الشريط الأخباري

عوني صادق: محارب زاهد لم يغادر جمر الاشتباك … بسام الكعبي

مدار نيوز، نشر بـ 2020/05/12 الساعة 2:03 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز \ يتكون هذا البروفايل من نحو 6800 كلمة صاغها كاتبنا الكبير بسام الكعبي، ونشرها على عدة حلقات متتالية ما فتح شهية القراء على معرفة المزيد عن بطل الشخصية الحقيقية في هذا السرد المدروس بدقة وهو المناضل الفلسطيني عوني صادق .

هنا وجد موقع وكالة مدار نيوز نفسه امام حكاية لبطلين لا يقل احدهما اهمية عن الاخر وهما الكاتب وشخصية بطل الحكاية ، وعليه نضع بين ايديكم هذا النص الكامل من عمل الاستاذ الصحفي بسام الكعبي .

عوني صادق

1:

التقى عوني صادق أواسط تموز 2007 في عمان الدكتور جورج حبش بناء على طلب الحكيم، وكَتَبَ مقالة نُشرت سنة 2010 في كتاب وثائقي رفيع المستوى (شهادات في زمن الحكيم) وسَجَلَ جملة تستحق التأمل الآن بعد غياب المحارب الزاهد: ” كان اللقاء الأخير، وستحتفظ به ذاكرتي حتى ألتحق بالحكيم”. كَتبَ في شهادته الصادقة دون نفاق أو إدعاء أو زيف: “كنتُ أقرب إلى جورج حبش مما كنتُ أتصور؛ إذ أصبح الزعيم الفلسطيني الأقرب إلى قلبي”.

ومن شهادة سَجّلها بكفاح حكيم فذ إلى شهادة دوّنها بمسيرة طاهرةللشهيد ناجي العلي.نشر عوني صادق مقالة نهاية ربيع 1987 في (الوطن) الكويتية؛حذر فيها رفيق دربه رسام الكاريكاتير المرموق من الاغتيال في المنفى: “لندن ليست سوى فخ يراد استدراج ناجي اليه، أو اجباره على الوقوع فيه ليسهل اصطياده..وأخشى بعد ترحيله إلى لندن أن تصبح الضربة مسألة لها علاقة في التوقيت”.لم يمض سوى عدة أشهر حتى استشهد العلي برصاصة غادرة في لندن مساء 29 آب 1987 بعد 39 يوماً قضاها في غرفة الانعاش المكثف؛ منذ اصابته بطلقة نارية في عينه اليمنى ظهيرة 22 تموز 1987!

كتب عونيمقالة أخرى في (الوطن) الكويتيةبعد عملية الاغتيال الغادر تحت عنوان ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم) نشرتها الجريدة صباح 20 آب 1987 قبل استشهاد ناجي بتسعة أيام: “شكراً لناجي، هذا العَصيّ على القتل، فهو لم يخيب آمال القتلة فحسب، بل وأكد ثقة محبيه في صلابته حتى في مواجهة الموت” وأضاف: “ناجي العلي دفع، ولا زال يدفع، ثمن موقفه الوطني النقي، وكان يجب أن يدفع لأن الموقف الوطني النظيف له ثمن، وثمنه أغلى بكثير مما يفترض”.

كتب مقالة في (الوطن) صباح السبت 10 تشرين أول 1987 في ذكرى الأربعين لتغييب ناجي تحت عنوان ( ناجي العلي استحق التكريم والخلود فاستشهد): “الفلسطيني المبدع الذي أحب شعبه وأخلص لقضايا أمته في القول والعلن..مناضل خسرناه وكسبته المبادئ” وطالب: “بفضح الجناة الذين اغتالوا ناجي وحرمونا من ابداعاته الفنية واسهاماته الوطنية متمسكين بأن ينالوا جزاءهم الذي يستحقون”، واختتم مقالته: “ناجي لم يمت بل فارقنا وحسب، وإذا كان في الكلمة ظلال حزن، فهي بعض ما يتركه الفراق في النفس..سلام عليك يا ناجي”.

ظل عوني صادق وفياً لحكيم المقاومة وضميرها، وللقوى اليسارية التقدمية العربية، وظل وفياً للشهيد المغدور ناجي العلي، ولم يغيّر مواقفه من الحرية والعدالة وحق العودة إلى الوطن المحتل من البحر إلى النهر..من أينبدأتْ مسيرة صحافي بارع أثبت جدارة مهنية رفيعة؟ كيف تعمدتْ موهبته الفذة بالنار بمعزل عن أي اسناد سلطوي؟ ولماذا واجه كل الصعوبات التي اعترضتْ مسار حياته دون أن يئن تحت الضربات، أو يوقع في السر صفقات؟ لماذا لم يلق المحارب الزاهد سلاحه؟ ويلجأ إلى محراب يجترنفسه، ويرويبنرجسية طقوس نصه؟ عوني صادق محارب لم يغادر الخندق، ولم ينسحب من الاشتباك، ظل وفياً لقناعاته، صادقاً مع رؤيته، منسجماً مع مبادئ انتمائه.

ظهيرة الثالث من أيار (اليوم العالمي لحرية الصحافة) إستجاب لضغط متقطع بين فترة وأخرى منذ أواخر شباط 2017 وحتى مطلع أيار من أجل تدوين (بروفايل) عن أبرز محطات سيرته، وقال لي ضاحكاً عبر الهاتف من بيته في العاصمة الأردنية عمان: “يعني مش راح تفك عني”؟ جاوبته بالنفي.

أخيراً، وافق على تسجيل تجربته المهنية مشترطاً تأجيل النشر حتى تقاعده من الكتابة في الصحف؛ وقد كان يردد دوماً كلما حادثته في الأمر: “تجربتي ليست مهمة”! رغم حقيقة موضوعية تكشفبأن سيرته المهنية الملتزمة تطوي تجربة فريدة، متميزة، وبمستوى عال جداً من الأخلاق الوطنية والمهنية، تنسجم مع نوعية عوني صادق، وتتطابق مع مواصفات شخصية إستثنائية قل نظيرها في مهنة عريقة؛ جردتها وسائل التواصل الاجتماعي من تفردها، وحشرتْ نخبها المخضرمة في زاوية صعبة، وصلبتهم على جدار أخير بتسليم نصوصهم المحكمة إلى الأرشيف!

2:

ولد عوني جودت صادق سنة 1941 في بلدة مجدل الصادق شمال شرقي يافا لعائلة ريان العريقة؛ وقد هاجر أحد شيوخ عائلة الريان من بلدة جماعين قضاء نابلس، وكانت المنطقة تحت نفوذ عائلة الريان التي تعود لقبيلة بني غازي شرقي الأردن، وقد هاجرتْ مطلع القرن السابع عشر ميلادي نحو الغرب قاطعة نهر الأردن. خسرتْ عائلة ريان نفوذها الكبير أواسط القرن التاسع عشر بسبب تنافس مع العائلات المحلية، ونشوء تحالفات جديدة مع السلطة العثمانية. أواسط القرن التاسع عشر أقام الشيخ الصادق في مجدل يافا، وباتت تعرف بمجدل الصادق حيث أقام الأبناء والأحفاد في البرج الشهير.

ينتمي عوني إلى فخذ عمر الأقل ثراء نسبياً من فخذ عثمان الأوسع نفوذاً والأكثر ملكية للأراضي، ويعتبر والده جودت الصادق من الشخصيات المعروفة في القرية، ويمتلك الرجل حضوراً يحظى بالتقدير والاحترام.

