الشريط الأخباري

طبريا … هي رحلة الصيف والشتاء..وديع عواودة

مدار نيوز، نشر بـ 2018/06/16 الساعة 4:04 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز : كان القيادي -الكاتب الفلسطيني الراحل شفيق الحوت يقول عن مدينته ” يافا قطعة من الفردوس، سقطت من السماء ” فيرد عليه زميله القيادي والباحث الراحل الدكتور أنيس الصايغ بالقول ” طبريا هي الجنة ولذلك لا تسقط من السماء “.

بين هذا وذاك طبريا فعلا طالما كانت جنة وهي عروس الأغوار الفلسطينية وإن غارت أريحا وبيسان. كيف لا وقد حباها الله ببحيرة ساحرة وينابيع معدنية ساخنة في محيطها جعلتها مستقرا للكثير من السائحين والمتنزهين ممن قدموا من كل أرجاء فلسطين وغيرها.

كما أنها نقطة جذب للحجاج المسيحيين ممن يأتون لزيارة الطابغة وغيرها من مناطق طبريا حيث أتم سيدنا عيسى عدة عجائب وفق التقاليد المسيحية. أما تسميتها فهي رومانية الأصل ومشتقة من اسم القيصر الروماني طيباريوس قيصر الذي سميت على اسمه فور بنائها في 17 ميلادي على يد القائد الروماني هيرودوس أنتيباس.

تزخر المدينة حتى اليوم بآثار عمرانية كثيرة تعكس تعاقب الغزاة والحضارات عليها منذ الفينيقيين، الرومان،البيزنطيين وحتى الفتوحات العربية – الإسلامية إلى العثمانية وقد شكلت إحدى مراكز الصليبيين حتى هزموا في معركة حطين عام 1187 على بعد كيلومترات قليلة غربا.

الست سكينة

طبريا،أول مدينة فلسطينية محتلة(أبريل/نيسان 1948) كانت طيلة العصور الإسلامية مدينة مزدهرة وفيها اكتشفت قبل سنوات آثار أكبر مسجد أموي علاوة على مكتشفات ثمينة كما يؤكد الباحث د. الياس خميس في كتابه الجديد” الكنوز الفاطمية في طبريا “. وهكذا في الجهة الشمالية ما زالت خربة المينيا ( آثار قصر على ساحل البحيرة في منطقة عين التينة) شاهدا على العمارة الأموية في طبريا.

تمتاز بوفرة آثارها ومقدساتها العربية – الإسلامية وهي بمعظمها تتعرض باستمرار لمسلسل تخريب و” الست سكينة” داخل المقبرة الإسلامية واحدة من ضحايا التهويد. في واجهة المقام تبرز لافتة رخامية جديدة كتبت بالعبرية وتحم

تسمية ” مقام السيدة راحيل” استبدلت لوحة رخامية نقشت فيها التسمية العربية.

وتؤكد جمعية” الأقصى ” أن الست سكينة مصلى إسلامي يحوي مقاما لإحدى الصالحات التي يقول المؤرخون إنها ترتبط بسلالة الإمام علي كرم الله وجهه وأنها تملك وثائق عثمانية وانتدابية تدلل على هويته الحقيقية. وأهالي طبريا المهجرون في الوطن وأصقاع الأرض ليسوا بحاجة لوثائق فهم يذكرون بأنهم ورثوا أبا عن جد احترام وتبجيل مقام الست سكينة واعتادوا زيارته وإقامة الشعائر فيه حتى الاحتلال في 48.

في شهادة قدمها على مسامعنا قبل رحيله قبل شهور يستذكر الشيخ جبر قردحجي أبو حبيب (86) المهجر من طبريا والمقيم في الناصرة إن المسلمين دأبوا على زيارة ” ست سكينة ” للتبرك بها وإقامة النذور فيه،كانوا دائما يتعاملون مع المقام بكثير من التبجيل والقدسية ويكسونه بالحرير.

ويوضح أبو حبيب بأسف أنه طالما تردد أحيانا في زيارة طبريا رغم أنها ” أجمل مدن الدنيا “، ” لا عين تشوف ولا قلب يحزن “.

ويتابع متسائلا لا أعرف كيف يدنسون مقام الست سكينة اليوم دون أن يصاب المعتدون بمس من الجنون أو الأذى خلافا لما كان وقتها؟ يستعيد أبو حبيب علاقات الفلسطينيين واليهود( الأغلبية) في طبريا عشية الصدام فيقول إنه لم يكن هناك فرق بين يهودي وعربي، إذ عاشوا معاً في وئام وسلام وكان معظمهم من المغرب وتونس والجزائر، وبقي الوضع على هذا النحو حتى قرار التقسيم فيما قال آخرون ” حتى ثورة 1936″.

المتروبول

يحن جبرا الى طبريا كثيرا، وأكثر ما يحن له الجلوس مع الأصدقاء على شواطئها، في المقاهي والمطاعم مع أصدقائه كـ مقهى المتروبول التابع لعائلة قهوجي،مطعم أبو الياس الطبراني، مقهى العكاوي ومقهى منير أبو علي، وآخر لمحمد علي. كما يستذكر في شهادته أن الفنان الراحل محمد عبد الوهاب حل ضيفا في فندق في منطقة ” البونط ” بعد إحيائه احتفالية في المدينة ويتابع ” كنت وقتها شابا أعمل موظفا في الفندق فبادرت لمساعدته في توضيب حقيبته قبيل رحيله فمنحني ليرة فلسطينية كانت تعادل راتبي الشهري فكدت أطير فرحا “.

وترتسم ابتسامة عريضة في وجنتيه وبريق يلمع في عينيه، عند الحديث عن معلميه أولهم المربي رشاد جرايسي ومدير المدرسة طلعت السيفي الذي أبعد عن منصبه لأنه كان وطنياً، وأستاذ اللغة الإنجليزية نديم خوري، والعربية توفيق وهبة، والأستاذ محمد علي والمربي أحمد سحتوت. أما الأستاذ المفضل والمحبوب بالنسبة له فهو حبيب ديب الذي كان يعلمنا الرسم وكنا نحبه كثيرا.

مسجدان موصدان

ولا يختلف حال مسجدي البحر والزيداني التاريخيين في طبريا عن ” الست سكينة ” فهما موصدان وتمنع الصلاة فيهما بل هما مجمع للقمامة ووكر للخفافيش والغربان . يعرف المسجد الأول بـ العمري أو الزيداني أو الكبير أو الفوقاني والثاني مسجد البحر قبالة فندق ” ناهر هيردين “.

المسجد العمري المنسوب لظاهر العمر الزيداني مبني من منتصف القرن الثامن عشر من طبقتين الأولى أرضية ( تحت الأرض )والثانية هي المسجد بذاته المبني من حجر بازلتي أسود تعلو سقفه ثلاث قبب صغيرة ترتكز على قناطر داخلية. وتوسط المسجد العمري هذا بين سوق الحسبة حيث كان ” الدلال ” ينادي لبيع البضائع بالمزاد العلني،وبين سوق الخضراوات وهو سوق بالمفرق.

ويقول الشيخ علي حسني الطبري،أبو حسني(84) ابن طبريا المهجر في المغار اليوم إن مؤذن وإمام المسجد الزيداني هو عمه حسين علي الطبري الذي كان يستبدله في مهمته شقيقه قاسم لافتا إلى أن المحال التجارية المحيطة بالمسجد كانت موقوفة عليه وتابعة له.

وما زال أبو حسني يذكر صيدلية جمال الطبري في واحدة من الغرف هذه وبجوارها حلاق كان هو يعمل عنده في العطلة الصيفية. ومقابل المسجد من جهة الشمال تقع عمارة الخان للبهائم المستخدمة لنقل البضاعة مشيرا لوجود صيدليتين تابعتين لليهود في شارع طبريا المركزي شارع الجليل. يشار أن نجيب نصار محرر صحيفة ” الكرمل ” لبناني الأصل كان قد فتح صيدلية في طبريا في نهاية الحكم العثماني قبل انتقاله وزوجته ساذج نصار إلى حيفا وتأسيسي الصحيفة عام 1908.

الشيخ والبحيرة
ولا يختلف حال مسجد البحر عن شقيقه المسجد العمري فهو الآخر مهجور ومغلق تملأه القاذورات وتسكنه طيور اليوم بعدما استخدمته بلدية طبريا بعد الاحتلال الإسرائيلي متحفا. هذا المسجد الجميل الذي تعرض قبل سنوات لاعتداء جديد بتلطيخ جدرانه وقبابه بكتابات بدت عليها بصمات حركة ” عبدة الشيطان” مثل “النصر للدم” والحرب وغيرها قد بني على حافة البحيرة. ويفيد الشيخ محمود رباح أبو شوقي المهجر من قرية حطين المجاورة إنه كان يرافق والده إلى طبريا ودأب على الصلاة في مسجد البحر. ويستذكر ” بني هذا المسجد المبني في الفترة العثمانية على حافة البحيرة وكان الشباب وقتها يدخلونه ويقفزون من سوره للماء والسباحة فيها “.

وكانت طبريا مركزا تجاريا،إداريا وترفيهيا لبناتها – القرى المحيطة بها مثل حطين ونمرين ولوبية وسمخ والمغار والمجدل ولقرى منطقة الحمى حيث كان وادي البيرة النابع من منطقة جبل الطور ويصب بنهر الأردن هو الحد الفاصل بين قضائي طبريا وبيسان. كما يستذكر أبو شوقي مرافقته عائلته رحلاتها إلى تنور أيوب في شمال البحيرة بواسطة باص صفد منوها لكونه حماما مبنيا من الحجارة السوداء داخله نبع طبيعي اعتقد الناس وقتها إن خواصه طبية ويشفي الأمراض كما هال الحال في الحّمة حيث كان الزائرون يبيتون هناك في غرف مستأجرة قبل النكبة.

حمامات طبريا

وروت بهذا المضمار سليمة نايف جفيلي سيدة من الناصرة وأقامت وزوجها في سمخ ( بلدة الكاتب الروائي يحيى يخلف) أن زوجها المصري كان يصطحبها برحلات جوية بالطائرة من مطار سمخ إلى مطار اللد للترفيه والسياحة ” ويعاملني بحب حقيقي كأنني ابنته المدللة “. كما عبرت الحاجة آمنة سعدية – ظاهر( أم ظاهر) عن حنين مماثل لمدينتها طبريا ووفرة مواقع الترفيه فيها فقالت على مسامع كاتب هذه السطور قبل رحيلها في الناصرة إنها مسكونة كل الوقت بالأشواق لأيام ” الديوانة ” في حمامات طبريا الساخنة ” الأحلى من السكر “.

حتى نكبة 1948 كانت أم ظاهر أيضا تقيم في سمخ سوية مع زوجها الذي عمل في نقطة الجمارك لكن طبريا ظلت تسكن قلبها حتى آخر ساعة :” طبريا كانت قطعة من الجنة وما تغرك عماراتها العالية اليوم. فيها لم تعرف حياتنا الملل طوال أيام السنة. في الصيف كانت العائلات تذهب لشواطئ البحيرة خاصة ” بحر القلعة ” و ” البحر البراني ” فنتناول الطعام براحتنا وندخن النرجيلة ثم تقوم النساء والصبايا وكل القريبات بإحياء الحفلات للترويح عن النفس. وفي الشتاء كنا نزور الحمامات الساخنة التي فتحت أبوابها من العاشرة حتى الرابعة مقابل قرشين لكل زائر،كما كنا نقضي ساعات جميلة في تنور أيوب قريبا من الطابغة “.

وتفيد المصادر التاريخية أن الحمامات التي بناها إبراهيم باشا غداة الاحتلال المصري للبلاد في 1831 قد منح امتياز إدارتها لرجل يهودي فيما كان سليمان ناصيف من لبنان صاحب الامتياز لإدارة منتجع الحّمة بعدما اشتراه من الانتداب لـ 99 عاما.

زفة العريس

كما في مدن فلسطينية أخرى انتشرت مدارس حكومية للعرب ولليهود ويقول الشيخ أبو حسني الطبري إنه درس في المدرسة الابتدائية الحكومية القائمة في وسط المدينة من الجهة الغربية قريبا من محطة ” إيغد” فيما درست شقيقته نعمت في مدرسة حكومية للبنات. ويستذكر طالبة يهودية تدعى جوليا تركت مدرستها اليهودية( الأليانس) لأنها مختلطة والتحقت بمدرسة البنات الحكومية العربية مع شقيقته نعمت التي استكملت دراستها في المدرسة الرشيدية في القدس.

منوها أن أهالي طبريا كانوا يسافرون للقدس بالحافلات أو تاكسيات خاصة( شركة معين عون الله)عن طريق الغور. كما يستذكر أن المواصلات من وإلى طبريا كانت تمر عبر ثلاث طرق رئيسية : طريق للناصرة غربا،طريق لبيسان وسمخ جنوبا وشرقي البحيرة وطريق صفد نجو الشمال.

أما الشوارع الفرعية فكانت بمعظمها بلا أسماء و تشهد زفات العريس في مواسم الأعراس التي أحياها شعراء شعبيون أمثال أبو الأمين الريناوي وشقيقه أبو عاطف والحداء أبو سعيد الحطيني. كما يستذكر ملامح المجتمع الذكوري ويقول إن ابن عمه كامل الطبري أقام زفة لولديه الطفلين سعيد ووليد بمناسبة طهورهما حيث اعتلا حصانا في احتفالية شعبية وتابع ” خلال الزفة بادر أحدهم لوضع بنت عم الطفلين نايف الطبري خلفهما على الفرس وكان والدها أبا لسبع بنات فأصابته غيرة فبادر للزواج من مرأة أخرى من عائلة شهابي من لوبية وقبيل نكبة طبريا رزق منها ببنت فيما أنجبت زوجته الأولى صبيا وهذه مشيئة الله “.

