شمس فالفارعة عام 1957.

مما لا يسقط من ذاكرة دغمان حكاية الشاب  محمد العسوس، الطويل والجهم، والمشهور بـ(السفياني)، الذي راهن جنود جيش الإنقاذ الذين كانوا يدافعون عن القرية، قبل الانسحاب، أن يحضر لهم المجندة التي كانت تطلق النار من فوق جبل بيت راس، فما أن كاد أن يصل لها، إلا وظنه جندي آخر  من العصابات الصهيوينة، فأطلق عليه النار، ليتدحرج من فوق الجبل، إلى قاع الوادي مثل الكرة، وأكلت البلد التراب حزناً عليه.

وعرض إبراهيم الشاويش، الذي ولد في قنير قضاء حيفا عام 1945 قصة مؤلمة لقريته، فقد عمل في الخضار والفاكهة بالداخل المحتل عام 1970، ووصل  قنير، من غير أن يعرفها، وحين طلب زميله سائق الشاحنة أن يتفحص العنب الأجود، اختار البضاعة المشتراة من قريته، فبكى لحظة إخباره بأن العنب الأجود قادم من قنير، ونقل القصة لوالده فاكتوى بالحزن.

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات