الشريط الأخباري

عصا الرئيس … غازي مرتجى

مدار نيوز، نشر بـ 2020/05/22 الساعة 8:06 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز \ في مواجهة “مخطط الضم الإسرائيلي”، تسير القيادة الفلسطينية على حبل رفيع مشدود، تكفل الواقعية السياسية ثباته في انتظار حدوث تغيير ما، قد يتمخض عنه مثلاً إقرار ميزان قوى قائم على مصالح استراتيجية عالمية محسوبة، وهي عملية غير مضمونة وشائكة، لكنها ليست مستحيلة في ظل ما يشهده العالم من “تململ” من السياسة الأمريكية التي ستكون على موعد مع الانتخابات في نوفمبر المقبل.

إجتماع القيادة الأخير، وما تمخض عنه من قرارات على لسان رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، الرئيس محمود عباس، يصب بلا شك في هذا الاتجاه. لكن ما حصل في اروقة الاجتماع يشير بوضوح للحالة الداخلية الفلسطينية، وهنا الحديث يدور عن غياب (حماس والجهاد)، ومشاركة الجبهة الشعبية التي خلقت “بلبلة” أدت لتأخير كلمة الرئيس محمود عباس والتي وقع خلالها بعض التجاذب بين الرئيس وممثل الجبهة.

من التهديد إلى التنفيذ:

على اي حال، انتقلت القيادة في اجتماعها من نبرة التهديد إلى مربع التنفيذ، فالقرارات المتخذة تعود للعام 2017، وجرى التأكيد عليها في جلسات ثلاثة لاحقة للمجلس المركزي، وكان اكثرها حدّة يوم نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، حيث عقد اجتماعا حضره ممثلون عن حركتي حماس والجهاد، وكرر الرئيس عباس القرارات ذاتها في اجتماعات عدة للقيادة، وهي: (جسم جديد يضم اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومركزية حركة فتح وممثلين عن الفصائل وشخصيات مستقلة ورجال أعمال).

لكن يبقى جديد القرارات يكمن في التفاصيل، والمقصود هنا “الشق الأمني”، حيث أعلن الرئيس عباس بشكل مباشر -لا لبس فيه- عن وقف الاتفاقيات بما يشمل الملحق الأمني فيها، ولم يقتصر إلغاء الاتفاقيات على تلك الموقعة مع إسرائيل، بل شمل أيضًا الولايات المتحدة رغم أنه- حسب علمنا- لا اتفاقات سياسية موقعة مع الولايات المتحدة، والخيط الوحيد المتبقي في العلاقات الفلسطينية الأمريكية هو الملف الأمني.

الرئيس لم يُخفِ سابقًا هذا التعاون، بل وتفاخر به خلال كلمته أمام وزراء الخارجية العرب في فبراير الماضي، وذلك عقب إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو بشكل مشترك عن بنود ما أطلق عليها “صفقة القرن”، حيث أكد (أبو مازن) حينها إن الاتصالات متوقفة مع إدارة ترامب بعد اعترافها بالقدس عاصمة لإسرائيل عام 2017، إلا أن العلاقات بقيت متواصلة مع وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي.آي.أي) لأسباب تتعلق بالتعاون في مكافحة “الإرهاب”.

مراكز القوى:

إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس الانضمام لاتفاقيات دولية جديدة (لم تُذكر تفاصيلها في القرارات) يعني أن الأخير ومن خلفه القيادة قرروا الإبقاء على عنصر المجتمع الدولي والبقاء في وضع الاستاتيكو القائم حاليًا، كما يتضح من إعادة التذكير بضرورة عقد مؤتمر دولي للسلام، أن الرئيس مقتنع تمامًا بإمكانية حدوث تغيير في مراكز القوى والتحالفات العالمية، لذلك بقي يناور في هذا المضمار.

ولوحظ كذلك أن الرئيس تجاوز “اسطوانة” التأكيد على الموقف الأوروبي، وبدلاً من ذلك طالب الدول التي لم تعترف حتى اللحظة بدولة فلسطين إلى القيام بذلك، ما سيجعل من أي اعتراف لاحق إنجازاً في مواجهة المخططات الإسرائيلية.

وعلى غير العادة، توجه الرئيس للاتحاد الأوروبي بلهجة عتاب، في رسالة يمكن تفسيرها بأنه آن الأوان لقيام أوروبا بترجمة مواقفها بشكل عملي ردا على الخطوات الامريكية والاسرائيلية، والترجمة تعني هنا ضرورة الاعتراف بحدود 1967 حدوداً لدولة فلسطين تحت الاحتلال، واتخاذ مواقف فعلية ضد سياسات الحكومات الإسرائيلية وفي مقدمتها الاستيطان.