عاش عوني في القرية أقل من سبع سنوات، وبصعوبة استعادتْ ذاكرته  برج القلعة؛ الحصن القديم الذي أطلق عليه الفرنجة إسم (ميرابل) وحرره صلاح الدين الأيوبي من الغزاة سنة 1179 وجعلها معسكراً لقواته. لا يذكر عوني تفاصيل زياراته لمدينة يافا العريقة برفقة والده، وتبعد  القرية نحو 13 كيلو مترا عن يافا، وربما لم يكن يدرك أيضاً أن قريته ترتفع  120 متراً عن مستوى سطح البحر، ويخترقها من الشمال وادي رباح، ومن الجنوب وادي أبو لجة، وأيضا وادي مسمار، فيما ينبع من أطراف سهولها السهلية الواسعة نهر العوجا؛ حيث منبع النهر من أراضي رأس العين التابعة للمجدل؛ وقد استهدفها الاستيطان مبكراًلثروتها المائية الكبيرة وخصوبة أراضيها الزراعية، وذلك بإقامة مستوطنة (عينات) سنة 1922، (روش هاعين) سنة 1950، (غفعات هشلوشا) سنة 1953، ثم أقيم على أنقاض موقعها المدمر (مجدال أفيك) وقد باتت شبكة المستوطنات حالياً تحت نفوذ بلدية (بتاح تكفا) التي تشكل عصب تل أبيب الكبرى!

3:

هاجر عوني قسراً مع أفراد أسرته بعد سقوط القرية أواسط تموز 1948 بقبضة المليشيات الصهيوينة، وأقام مع والده ووالدته وأشقائه في غرفتين صغيرتين في بلدة كوبر شمال غربي رام الله، وبجوار بيت شقيقته الكبرى التي كانت متزوجة في كوبر.

سجله والده في الصف الأول إبتدائي، وناشده الإلتزام بصيام شهر رمضان الكريم، وحَثَ نجله على قراءة القرآن الكريم بصوت مرتفع أمام المصلين في جامع كوبر، طوال شهر رمضان وقبل موعد كل صلاة. حَرصَ عوني على ختم القرآن الكريم مع نهاية كل رمضان؛ وقد سَحرَته بلاغة اللغة العربية وقصص المصحف الشريف، وساهم ذلك في إيمانه، وساند لغته، وعزز علاقته بالأدب، وأسلوب سرد القصة والحكاية.

مع إنتقاله إلى الصف الثاني إبتدائي، هاجم مرض الحصبة الأهالي، وأنتشر بين الناس، وهدد حياتهم بشكل جدي في ظل لجوء قاس وانعدام المؤسسة الصحية. توقع والده ووالدته أن يكون عوني الضحية الأولى لحصبة خطيرة منتشرة تحصد حياة الأهالي في كوبر والقرى المجاورة؛ وذلك بسبب هشاشة وضعه الصحي، لكن المرض خطف شقيقه فخري (سنتان) وشقيقته وداد (3 سنوات) وإثنتين من بنات شقيقته الكبرى، ونجا عوني صدفة من قدر الغياب. لم يصمد والده سوى شهرين بعد كارثة  جديدة حلت به، ولم يتحمل فاجعة فقدان ولدين من أبنائه، وإثنتين من حفيداته، وأودت الصدمة بحياته، وشيّع جثمانه إلى مقبرة كوبر.

لم تتردد زهيدة عبد الكريم سليمان، أم عوني، فيإتخاذ قرارها: ضرورة أن يتابع نجلها عوني تعليمه في صفوف دراسية بمستوى أعلى. قررتْ الانتقال من كوبر التي تحتوي مدرستها على صف أول وثاني ابتدائي فقط، إلى دير غسانة التي تضم مدرستهافصولا دراسية حتى الصف السابع إبتدائي. أستقرتْ والدة عوني بجوار أخوالها في غرفة بحوش العشي البرغوثي؛ وقد حَرصَ أخوالها على التواصل، قبل النكبة، مع إبنة شقيقتهم زهيدة وأسرتها في مجدل الصادق.

غادر الفتى شاكر، شقيق عوني من أم ثانية ويكبره  بتسع سنوات، كوبر ليقيم مع عوني ووالدته في دير غسانة، وعمل في محلات البقالة المتواضعة في القرية، ليساهم في تغطية تكاليف الأسرة واحتياجاتها اليومية.

وفرتْ أم عوني فرصة لنجلها لاستكمال صفوف مدرسته الابتدائية، مستفيدة من تطور مدرسة دير غسانة وانتقالها إلى مدرسة جديدة بصفوف إبتدائية أعلى لم تكن متوفرة في العديد من القرى المجاورة.

تبرع محمد عبد السلام البرغوثي، محاسب في البنك العربي، مطلع الأربعينات بسبعة دونمات لإقامة مدرسة من أربع غرف صفية وساحة للطلاب، وأفتتحت المدرسة الجديدة سنة 1946 تحت إدارة سيف الدين البرغوثي، وشملت الصفوف الثالث، الرابع، الخامس والسادس، واستقطبت طلاب القرى المجاورة، فيما حافظتْ المدرسة القديمة المؤلفة من غرفتين على الصفين الأول والثاني إبتدائي تحت إدارة عبد السلام حبية من قرية خربثا المصباح.

علّم اللغة الانجليزية في المدرسة الجديدة صلاح حمد الريماوي وأحمد عمر الشعيبي، اللغة العربية عبد اللطيف البرغوثي، الرياضيات، التربية والتاريخ عبد العزيز أحمد الريماوي، وتخرج معظم معلمي المدرسة في أربعينيات القرن الماضي من  الرشيدية الثانوية في القدس.

نافس عوني بقوة الطلبة المتفوقين، وكان من المجموعة الأولى في صفه، لكن الطالب سعيد عثمان الرمحي من قرية المزيرعة المهجرة ظل متصدراً الترتيب الأول على زملائه، فيما نال الترتيب الثاني عبد المعطي البرغوثي من قرية كفرعين المجاورة لبلدة ديرغسانة.

بات عوني في الرابعة عشرة من عمره سنة 1955 عندما أنهى الصف السابع إبتدائي، وكمراهق جذبته نقاشات سياسية وفلسفيةكانت تندلع مساء كل يوم بين قطبين بارزين في ديرغسانة: الشيوعي بشير عبد الكريم البرغوثي والبعثي عبد الرحمن عارف البرغوثي، وبدأت تطرق ذهنه مصطلحات جديدة لم يختبرها من قبل.

أصرتْ والدته على متابعة دراسته الثانوية في البيرة،وبخاصة أن نجلها أثبت تفوقه في مدرسة دير غسانة، وحافظ على ترتيبه ضمن مجموعة الأوائل في الصف.

انتقلتْ من قرية دير غسانة للإقامة في مدينة البيرة، وأستأجرتْ شقة في حي الشرفة الجديد، ثم تركتها إلى مسكن آخر على الشارع الرئيس في حي رأس الطاحونة بجوار طاحونة الرفيدي القديمة قرب المقر القديم لبلدية البيرة. التحق عوني في الهاشمية الثانوية، وكان في طريقه من المسكن إلى المدرسة، يقطع دوار البيرة، ويمّر بملاصقة ملعب ومدرسة “الفرندز” المجاورة للهاشمية: تأسست سنة 1917 ونقلتْ إلى مبنى جديد سنة 1978 وأغلق المقر القديم بسبب ملاصقته مركز شرطة للاحتلال الإسرائيلي. أعادتْ البلدية افتتاح المقر القديم للهاشمية كمركز ثقافي سنة 1996 وأعادتْ ترميمه والاشراف عليه سنة 2010 تحت إسم (مركز بلدنا الثقافي).

4:

شَهَد عوني الأحداث السياسية العاصفة التي تزامنتْ مع عقد الخمسينات، وتفاعل معها، وتركتْ أثراً بارزاً في مسيرة حياته وخياراته للتمسك بالمواقف المبدئية والدفاع عنها في الكتابة، ومن أبرز هذه المحطات: مساندة ثورة الرئيس المصري جمال عبد الناصر في مواجهة العدوان الثلاثي الإسرائيلي البريطاني الفرنسي أواخر تشرين أول 1956 على جمهورية مصر العربية، رفض شعبي واسع قطع على النظام الأردني المشاركة في حلف بغداد العسكري سنة 1955 بزعامة بريطانيا لمواجهة المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي، وانتخابات البرلمان في الأردن وتشكيل حكومة النابلسي 1957  والانقلاب الأميركي عليها،نجاح  ثورة عبد الكريم قاسم سنة 1958 في العراق وإنهاء العرش الملكي وانسحاب  البلاد من حلف بغداد.