ويشير أبو حسني أنه ليس واثقا من أن اسم عائلته الطبري اشتق اسمها من طبريا ويؤكد أنها من أكبر عائلات المدينة وعمل صدقي الطبري مديرا لبنك الأمة العربية الذي كان مقره قريبا من محطة الشرطة اليوم فيما كان لليهود بنك لؤومي.

كوكب الشرق

ضمن حديثه عن الحياة الاقتصادية في طبريا أشار إلى وجود عدد كبير من المطاعم والمقاهي على طول ساحل البحيرة ويستذكر فندق ” كوكب الشرق ” في شمال منطقة البونط (ما زال يستخدم كفندق صغير اليوم) وكان رواده من السائحين الوافدين من بقية أنحاء البلاد. وهذا ما يؤكده في مذكراته أنيس الصايغ ابن طبريا ويشير أيضا للسياحة الاستشفائية خاصة وأن

أجواءها حامية طيلة العام لدرجة استخدام الناس الشمسية لاتقاء ضوء الشمس. وبهذا المضمار يستذكر منتجع الليدو ويقول إن رجلا ألمانيا يدعى بلاسمان بناه وثبّت يافطة عنصرية في واجهته كتب عليها ” ممنوع دخول الكلاب واليهود “.

ويشير إلى أن شركة طيران بريطانية بدأت منذ 1931 استخدام طائرات مائية تهبط على مياه البحيرة تتسع كل منها لـ 12 راكبا وعادة استخدمت لنقل البريد. ويتابع الصايغ في مذكراته ” كانت هذه الطائرات تطير بين جبل طارق في إسبانيا ودمياط في مصر وطبريا ومنها إلى بحيرة الحبابية في العراق قبل سفرها للشرق الأقصى.

كنا ننتظر وصول بالساعة المحددة وبعدما تهبط على الماء يصل زورق صغير وينقل ركابها للاستراحة في الليدو لعدة ساعات قبل استئناف الرحلة وكان هبوطها مشهدا عجيبا مدهشا”.

مستذكرا أن المدينة التي شكل العرب فيها نسبة الثلث في فترة الانتداب( 12 ألف نسمة) بوركت بالبرتقال وبالموز بجودة عالية نادرة. كذلك هو الحال مع سمك المشط غير الموجود إلا في بحيرة طبريا والذي بادرت عائلتا الصباغ وخوري من صفد لبناء مصائد لاصطياده في منطقة البطيحة وتسويقه بالجملة وهما أغنى عائلتين فلسطينيتين اليوم.

وأشار إلى أن حديقة البلدية الغنية بأشجارها وأزهارها طالما كانت تفوز بأجمل حديقة في فلسطين.

ويتطرق للواقع الحياتي ويقول هو الآخر إن علاقات العرب واليهود كانت ممتازة حتى قدمت الصهيونية وتحديدا بعد ثورة 1936 حيث قوطع التجار اليهود عدا ” تسيون ” بائع الثلج الذي طاف الأحياء وكان لابد من شراء بضاعته لأنه بدون الثلج كانت تتلق الأغذية كاللحمة لعدم وجود ثلاجات رغم ارتباط طبريا بالكهرباء منذ 1929. ويضيف ” لاحقا صار العرب ينتجون كل ما ينقصهم كي يبقى مستقلين عن اليهود “.

ويشير الصايغ( الذي بترت أصبع يده وأصيب بعينيه وأذنيه نتيجة طرد متفجر في سبعينيات القرن الماضي ويقال إن الموساد أرسلها) إلى أن يهود طبريا كانوا مشرقيين ويمارسون حياتهم كالعرب تماما والذين ارتبطوا بعلاقات زواج معهم أحيانا ومنهم صالح نعناع كما يذكر أيضا الروائي يحيى يخلف في إحدى رواياته.

ويشير الصايغ إلى أن مهاجرين جددا من ألمانيا بنوا قرية صموئيل غربي طبريا وكانوا أكثر تطورا من يهود طبريا كما هو الحال مع مستعمرتي دغانيا. رحل الصايغ عام 2006 ومعه بحر من ذكريات مدينته طبريا التي ولد فيها لأب سوري ووالدة لبنانية الأصل وقد كشف قبل سنوات مستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية شموئيل طوليدانو ( في حديث لصحيفة ” حديث الناس)أنه التقى أنيس الصايغ مرة في أوروبا ودعاه للعودة معه للبلاد فقال : لا أعود لطبريا إلا على ظهر دبابة “،وفق شهادة عدوه، طوليدانو.

 

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات