الشريط الأخباري

طوباس ..سنابل القمح في صباها ..معاوية دراغمة

مدار نيوز، نشر بـ 2019/06/11 الساعة 1:47 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز \ طوباس ذات يوم في سهلها الجميل، سنابل القمح في صباها، كفراشات بدأت تدفأ أوصالها، كفتيات مفعمات برقص جاهز للدفق، يحتفلن بنجاحهن في امتحانات الثانوية العامة، بشغفهن ولوج حلم جميل على مقاعد الجامعة، السهل طفل يتقافز فرحا وقورا بملابس العيد الجديدة وخشخشة النقود في الجيب والدمى المشتهاة، وصفته في حينها أنه سهل طوباس الممتنع.

على سيرة القمح البلدي الذي أعرفه تماما، حيث كان والدي رحمه الله يصف أكياسه بعد حصاده في فناء البيت، ليباع منه ما يباع ويبقى منه ما يبقى مؤونة للبيت، ونحن فتية صغار، كثير من النساء كانت تحمل كل منهن لكن العجين ( أو لجن على لسان فلسطينيين آخرين ) على رأسها، تقعده على إكليل قماش: قطعة لفت على نحو حلزوني دائري، تأم فرن الرجل اللطيف المرحوم ابي حسن، فرن وقوده الحطب وجفت الزيتون، من يأتي دورها تقوم بإزالة قطعة القماش، غطاء لكنها، وتبدأ بتقطيع العجين إلى شبه كرات شبه متساوية، تمرر كلا منها تغطسها في ( الترويجة ) حفنة الطحين في ( القبعة )، – بضم القاف وتسكين العين -، المجدولة من القش، وتضعها أمام الفران أبي حسن على شكل مصفوفة، والذي يبدأ بدوره بدحوها الى رقاقات، مستعينا بنثر الطحين تحتها وفوقها ضرورة الدحو والرق، وادخالها الى مصيرها المحموم، معززا بحفنات جفت زيتون متقطعة بناء على طلب الموقد المستعر.
خبز قمح طوباسي بلدي، شهي، خطير، رائحة نفاذة، مسيلة لعاب، مجتاحة لاشتهاءاتك معتلية عرشها بكل بساطة، رائحة جفت الزيتون وخبز القمح البلدي كأنهما ينطقان يطمئنان يقولان نحن حارسا ذاكرة.

أولئك النساء المحنكات، كن مخيرات اما ان تدفع نقودا مقابل خبز عجنتها أو عددا من الأرغفة يتراوح توافقا مع حجم العجنة، وما زاد من ترويجتها قد تبقيه للفرن، ومن نقصت ترويجتها أو لم تكن، بإمكانها بيسر استخدام ترويجة غيرها، نسق تراحمي ذو بعد انساني، ايقاع سائد، مفارق للمقاييس المادية البحتة.

تخيل أن تخضع عملية كهذه لطريقة البيع والشراء في المولات الحديثة، سيقوم الفران أو موظف آخر بتوزين قطع العجين قطعة قطعة، لأنه لا يمكن أن تتطابق قطعتين وزنا باليد المجردة، وتوزين كمية الدقيق التي تم نثرها للدحو والرق على كل قطعة، ويجب فصل ذرات الطحين في الترويجة عن كومة الطحين على بسطة ابي حسن، وعدم الاختلاط، وسيقرأ لك الميزان لأقرب خانتين عشرتين مثل 25.85 غرام طحين ما تم نثره على هذه القطعة لدحوها، وعلى ابي حسن أن يتزود بجهاز دقيق لحساب الجهد المبذول منه، ولأقرب منزلتيين عشريتين من السعرات الحرارية في دحو ورق كل قطعة، كذلك تكون هذه العملية تجارية تعاقدية من طراز دقيق، خضعت بشكل صارم الى علوم طبيعية كرياضيات وفيزياء تفسر الأشياء بمنتهى الدقة، وغاب عنها أي تدخل لنسق انساني.

مقابل دكان والدي رحمه الله الذي يبعد قرابة مائة متر عن فرن ابي حسن، ملحمة صديقه العم ذيب ابو باسل رحمه الله، كان والدي بعد بيع كل محتوى عبوة سمن الكواكب المسماة برميل، وسعته قرابة 25 كغم بالقطاعي بالميزان ذو الكفتين، كأي تاجر في ذاك الزمن يزيد في كل وزنة ( رجحة أو طبشة ) بحيث تنزل كفة السمن أو أي بضاعة، مستقرة مقابل كفة الأوزان، وهذا نسق تراحمي لا يمكن أن تشاهدة في أسواق ومولات كون الآن.

بعد نفاذ السمن يستغل أبي غطاء البرميل كصينية شواء، فيضع عليها ورقة وعليها شرائح لحم الجدي أو الخروف البلدي، الذي تغذى على أعشاب جاورت القمح البلدي في سهل طوباس الممتنع، من ملحمة العم ذيب، يرطبها بالماء يملحها ويكهربها بالفلفل الأسود، نحملها مغطاة ونأم بها فرن العم ابي حسن ليلقي بها إلى مصيرها المحموم … النتيجة: يا ويل قلبي…يا ويح الأفران التي لا تستخدم لخبزها طحين القمح البلدي، ولنارها جفت الزيتون البلدي وقودا.

كل من يعود فينا الى الوراء يعيد رؤيتة للمجتمع التراحمي، ونحن فتية لم تكن هذه الحدة التعاقدية التي نعيشها اليوم، يبدو أنه كلما تطورت وسائل الإنتاج وتعددت وتنوعت وتزينت لشهواتنا الأشياء والسلع والإضاءات المشعة عليها، تراحمت الناس أقل وتعاقدت أكثر، هل هذا مقلق؟؟

هو سحب الانسان من عالم الانسان الى عالم الاشياء ما أمكن، تشييؤه، تسليع المشهد واغراقه بالبضائع، يغدو التعفف والرضا بالقليل نكتة، والكلام حولة مضيعة وقت وعبث، يبات سوقا هائلا، البقاء فيه وإكتساح مساحات أكثر منه و إطالة الأمد فيه، يعود للأقوى والأسرع والأذكى والأكثر تحللا من القيمة، والأقدر على تسديد الضربة كلما لاح الهدف أمامه فورا كأي آلة ذكية سريعة.

بتنا في كون تحت سيطرة الشركات الكبرى، نبيع ونشتري ونغرق في الغريزة،، لماذا تأجيل اللذة؟، هذه قيمة، لا تعني عالم الربح والخسارة شيئا، الأذكى والأكثر قدرة يقنص أكبر كم مما يشبع غرائزه دون تردد أو ابطاء، غير آبه بحرمان آخرين ضعفاء، مندحرين الى أوقات أكثر للتأمل والشعور بالحزن الانساني، منسحبين أمام من لديهم القدرة على الانقضاض الفوري على الناس الضعفاء والأشياء والسلع.

رعاية الآباء العجائز والأطفال المعاقين والضعفاء: الأفواه التي تأكل ولا تنتج، هذه قيمة لا علاقة لها بعالم الأشياء، هدر وقت، مهارة لا تفيد أحدا.

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات