الشريط الأخباري

حين كنا وكان أحمد!… نجلاء أبو شلبك

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/12 الساعة 8:04 مساءً

حين كنا و كان اللجوء، اعتدنا أن نتقاسم كل شيء، أن نتقاسم الأمل وأن نتقاسم أيضًا الألم.. أن نتقاسم لقمة العيش والماء، أن نتقاسم بيوتنا واهتماماتنا وآمالنا وأحلامنا..

منذ 1948 ونحن نتقاسم أشياءنا، رغم تفرق الدروب بنا ورغم آهاتنا وجراحنا، ورغم أفراحنا وأحزاننا إلا أننا لا زلنا نتقاسم أشياءنا..

في مخيمات اللجوء خارج الوطن وداخله، في محافظات الوطن، في الداخل المحتل عام 1948 وفي كل بقاع الأرض التي يتنفس بها فلسطينيّ، لم تخنا ذاكرتنا أبدًا..

فأنا اليوم أعرف جيدًا بيت أجداد أجدادي في بلدتي المهجرة لفتا، أستطيع أن أتنقل بين غرفه وأن أركض في ساحته ولو خيالاً، أستطيع أن أسير في طرقات البلدة أشتم رائحة الميرمية الجبلية والزعتر الأخضر، أستطيع أن أتذكر أنني في كل لحظة من هناك وأنني في كل لحظة من هنا..

في غمرة كل هذا ،وضمن كل محاولات تهويد الأرض والذاكرة، وسرقة التراث والعراقة والهوية وأسرلة المناهج الفلسطينية ، يأتي أحمد النصر ليعيد لذاكراتنا وحدة جمعية..

يأتي أحمد ابن النصر ليكتب النصر، يأتي أحمد ليعيد مفهوم تقاسم الأشياء إلى ذاكرتنا، فأحمد تقاسم معنا كل مراحل عمره، فهو ابن الشهيد والشهيد شهيد الوطن، وهو الشاب الخلوق صاحب الوجه الحسن وهكذا هم شباب الوطن..

يأتي أحمد اليوم ليتقاسم معنا شبابه وعنفوانه، لنشاركه دعواتنا له بالحماية كما شاركنا حبه للوطن وتضحيته فداه.. فمن عملية بطولية قادها إلى اشتباكات مسلحة ومطاردات دائمة على مدار أيام طويلة.. إلى فقدانه لرفيقه خلال أول مطاردة، وإلى هدم منزله حيث عاش حياته وتربى فيه،وهدم ثلاثة منازل أخرى لأقاربه وجيرانه.. إلى شموخ أمه وصبرها العظيم، وإلى شجاعته التي حركت جيشاً كاملا للقائه، جيشًا كان يعتبر الجيش الذي لا يُقهر، ولم يعد يُعرَف بعدها إلا بالجيش المهزوم..

قاسمنا أحمد لحظات حياته وأصبح جزءًا من لحظات حياتنا، فمن ترقب إلى دعوة إلى أمل ببقائه حيًّا، دخل بيوتنا جميعًا وكان حديثنا نحن الفلسطينيين هنا وهناك.. ففي مخيمات اللجوء هنا في فلسطين المحتلة ومدنها وقراها، إلى مخيمات اللجوء في بلدان العالم كافة.. لقد أصبح أحمد الأسطورة في زمنٍ لم يعد فيه حتى فكرة خيالية عن الأساطير..

أصبحنا نستيقظ وننام على خبر لنطمئن على حياته، ومن خبرٍ إلى خبر باتت كل الأخبار مهمة.. وبات أحمد كل الأخبار، وباتت كل الأخبار أحمد.. فلا يعنينا إن زار رئيس دولة دولة أخرى، أو إن حوكم رئيس دولة بقضايا فساد، ولا حتى إن تمت المصالحة.. فقد بتنا أكبر من أن نفكر بمصالحة سياسية، فما جدواها إن كان الشعب متصالحًا مع ذاته.. فوحدة الشعب أعادها أحمد، ولم يعد للوحدة الأخرى أي معنى يُذكر أمام وحدتنا الفلسطينية الشعبية..

وفي لحظات الوداع الأخير، لم نرغب بأن نصدق أنّ أحمد قاسمنا أيضًا لحظات استشهاده وموته.. لم نرغب أن نعي بأنّ هذه اللحظات باتت حقيقة لا خيال.. لحظات الفقد مرعبة، ولكنها كانت المرة أكثر رعبًا لا لأنه غاب، فهو باقٍ لا محالة، بل لأننا بتنا نخاف نحن أن نغيب.. فروحه باقية حيّة ومنتصرة، أما أرواحنا فباتت تحتاج إلى ذرات حياة كتلك التي يعرفها أحمد..

أحمد النصر، والنصر أحمد.. لروحك السلام يا نصرًا عرفناه فحفظناه فسميناه كما سمى أبٌ ابنه المولود في ذات اليوم الذي استشهد فيه أحمد، وأجزم أنه همس في أذنه قائلاً « أسميتك أحمد النصر، ولعلك تشبه نصرًا كأحمد»..

لترقد روحك بسلامٍ يا أحمد ولو كنت في أكثر ثلاجاتهم صقيعًا، وسلامٌ منا لكل الأحباب الذين لا زالت جثامينهم محتجزة في ثلاجات ومقابر لا تمتّ للإنسانية بأي صلة .. دُم بحبٍ أبدي يا أحمد، يا أمنية تمنيناها فحدثت.

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات