الشريط الأخباري

علاء البازيان: حضور البصيرة وغياب البصر ..كتب بسام الكعبي

مدار نيوز، نشر بـ 2021/01/05 الساعة 2:12 مساءً
شارك الخبر:
نابلس \ مدار نيوز \ يواظب أحد أقدم الأسرى في ساحة سجن النقب جنوب فلسطين، على الاستدارة برأسه نحو الصوت بغرض تحديد صاحبه؛ ذلك أن حاسة السمع الحادة عوضت فقدان عصب البصر؛ وبات الكفيف علاء الدين البازيان يمتلك قدرة خارقة على تخزين الأصوات وتشفيرها في ذهنه بطريقة خاصة لمعرفة صاحبها، ويكفي أن يسمع الصوت لمرة واحدة حتى يتعرف على صاحبه مهما طال زمن الفراق، وقد استدل عقب تحرره من السجن على أقرباء وأصدقاء وزملاء من أصواتهم رغم أنه لم يسمعها منذ ثلاثين سنة.. كيف نشأ الأسير علاء الدين؟ وكيف واجه بشجاعة فقدان بصره إثر عبوة ناسفة انفجرت بين يديه؟ من أين استمد قدرته على التماسك بمواجهة ظلام الزنزانة وعتمة البصر منذ سنين طويلة؟ وكيف انتصر نبض البصيرة على موت البصر؟
أبصر علاء الدين البازيان النور في حارة السعدية داخل أسوار القدس القديمة فجر 27 حزيران 1958 لعائلة تعود جذورها إلى مدينة نابلس في شمال الضفة الغربية، وقد انتقل أحد الأجداد منذ مائة سنة للإقامة في القدس العتيقة وسط الضفة الغربية، وعلى أرض بيت المقدس استشهد عمه عمران البازيان خلال حرب 1948 فيما استشهد خاله فوزي البازيان عقب عدوان حزيران 1967 في مدينة نابلس.
درس علاء الابتدائية في المدرسة البكرية ثم مدرسة الأيتام الاسلامية، وشهد مبكراً احتلال القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والجولان السوري وسيناء المصرية خلال عدوان حزيران 1967. أنهى المرحلة الإعدادية في الكلية الابراهيمية في شارع صلاح الدين، وقرر في الخامسة عشرة مغادرة المدرسة والعمل ميكانيكي سيارات لعدة أشهر قبل الالتحاق لأقل من عامين مع والده في مهنة الطراشة والدهان.
تابع نشاط الحركة الوطنية الفلسطينية عندما كان في السابعة عشرة، وقبل أن يكمل العشرين من عمره التحق في صفوف حركة (فتح) سنة 1977، وأقدم أواخر نيسان 1979 بجرأة قل نظيرها على زرع عبوة ناسفة في سيارة استهدفت أحد المشبوهين، لكن العبوة انفجرت بالخلية المسلحة؛ فأستشهد على الفور رفيقه كمال النابلسي، وأصيب علاء بجروح خطيرة في صدره وبطنه، وفقد بصرة بفعل الشظايا التي تطايرت في وجهه.. ومن يومها بات اسمه (أبو كمال) وفاء لرفيق الكفاح، وارتدى عدسات سوداء باتت جزءاً من هويته الكفاحية وبطاقته الشخصية.. ووسام شرف ونضال يلاصق جبينه العالي.
اعتقلته قوات الاحتلال فور انفجار العبوة الناسفة، ونقلته إلى مشفى إسرائيلي في حالة غيبوبة، وتعرض للتعذيب على سرير الشفاء، ورفض الاعتراف بمسؤوليته عن زرع العبوة الناسفة، وأصر على أنه كان أحد المارة في الشارع.
أصدرت المحكمة العسكرية بحقه حكماً بالسجن الفعلي خمس سنوات، لكن المحامية التقدمية فيليتسيا لانغر المناصرة للأسرى والمناهضة للاحتلال العسكري، استأنفت على قرار الحكم لغياب الأدلة بإدانة “المتهم”، ونجحت بتخفيض سنوات الاعتقال إلى عامين، فيما فشلت المحامية بالحصول على قرار محكمة “بتحرير” غرفة علاء المغلقة بالإسمنت منذ نيسان 1979 وحتى اللحظة! وواصلت النيابة العسكرية رفضها كل المحاولات القانونية “لتحرير” الغرفة، والسماح لذويه بإعادة استخدامها في نطاق منزل الأسرة! وظلت الغرفة محتجزة بالإسمنت ومصلوبة بقانون الاغلاق الجائر منذ أربعين سنة.
تحرر علاء أواخر نيسان 1981 ونجح بالحصول عبر محاميته اليسارية لانغر على قرار من المحكمة العليا يمنحه حق المغادرة إلى الأردن بغرض العلاج، مكث فترة قصيرة في عمان قبل أن يتوجه إلى بيروت ويلتقي قادة فتح، ورفض عرض أحد مسؤولي الحركة باستكمال العلاج في ألمانيا، وأصر المقاتل على العودة إلى القدس المحتلة لاستئناف نشاطه المقاوم ومواجهة الاحتلال بالكفاح المسلح.
مطلع كانون أول 1981 اعتقل علاء ومجموعته المسلحة، وتكشفت التفاصيل بعملية زرع العبوة الناسفة سنة 1979، وخلال التحقيق الدموي استشهد رفيقه خليل صندوقة، وزعمت سلطات الاحتلال أن الشهيد حاول الفرار إلى الأردن، وعثرت على جثمانه قرب البحر الميت جنوب مدينة أريحا.
أصدرت المحكمة العسكرية حكماً بالسجن الفعلي عشرين سنة بحق علاء، لكن صفقة (الجليل) لتبادل الأسرى التي نفذتها الجبهة الشعبية (القيادة العامة) تمكنت من تحريره أواسط أيار 1985 مع 1150 أسيراً معظمهم من ذوي الأحكام العالية والمؤبدة، وعاد (أبو كمال) منتصراً إلى رفاقه وأبناء شعبه وشوارع القدس العتيقة.
فور تحرره استأنف نشاطه الوطني؛ فأعتقل أواسط نيسان 1986 بتهمة تنفيذ عمليات مسلحة وحكم بالسجن المؤبد، ووقف بشجاعة أمام سؤال وجهه أحد ضباط التحقيق في المخابرات الإسرائيلية إلى أفراد المجموعة المسلحة: لماذا عدتم إلى نشاطكم وقد خرجتم من السجون محررين ونلتم اهتمام وتقدير الأهالي من حولكم؟ رد علاء بمعادلة بسيطة واضحة وبجملة بليغة: غادروا القدس والأراضي المحتلة وعندها لن نعود إلى السجون.
تنقل علاء في معظم سجون الاحتلال، وأكمل دراسته الثانوية، وواظب رفاقه على قراءة الكتب على مسامعه ونقاشها معه، واكتسب ثقافة واسعة في كل المجالات، وناضل طويلا من أجل ادخال آلة برل خاصة بتعلم المكفوفين، ونجح في ذلك لكن سلطات الاحتلال عادت وصادرتها بذريعة “الخطر الأمني”!
في سجن الرملة لمحه صحفي إسرائيلي يسير ببطء أثناء “الفورة” في ساحة السجن، وذلك أثناء تصوير فيلم تحريضي ضد الأسرى. توجه الصحفي إلى مسؤول السجن بسؤال: ما الضرر الذي يشكله هذا الأسير الضرير على “أمن إسرائيل”؟ وتلقى الإجابة: علاء أحد أفضل العقول بين الأسرى وربما أخطرها على “أمن إسرائيل” ولن تسمح حكومة إسرائيل بتحرره من السجن، ولن يدرج اسمه نهائياً في قائمة المفرج عنهم من السجون!
تحرر علاء ومجموعة كبيرة من رفاقه أواسط تشرين أول 2011 في صفقة تبادل الأسرى (وفاء الأحرار) سلمت بموجبها حركة (حماس) أحد جنود الاحتلال (شاليط) مقابل أكثر من ألف أسير وأسيرة استقروا في الضفة الغربية وقطاع غزة وعواصم عربية.
توجه علاء يوم تحرره لزيارة قبر والده أحمد رضا البازيان الراحل سنة 2009 وقبر والدته الحاجة انتصار الراحلة أواخر تموز 2010 وخاطبهما من فوق قبريهما: تحررتُ اليوم ولكن الاحتلال حرمني من رؤيتكما واحتضانكما. في طريق عودته إلى البيت علم أن مجموعة من المستوطنين رسموا نجمة سداسية على جدار منزل احتجاجاً على تحريره، واستولى المستوطنون على البيت المجاور بتزوير الوثائق.. وقف علاء مقابل جدار المسكن المصادر وقال: لن نرفع راية بيضاء، وسيواصل شعب فلسطين العنيد كفاحه الأخلاقي حتى تحرير وطنه المحتل.
تزوج علاء الدين أواخر كانون أول 2011 وأنجب كريمته الأولى (انتصار) في شباط 2013 وعاشت في رعاية والدها سنة وأربعة أشهر قبل أن تقدم قوات الاحتلال على اختطافه أواسط حزيران 2014 مع 70 أسيراً محرراً في صفقة (وفاء الأحرار) وأعادت للأسير المحرر علاء حكم المؤبد، كما أعادت أحكام المؤبد لخمسين أسيراً محرراً في خرق فاضح لاتفاقية التبادل التي وقعتها جمهورية مصر العربية. بعد اعتقال علاء بثلاثة أشهر أنجبت زوجته كريمته الثانية (منار) ولم يتمكن من رؤيتها منذ ولادتها.
علاء الكفيف الوحيد بين الأسرى في سجون الاحتلال؛ لكن فاقد البصر يمتلك من البصيرة ما يعجز رفاق الدرب عن وصفه: قائد صلب متماسك، ذكاء حاد، ثقافة واسعة، انتماء عميق، ايثار رفيع، رؤية كفاحية بمنظور فلسفي تقدمي، انحياز لهموم الأسرى الجماعية، تغلب عقلاني على أوجاعه وظروف قيده المزدوج بظلام الزنزانة وعتمة حاسة البصر. يحرص المقاتل الفذ على التمسك دوماً بتفاؤل الثائر الحقيقي والايمان بحتمية الانتصار: سأنتصر للمرة الخامسة على السجّان والجلاد وأعود إلى شوارع القدس العتيقة التي أعشقها وتعشقني.. وحتماً سوف تنتصر فلسطين في كفاحها الأخلاقي العادل، ولن يرفع شعبها العنيد راية بيضاء، ولن تنكسر جبهة المقاومة الفلسطينية العربية بمواجهة التهويد والاستيطان والبطش والقمع والقهر.. وتخاذل نخب متنفذة حاكمة في بلاد عربية تزوّر إرادة شعوبها الحرة في استعادة الوطن السليب.
شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار

أسعار العملات

الإثنين 2021/01/18 8:38 صباحًا

قصف صاروخي إسرائيلي جنوب غزة

الإثنين 2021/01/18 8:15 صباحًا