الشريط الأخباري

رحيل ..أبي فوق التراب، أبي تحت التراب..محمد دراغمة

مدار نيوز، نشر بـ 2016/11/25 الساعة 2:24 مساءً

تفتحت عيوني، طفلا، على صورة والدي على ظهر حصانه، وبارودته معلقة على كتفه، يجوب السهول والجبال والوديان في اراضي طوباس الواسعة.

كان ذلك في العهد الاردني، حيث كان الحصان والبارودة رمز الرجولة، والحلم الأكبر لكل شاب ورجل في الريف.

كانت اراضي طوباس واسعة وممتدة حتى نهر الاردن شرقا، وبيسان شمالا، واريحا جنوبا…طوباس كانت ذات يوم البلدة الزراعية الاكبر في فلسطين التاريخية، وكانت مساحتها توازي مساحة قطاع غزة كاملا، قبل أن تتقلص وتضيق على اهلها الى درجة الاختناق…

كان ابي يربي الاغنام البيضاء، ويزرع ارضه الواسعة بالحنطة والشعير والبقوليات.. وكان انتاج ارضه يكفي لاطعام اغنامه وحصانه.

لكن حياته وحياتنا انقلبت رأسا على عقب منذ الأيام الاولى للاحتلال عام 67.. الصورة الثانية لوالدي التي لم تفارقني طيلة حياتي هي صورته وهو يحفر الارض ويدفن بارودته بعد ايام قليله من الاحتلال، والقلق باد عليه.

وبعد ان فرغ من دفن البارودة قال وهو في حاله من عدم اليقين: اسرائيل لن تدم طويلا هنا، عندما تغادر ساخرجها من تحت التراب.. اسرائيل لم تغادر، وبدأت تستولي على الارض قطعة قطعة، وتحولها الى مستوطنات ومعسكرات للجيش، وبدأت حياة ابي تضيق يوما وراء يوم الى ان فقد كل شيء..فقد ارضه واغنامه وحصانه وبارودته التي لم يخرجها من تحت التراب..

حولت اسرائيل اراضي طوباس الى ميادين للتدريب العسكري، وشاهدنا في طفولتنا الدبابات المجنزرة وناقلات الجنود والمروحيات تجري التدريبات العسكرية بالنيران والقنابل والذخائر الحية في اراضي البلدة الواسعة الجميلة بتنوعها من جبال عالية وسهول واسعة ووديان سحيقة، وينابيع عذبة ومالحة.

كان الاطفال يهرعون، بعد انتهاء المناورات العسكرية، الى الميادين، ويجمعون الرصاص الفارغ، ويبيعونه الى النحاس القادم من مدينة نابلس.. كان ابي يمنعنا من جمع الرصاص خوفا علينا من انفجار القنابل والمخلفات العسكرية التي طالما راح ضحيتها الصغار.

أخذ الجيش الاسرائيلي يلاحق اصحاب المواشي والاراضي الزراعية ويعتقلهم ويفرض الغرامات المالية الباهظة عليهم، كان يلاحقتهم بالدوريات والمروحيات العسكرية…

اعتقل الجيش ابي مرات عديدة، ونقلته المروحيات العسكرية الى مناطق بعيدة، وفرضت عليه السلطات الغرامات الباهظة بتهمة “الدخول الى مناطق مغلقة عسكريا” ارضه التي ولد فوقها ونشأ في ربوعها.

كانت اسرائيل تختار موعد التدريبات العسكرية في اول الربيع واول الصيف… في الربيع كانت الدبابات تجري تدريباتها في الارض المزروعة وتتلف المحاصيل.. وفي اول الصيف كانت تلقي القذائف في الحقول ما يؤدي الى احتراق المزروعات.

كانت جدتي تبدا النهار بالصلاة والدعاء الى الله ان يحمي ابي، ابنها الوحيد… وكنت اشعر بالذعر كلما فكرت في حقيقه انه وحيد ابويه، وانه صلتنا الوحيدة بهذه الدنيا.. ضاقت الارض على ابي ولم يعد قادرا على زراعة ارضه وتربية مواشيه، فباع حصانه واستبدله بحمار، وكان يشير الى ذلك باعتباره ذروة سوء الحال.

في المستشفى حيث امضى أبي ايامه الأخيرة كان يرفض ان يبقى في غرفة مغلقة، كان يطلب ان يخرج الى الشمس والغيم والريح والتراب، كان يقول: اخروجني من هنا، لا اريد ان اموت هنا، اريد ان اموت هناك… مات ابي في غرفة مغلقه، لكنه عاد الى هناك، الى تراب طوباس، الى هواءها ومطرها وشمسها التي لن تتوقف عن الشروق…

رابط قصير:
https://madar.news/?p=17740

تعليقات

آخر الأخبار