داخليًا، لقد غاب عن قرارات القيادة الفلسطينية هذه المرة الحديث عن إنهاء الإنقسام أو الهرولة تجاه المصالحة كما جرت العادة في كل اجتماع سبَق، فعلى ما يبدو أن محاولات حركة حماس لتثبيت سلطتها على قطاع غزة خلال جائحة فيروس كورونا المستجد، كانت كفيلة بتجاهل هذه الفقرة المعتادة.

ما العمل؟

ما سبق، يؤلف مجموعة أفكار براغماتية تهب منظارًا لفحص السؤال الأبرز: ماذا تمتلك القيادة الفلسطينية من حلول؟

تعلم القيادة الفلسطينية أن إسرائيل وبدعم أمريكي ماضية في تنفيذ مخططاتها التوسعية الرامية إلى ضم المستوطنات، فهي تصبو نحو تنفيذ حلم إسرائيل الكبرى منذ عام 1948، ولن تضيع فرصة مواتية كهذه في ظل وجود ترامب في الحكم.

وتدرك القيادة أن مساحة المناورة أمامها ضيقة للغاية لتحسين الواقع، لذلك يعوّل الرئيس عباس على تغير في موازين القوى وإمكانية تغيير الإدارة الأمريكية في نوفمبر المقبل، حيث لا قانون ثابت في السياسة.

بمعنى آخر، تخوض القيادة الفلسطينية امتحان قدرة صمود في انتظار تغيير دولي، فالقرارات التي يجري تكرارها مرارًا مع إعادة صياغة لها منذ إنقلاب ترامب على السياسة الأمريكية المتبعة في التعامل مع القضية الفلسطينية منذ اتفاقية “أوسلو”، هي مجرد قرارات لن تفضي إلى تنفيذ على واقع الأرض، وحتى التنسيق الأمني (سواء أكان مع إسرائيل وفق اتفاق أوسلو أم مع المخابرات الأمريكية) لن يتوقف بشكل دائم ومستمر، وإنما سيكون عصا تستخدم لمدة زمنية قصيرة لتحصيل مكاسب مرحلية وتعود على حالها ثم تستخدم وهكذا.. وفيما يبدو أن الخيارات أمام القيادة الفلسطينية تتقلص تدريجيًا، فما كان متاحاً بالأمس لم يعد اليوم كذلك!

مربع الصفر:

بدا واضحاً عدم وجود رؤية استراتيجية في اللقاء الذي أجراه التلفزيون الرسمي مع عضو اللجنتين المركزية لحركة فتح والتنفيذية لمنظمة التحرير عزام الأحمد الذي أعاد قرار القيادة بوقف العمل في الاتفاقيات إلى نقطة “صفر”، عندما تحدث عن تشكيل لجان لبحث كيفية البدء بالتحلل من أوسلو وملاحقها.

لكن هل هناك ما تستطيع “القيادة الفلسطينية” المناورة به؟

لحين اتضاح الرؤية مطلع العام القادم، لا بد من إعادة النظر في الدور الوظيفي لسلطة الحكم الذاتي المحدودة ، وهي ذات الأفكار التي عبر عنها الرئيس الفلسطيني في خطابه عقب الإعلان الأمريكي عن صفقة القرن، لكن ذلك يستوجب توحيد الصف الفلسطيني، بدءًا من فصائل منظمة التحرير التاريخية والعمل على إعادة نسج العلاقة بين السلطة والمنظمة، بإعادة الاعتبار لمؤسسات منظمة التحرير وتفعيلها، وإنهاء النظام المعمول به منذ أوسلو والذي تسبب بترجيح كفة مؤسسات السلطة على حساب مؤسسات المنظمة، بل وفي العقد الأخير انتهى تدريجياً دور المنظمة التاريخي.

بالتوازي يجب العمل على إنهاء الانقسام السياسي الجغرافي بين غزة والضفة، الأمر الذي سيشكل رافعة بيد الرئيس محمود عباس في حال الإقدام على تنفيذها بنوايا استراتيجية وليس تكتيكية مرحلية.

يحتاج الفلسطينيون اليوم إلى الوحدة أكثر من أي وقت مضى، ومن المفيد القول إن التحالفات الإقليمية المتذبذبة لدى حركة حماس يمكن اعتبارها “أخطاءً استراتيجية” يعمل التنظيم المسيطر على القطاع بقوة الأمر الواقع على الاستمرار بها، وهو ما سيؤدي بشكل غير مباشر إلى شل القدرة الفلسطينية الجامعة على المواجهة، حتى لو تغيرت مراكز القوى التي يعول عليها الرئيس الفلسطيني مستقبلًاً.

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات