الشريط الأخباري

خــيــر جــلــيــس …عادل الأسطة

مدار نيوز، نشر بـ 2018/07/15 الساعة 8:52 صباحًا
مدار نيوز : هل الكتاب ما زال خير جليس؟

روادني السؤال وأنا في عمان في بداية تموز، حيث شاركت في مؤتمر “ما بعد” الذي عقدته الجامعة الأردنية في الثالث من الشهر الجاري، بورقة عنوانها “الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين: لعبة الشكل”.

على هامش المؤتمر عرض السيد مهند حلوة صاحب “دار الكنوز” منشوراته التي احتوت على عناوين قيّمة في مجال الدراسات الأدبية والنقدية الحديثة.

نظرت في العناوين وهممت بشراء عدد من الكتب ثم تراجعت، لا لارتفاع الأسعار، وإنما لأنها ستشكل عبئاً في أثناء عودتي عبر الجسر، وأنا ما عدت كما كنت قبل عقد من السنين.
ما تجنبته بفعل إرادي لم أستطع تجنبه حين فرض الآخرون علي إرادتهم، فقد أهداني بعض المشاركين نسخاً من كتبهم؛ نسخاً لي شخصياً ونسخاً لمكتبة جامعة النجاح. ماذا أفعل؟
اعتدت في سفراتي الأخيرة أن أحمل كيساً من القماش أضع فيه ملابس قليلة جداً أحتاج إليها إن نمت ليلة أو ليلتين، وما عدت أحمل حقيبة فارغة احتياطية للكتب التي أشتريها وتلك التي تهدى إلي.

يا إلهي؟ ماذا أفعل بالكتب المهداة؟
منذ العام 2000 وأنا أسافر إلى عمان، وفي كل مرة أحضر معي من 40 إلى 60 كتاباً.
أعترف بأن ما أهديته من كتب، وما اشتريته، شكل عبئاً لم أحسب حسابه، وشعرت بأن الكتب غدت حقاً عبئاً ثقيلاً، فماذا أنا فاعل؟
بعض ما أهدي إلي راق إلى محاضر فلسطيني من غزة، فأهديته نسخي، واضطررت إلى إيصال ما أهدي إلى الجامعة.
قبل العام 2000 كنت في ألمانيا واشتريت من هناك كتباً شحنتها، قبل أن أعود، بالبريد.
وفي أثناء دراستي في الجامعة الأردنية كنت كلما عدت إلى نابلس أحمل ما اشتريته من كتب ولا أتذمر.
ماذا جرى لي اليوم؟ كما لو أن شطر بيت المتنبي ما عاد يصلح لزماننا! وربما حوّره كل منّا حسب ميوله ورغباته. مرة عبثت بالشطر فقلت: خير جليس في الزمان امرأة، وثانية فيسبوك وثالثة….الخ.
حين أنظر فيما آل إليه بعض المكتبات في نابلس أقول: غدا الكتاب جزءا من الماضي ومثله شطر بيت المتنبي.
مؤخراً أعدت قراءة مقدمة رواية عبد الرحيم لحبيبي “تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية” لأكتب تحت عنوان: “المخطوط كمدخل لكتابة رواية عربية” وتوقفت أمام المقدمة التي توقف لحبيبي فيها أمام ما آل إليه الكتاب، وكان طريفاً حقاً.
في المقدمة يأتي سارد المقدمة على سوق العفاريت الذي تعرض فيه “المتلاشيات” – أي الأشياء المستعملة القديمة التي يتخلص أصحابها منها ويبيعونها بسعر زهيد يناسب الفقراء.
نحن ننعت هذا السوق بمفردة “البالة” وأحياناً نستخدم الكلمة الألمانية له: (آلتي ساخة /Altesache ).
ما زالت مثل هذه الأسواق موجودة في الدول المتطورة. وأنا، في ألمانيا كنت أتجول فيها صباح أيام السبت واشتريت منها كتباً مستعملة بسعر زهيد -.
في المقدمة التي يصف السارد فيها قصته مع عثوره على المخطوط من سوق “المتلاشيات” ما يبين مكانة الكتاب في زماننا نحن، وهي مكانة اختلفت بالطبع عن مكانته في 60 و70 و80 و90 القرن العشرين، ولا أقول في زمن المتنبي، فلم يكن الكتاب في زمنه إلا نخبوياً تماماً، عدا أن معطيات عصره هي غير معطيات عصرنا، بل إن معطيات العقود الأخيرة من القرن 20 هي غير معطيات أيامنا هذه.
يكتب صاحب المقدمة كلاماً كثيراً عن الكتب، يكتب عن اهتمام رواد سوق “المتلاشيات” بها، بل ويكتب عن موقف بائعي “المتلاشيات” منها.
لا أحد من رواد السوق يهتم بها، تماماً كما أن حفدة أصحاب الكتب والمكتبات لم يكترثوا بها، فآثروا التخلص منها بطريقة أو بأخرى، هذا إذا كانت الكتب لمثقفين ومتعلمين.
وقد تكون الكتب حقاً لمتعلمين ومثقفين معارضين سياسياً، وصودرت من مكتباتهم يوم اعتقلهم النظام السياسي الحاكم، فوصلت إلى أيدي ضابط صادرها ليبيعها.
إن ما ورد في مقدمة الرواية نعرفه نحن هنا في فلسطين جيداً. هنا ثمة مكتبات عائلات آلت أيضاً إلى ما يشبه سوق “المتلاشيات”، وأما مصادرة الكتب فعهدنا بها مع الاحتلال الإسرائيلي لا يحتاج إلى شرح.
لطالما اقتحم الإسرائيليون مكتباتنا العامة والخاصة وصادروا الكتب، ولطالما صادروا الكتب منا ونحن عائدون من الأردن، وأعتقد أن بعض ضباط الجسر باعوا ما صادروا إلى مكتبات الجامعات الإسرائيلية.
من قبل كنت حين أهدى كتاباً أفرح والآن ما عدت. لماذا؟
لدي من الكتب الكثير، وكل كتاب يهديه صاحبه لي يشكل هماً، فصاحبه يطلب رأيي فيه، وقد يكون رأيي إيجابياً وقد يكون سلبياً، هذا إن توفر الوقت لي لأقرأه، وإن كان رأيي سلبياً فقد أخسر صديقاً، وقد يوجع صاحب الكتاب رأسي بحديثه عن كتابه ومقصده وسوء قراءتي وعدم فهمي لما هدف إليه – إحدى الكاتبات جعلتني أشعر بندم شديد فهي لا ترى في الدنيا إلا روايتها، وهي لا تجيد الكتابة إطلاقاً ولا تعرف أبجديات النحو، ولكنها تملك المال.
حين أنظر الآن في مكتبتي وأرى ما تشغله من حيز مكاني أتأفف. هل أنا محق؟
ومع كل ما سبق فإن الكتاب لي شخصياً ما زال خير جليس، وأحياناً أجدني بلا وعي أكرر بيت المتنبي كاملاً مع أنني لا أجيد ركوب الخيل!!
وأحياناً أتخيل المتنبي يعيش في زماننا ويرى مباريات كرة القدم. أتخيله اليوم الأحد 15/7/2018 يشاهد مباراة كأس العالم بين كرواتيا وفرنسا، أتخيله يجلس في مقهى مع المشاهدين. ترى هل سيردد بيته أم أنه سيعدل فيه ويبدل؟
غالباً ما نكرر: “لكل زمان دولة ورجال “وغالباً ما نعيد المقولة: “لقد خلق أبناؤكم لزمن غير زمانكم”.
ومع ذلك فإن أطرف ما سمعته مؤخراً من صديق هو أن العرب لم يحققوا أي فوز مهم في مباريات كأس العالم لأنهم حثوا على تعلم الرماية والسباحة وركوب الخيل، ولم يحثوا على تعلم كرة القدم.

تعليقات