الشريط الأخباري

دفع الكشفية في العيادة الخاصة وتسهيل المعاملة في المشفى الحكومي

مدار نيوز، نشر بـ 2019/09/30 الساعة 6:22 مساءً

تحقيق: محمود أبو الهنود

الحاجة إم رامي “إسم مستعار”، كانت تتابع لدى طبيبها الخاص منذ سنوات طويلة بحكم خبرته في علاج مشاكل القلب، إلا أنه ارتأى في آخر زيارة لها تحويلها إلى  طبيب آخر صديق له يعمل في ذات المجال، كونه يعمل في أحد المشافي الحكومية الكبيرة في مدينة غزة، ويمكنه مساعدتها بحسب الطبيب في تسهيل إجراءات الفحوصات والصور الطبية اللازمة لها، بعد أن تبين حاجتها ﻹجراء عملية قسطرة في مجمع الشفاء الحكومي الذي يعد أكبر المشافي الحكومية في قطاع غزة.

وبالفعل وبعد أن دفعت قرابة 200 شيكل للطبيب بدل كشفية وصور مقطعية، اضطرت الحاجة إم رامي التي كانت تعاني من وضع صحي صعب للتوجه إلى عيادة الطبيب الخاصة الذي نصحها طبيبها السابق بالتوجه إليه، وعلى نفس الطريقة دفعت كشفية جديدة بقيمة 50 شيكلا، باﻹضافة إلى  فحوصات طبية في المركز الذي يعمل فيه بقيمة 150 شيكلا، ومن ثم أخبر الطبيب أحد أبنائها  بالحضور في اليوم التالي خلال فترة دوامه لكي يسهل لها إستكمال إجراء الفحوصات والصور الطبية اللازمة، باﻹضافة إلى أن عملية القسطرة التي أجريت لها في مجمع الشفاء الحكومي تؤكد أنها دفعت قبل إجرائها مبلغ  200 شيكل لصالح المشفى، إلى جانب التغطية العلاجية التي  يوفرها لها تأمينها الصحي.

حالة الحاجة إم رامي ليست الوحيدة التي اشتكت من استغلال بعض اﻷطباء لعملهم في المشافي الحكومية، ومحاباتهم لمرضاهم في العيادات الخاصة، فإجراءات المشافي الروتينية، و اﻹزدحام الكبير على المستشفيات الحكومية باﻹضافة إلى التأخر في مواعيد العمليات الجراحية في المستشفيات الحكومية في قطاع غزة، باتت مشكلات تضطر وتدفع بعض المواطنين إلى  طرق أبواب بعض العيادات الخاصة، على أمل الحصول على مساعدة اﻷطباء لهم في تسهيل بعض إجراءات المشافي.

السيدة (ر،ب)، من سكان مدينة غزة، تقول أنها عندما ذهبت برفقة والدتها التي كانت تعاني من مشكلات باطنية،  إلى عيادة الطبيب في المشفى الحكومي الذي كان يعمل فيه لمتابعة حالة والدتها الصحية، كان في بداية اﻷمر لا يعيرها إهتماما، ولكنها تضيف أنهم عندما ذهبوا إليه أكثر من مرة  في عيادته الخاصة، وكانوا يدفعون له الكشفية، أصبح يقابلهم بإهتمام كثير، خصوصا أن والدتها كانت حالتها الصحية صعبة وبحاجة إلى فحوصات، وصور طبية عديدة ومتابعة مستمرة، مشيرة إلى أن هذه مشكلة عند بعض اﻷطباء الذين يهتمون  بزبائنهم في العيادات الخاصة، وهو ما يشكل برأيها عبء على المريض، خصوصا في ظل اﻷوضاع اﻹقتصادية الصعبة.

وفيما يلجأ مرضى إلى بعض العيادات الخاصة لمساعدتهم في تسهيل بعض إجراءات المشافي، اضطر  بعض المرضى إلى دفع مبلع مالي لبعض اﻷطباء في عياداتهم الخاصة، مقابل قيام  الطبيب وبعيدا عن أعين الرقابة،  باﻹشراف  على إجراء عملياتهم الجراحية في المشافي الحكومية التي يعملون لديها، وبحسب مايفيد به بعض المرضى، ويؤكده أحد العاملين في المجال الصحي، والذي فضل عدم ذكر إسمه، يشير إلى قيام بعض المرضى بدفع مبلغ مالي، تتراوح قيمته من (200 – 400) شيكل، لبعض اﻷطباء في عياداتهم الخاصة، حسب طلبهم، مقابل إشرافهم على إجراء عملياتهم الجراحية في المشافي الحكومية التي يعملون لديها، يحدث ذلك في ظل عجز مرضى آخرون عن دفع أية مبالغ مالية نتيجة صعوبة أوضاعهم اﻹقتصادية الناجمة عن تدنى مستوى الدخل لدى الكثير من اﻷسرالغزية، بسبب اﻷوضاع اﻹقتصادية الصعبة، وإنتشار نسبة البطالة.

توصل معد التحقيق، الذي استغرقت مدة إنجازه 3أشهر، إلى أن بعض اﻷطباء الخاصين يلجأون بشكل فردي” إلى استغلال عملهم في بعض المستسفيات الحكومية ويقومون بمحاباة وتسهيل بعض الإجراءات لمرضاهم في عياداتهم الخاصة، بما في ذلك اﻹشراف على إجراء عملياتهم الجراحية في المشافي الحكومية التي يعملون لديها، خلال فترات ليست بعيدة في بعض اﻷحيان، وهو ما يؤدي إلى حرمان وتأخير حصول مرضى آخرون على مواعيد مناسبة لعملياتهم الجراحية، بفعل  الواسطة من بعض هؤلاء اﻷطباء، مما يؤدي إلى تفاقم أوضاعهم الصحية والمرضية.

قام معد التحقيق بجولة على خمس من العيادات الخاصة في مدينة غزة، وقد لاحظ وجود إقبال كبير من المواطنين على بعض العيادات الخاصة ممن يعمل أطبائها في المشافي الحكومية، بينما وجد أن أعداد قليلة تزور العيادات الخاصة ممن لا يعمل أصحابها في تلك المشافي.

استغلال بعض اﻷطباء لعملهم في المشافي الحكومية للحصول على منفعة ذاتية، أو ربح شخصي، يعتبر وفق قانون الخدمة المدنية الفلسطيني لعام 1998م مخالفة قانونية، إذ يحظر القانون على الموظف الجمع بين وظيفته وبين أي عمل آخر يؤديه بنفسه أو بالواسطة، وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون الضوابط والأحكام للأعمال التي يجوز للموظف أداؤها في غير أوقات الدوام الرسمية بما لا يضر أو يتعارض أو يتناقض مع الوظيفة أو مقتضياتها، كما يحظر عليه استغلال وظيفته وصلاحياته فيها لمنفعة ذاتية أو ربح شخصي أو القبول مباشرة أو بالواسطة لأية هدية أو مكافأة أو منحة أو عمولة بمناسبة قيامه بواجبات وظيفته.

كما أن نظام التأمين الصحي المعمول به في قطاع غزة، ينص على حق المريض في تلقي الخدمة الصحية مقابل رسوم رمزية.

سائد أبو عطا، مدير الشؤون اﻹدارية والمالية باﻹدارة العامة للمستشفيات بوزارة الصحة بغزة، يقول إن الوزارة ترفض رفضا قاطعا إبتزاز أي مواطن مقابل حصوله على الخدمة الصحية، مشيرا إلى أن الوزارة، تقوم بدورها بمحاسبة أي موظف من مقدمي الخدمات الصحية يثبت إبتزازه المواطنين مقابل الحصول على الخدمة الصحية، مؤكدا في الوقت ذاته أن عدد الشكاوي من هذا النوع قليلة جدا، وأن الوزارة تعمل على الحد من أي ثغرات في ملف تنظيم  العمليات الجراحية.

ويتابع أبو عطا  أن موضوع العمليات الجراحية توليه اﻹدارة العامة للمستشفيات بوزارة الصحة أهمية كبيرة، ضمن خططها التشغيلية، وعلى مستوى الخطة اﻹستراتيجية للوزارة لما يمثله هذا الملف من أهمية كبيرة،  بالنسبة للمواطن الفلسطيني، موضحا أنه لايخفى على أحد أن قوائم العمليات في وزارة الصحة بغزة، تحتاج بعض التخصصات الجراحية فيها إلى وقت طويل،  وقد تصل مدة بعض العمليات  إلى قرابة العام، أو عام ونصف، وقد تصل عند البعض إلى عامين.

ولكن وفي المقابل هناك بعض العمليات الجراحية اﻷخرى التي تكون فترة اﻹنتظار فيها مقبولة نوعا ما بحيث تتراوح الفترة ما بين 3 إلى 6 أشهر، أو أقل من ذلك، موضحا أن وزارة الصحة، تقوم بإجراءات عديدة من أجل مساعدة المواطنين ، لكي يستفيدوا من خدمة العمليات الجراحية، بشكل سليم وسلس، وبما  يضمن أن لا يكون هناك أي تدخلات قد تؤثر سلبا على هذا الملف، وهي  تعمل بشكل مستمر من أجل أن يسير هذا الملف وفق السياسات واﻹجراءات المعتمدة من قبل الوزارة، مؤكدا على أن أي مواطن يتعرض ﻹبتزاز من أي كادر من العاملين بقطاع الصحة، يمكنه إحضار دليل وإثبات وتقديمه إلى دائرة الشكاوى  التابعة للوزارة.

سمير المناعمة المحامي بمركز الميزان لحقوق اﻹنسان، يؤكد على أهمية العمل على إصدار تشريع لائحي يتعلق بتنظيم عمل العيادات الخاصة في قطاع غزة، من أجل الحيلولة دون سحب المرضى من المستشفيات الحكومية، إلى بعض العيادات الخاصة، وذلك منعا ﻹرهاق المرضى من الناحية المالية، و لكي تضطلع المستشفيات الحكومية بواجباتها وخدماتها بإعتباره إلتزاما يقع على عاتقها بموجب قانون الصحة الفلسطيني، وبموجب القانون اﻷساسي الفلسطيني، ويقترح أن تتضمن تلك اللائحة في حال صدورها تعزيز العامل الرقابي، بما يضمن تنظيم عمل العيادات الخاصة في هذا الشأن، ويحظر بموجبه على اﻷطباء في العيادات الخاصة سحب المرضى من المستشفيات،الحكومية إلى العيادات الخاصة التابعة لهم، وذلك من أجل ضمان عدم التكسب من هؤلاء المرضى الذين هم بحاجة شديدة للعلاج، وباﻷغلب يعانون أوضاعا إقتصادية صعبة.

ويشير المحامي المناعمة إلى أن القانون اﻷساسي الفلسطيني، الذي هو بمثابة الدستور المؤقت، كفل الحق في الصحة لكل مواطن فلسطيني، وجاء قانون الصحة الفلسطيني ونظم عمل وزارة الصحة وأناط بها مجموعة من الخدمات كوجوب قيامها بتقديم الخدمات الطبية والتشخيصية والعلاجية للمرضى، حيث أنه وفي ضوء تراجع اﻹمكانيات والمستلزمات الطبية اللازمة لعمل المستشفيات الحكومية،أصبح يلاحظ أن بعض المرضى يتجهون إلى العيادات الخاصة وإلى اﻷطباء الخاصين، اﻷمر الذي يرهقهم من الناحية المالية ، خصوصا في ضوء  حالة الفقر وإرتفاع نسبة البطالة في قطاع غزة، وهو ما يوجب على وزارة الصحة العمل على رفد  المستشفيات الحكومية باﻹمكانيات الطبية، والمعدات، والطاقم الطبي اللازم من أجل ضمان تقديم خدمة طبية أفضل، مشيرا إلى أن مشكلات عديدة أصبحت تواجه القطاع الصحي، بسبب نقص اﻹمكانيات والمستلزمات الطبية، وكذلك عرقلة اﻹحتلال سفر المرضى من قطاع غزة إلى المستشفيات خارج القطاع، وهو ما يؤثر  سلبا على القطاع الصحي.

وفي هذا السياق يشير سائد أبو عطا إلى أن وزارة الصحة عملت على تنفيذ برامج عديدة داخل مرافق وزارة الصحة، بهدف تقليص قوائم اﻹنتظار الخاصة بالعمليات الجراحية، مثل برنامج العمليات المسائية الذي يتم تنفيذه في بعض المستشفيات، خلال الفترة المسائية وخارج أوقات الدوام الرسمية، حيث يتم إجراء هذه  العمليات بسعر رمزي، وبما يغطي فقط تكاليف حضور الطاقم بعد إنتهاء دوامه، مؤكدا أنه تم تنفيذ هذا المشروع في بعض المستشفيات الحكومية،  ومن الممكن أن يتم تعميمه على مختلف المستشفيات.

ويضيف أبو عطا إلى أن مشاريع أخرى  قامت وزارة الصحة بتنفيذها بالتعاون مع بعض المؤسسات الداعمة للقطاع الصحي، والتي كان لها أثر كبير في تقليص قوائم اﻹنتظار للكثير من العمليات الجراحية، في بعض التخصصات، كجراحة اﻷعصاب، والمسالك البولية، وجراحة اﻷطفال، لكنه أشار إلى أنه  وعلى والرغم من تلك الخطوات واﻵليات التي تضعها الوزارة من أجل حل هذه المشكلة، إلا أن حجم الكثافة السكانية، و الضغوط على المستشفيات الحكومية، له أثر كبير في زيادة قوائم اﻹنتظار، كما أن اﻷوضاع اﻹقتصادية والمعيشية الصعبة، زادت من طلب المواطنين على الخدمات الصحية الحكومية، باﻹضافة إلى أن هناك بعض غرف العمليات الجراحية المعطلة، والتي يمكن اﻹستفادة منها في تقليص قوائم اﻹنتظار، حيث أن تشغيلها  بحاجة إلى توفير كوادر، ومستلزمات طبية.

المحامي صلاح عبد العاطي مدير مركز مسارات بغزة، يشير إلى أن وزارة الصحة، دورها اﻷساسي هو اﻹشراف على تقديم كل الخدمات الصحية ومتابعتها، والمراقبة عليها، لضمان جودة الخدمات التي تقدمها، كما أن قانون الصحة العامة جاء منظما لتلك اﻷمور، موضحا أن القطاع الصحي في قطاع غزة، يعاني من  ضغوطات كبيرة ،ناجمة برأيه عن عدة أسباب، في مقدمتها الحصار اﻹسرائيلي   الخانق على القطاع، و منع اﻹحتلال إدخال اﻹرساليات، وقدوم البعثات الطبية، إضافة إلى مايتركه الحصار من تداعيات كارثية على القطاع الصحي، من قبيل نقص اﻷجهزة والتجهيزات الطبية، إلى جانب الضغط الناجم عن سياسات اﻹحتلال اﻹسرائيلي، سواء في إرتفاع أعداد الشهداء الفلسطينيين، أو الجرحى الذين تستقبلهم وزارة الصحة، حيث أن الكثير من اﻷطباء سيكونوا متفرغين لعمليات جراحية طارئة نتيجة لذلك،  إضافة إلى ما يتركه اﻹنقسام الفلسطيني من تأثيرات سلبية على القطاع الصحي، وأزمات الكهرباء والوقود اللازم لعمل المستشفيات، باﻹضافة إلى مشكلة تراجع التمويل من المجتمع الدولي، وما أدى إليه من فقر شديد في مخازن وزارة الصحة تجاه اﻷدوية، حيث أن تلك اﻷسباب مجتمعة  ساهمت برأيه في تفاقم تلك المشكلة، خصوصا في زيادة وطول أمد المراجعات الخاصة بمواعيد العمليات الجراحية التي تم تأجيل جزء كبير منها.

وكانت قد طالبت تقارير  ودراسات، ومؤتمرات علمية عديدة بضرورة تنظيم عمل العيادات الخاصة، في قطاع غزة، وتعزيز الرقابة عليها.

كما حذرت تقارير حقوقية، من التأثيرات الناجمة عن الحصار الإسرائيلي على القطاع الصحي في قطاع غزة، خاصة فيما يتعلق بالتحكم بسفر المرضى من مستشفيات القطاع إلى  مستشفيات الضفة الغربية والخارج، والتحكم بدخول اﻷدوية، والوفود الطبية، وهو ما يزيد الضغوطات على القطاع الصحي الفلسطيني.

يشير المحامي صلاح عبد العاطي إلى  أن القطاع الصحي في قطاع غزة، يتعرض لمشكلة كبيرة، نتيجة الحصار، تتطلب العمل على إيجاد حلول عملية ومناسبة لها، كما يقع على منظمة الصحة العالمية، وكافة القطاعات الصحية الدولية، دور كبير في تعزيز اﻹستجابة للخدمات الصحية المختلفة من خلال مدها بالتمويل المطلوب، واﻷدوية، والتجهيزات اللازمة لضمان وفاء القطاع الصحي في قطاع غزة، بإلتزاماته خاصة في ضوء زيادة أعداد اﻷمراض المزمنة، كأمراض السرطان، والكلى، وأيضا نقص اﻷدوية الذي تواجهه وزارة الصحة، إلى جانب ضرورة العمل على تعزيز التكامل مابين المشافي الحكومية، والمستشفيات اﻷهلية، وزيادة دور وكالة الغوث في مجال تعزيز القطاع الصحي خصوصا أن  نسبة كبيرة من عدد سكان القطاع هي من اللاجئين الفلسطينيين.

أنجز هذا التحقيق ضمن مبادرة تشجيع الصحافة اﻹستقصائية بدعم من اﻹئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة – أمان

رابط قصير:
https://madar.news/?p=152470

تعليقات

آخر الأخبار

الجيش الإسرائيلي يستعد لدخول رفح

الأربعاء 2024/04/17 8:52 صباحًا

العملات والمعادن

الأربعاء 2024/04/17 8:50 صباحًا