أصّر مدير المدرسةالهاشمية عبد الرازق البرغوثي على افتتاح شعبة جديدة للطلبة القادمين من دير غسانة، وسجلهم في الصف الثاني ثانوي، ولم يتجاوز عددهم 16 طالباً، وتزايد عدد طلاب الهاشمية بالتدريج؛ إذ توزع طلاب الخامس ثانوي على خمس شُعب؛ باتوا جاهزين لتقديم امتحان عام على مستوى المملكة الأردنية (المترك)؛ ذلك أن الأردن لم يقر أمتحان الثانوية العامة التوجيهي إلا سنة 1961.

برز من أساتذة الهاشمية الذين علموا عوني وأثروا في مسيرة حياته: سليم زبانة أستاذ الرياضيات، المعروف بقدراته في تعليم المعادلات الجافة، جورج خميس أستاذ اللغة الانجليزية وعزز أسلوب تدريسه بحبه للغة، وعمل جاهداً على رفع مستوى الانجليزية لدى طلابه؛ وقد تميّز بأسلوب غير مسبوق بتصحيح أجوبة الامتحان، صادق جودة أستاذ العلوم، المعلم المصري سعد الدين أستاذ العلوم والرياضيات، أحمد الحاج حسين، ناصر أبو عقال أستاذ الأدب الانجليزي، أحمد يوسف. ساهمتْ هذه النخبة المتميّزة من المعلمين تحت إدارة عبد الرازق البرغوثي قبل أن يتسلم دفة الإدارة  مصطفى سليمان النبالي خريج جامعة دمشق، باجتياز أغلبية دفعة دير غسانة للامتحان العام في المملكة.

سَجل عوني بعد الامتحان الأردني سنة 1957 للتوجيهي المصري بتشجيع من معلمه المصري سعد الدين، عقب مغادرة شقيقه  شاكر البيرة سنة 1956 للعمل في السعودية في خاتمة دراسته الثانوية.سجل في المدرسة الإبراهيمية (القدس) بإدارة إبراهيم أبو غربية؛ بغرض التقدم لامتحان الثانوية العامة المصري بسبب غياب (التوجيهي) الأردني. كانت أسئلة امتحان التوجيهي المصري تأتي مع مراقبين من  الجمهورية العربية، وتعود أوراق الاجابة برفقتهم للتصحيح في القاهرة، وإعلان النتائج من العاصمة المصرية.

اجتاز عوني بنجاح الامتحان المصري صيف 1958، وعرض عليه شقيقه شاكر المساعدة في تغطية تكاليف دراسته الجامعية في مصر أو سورية، لكنه رفض، وطلب منه تأمين إقامة للعمل في السعودية. أثناء انتظار “الفيزا” إشتغل عوني لمدة ستة أشهر مساعداً لصاحبالمكتبة العلمية جميل ناصر على الشارع الرئيسي بين مقر البنك العربي في المنارة ومدرسة الهاشمية في البيرة. تميّز ناصر بتنوره واهتمامه بالكتب الثقافية والسياسية، وكان يوفر مساحة صغيرة في المكتبة، للطلبة الراغبين بقراءة مجانية للمجلات العربية المختلفة، والكتب متعددة العناوين.

5:

طالع عوني معظم عناوين الكتب المتوفرة في المكتبة العلمية، وكان حريصاً على استعارة كتاب في كل ليلة، ليستبدله نهار اليوم التالي. قرأ بشغف وجلد إصدارات طه حسين، العقاد، المنفلوطي، محمود تيمور، وأشعار أحمد شوقي، حافظ إبراهيم والكثير من دواوين الشعر والروايات والنقد الأدبي، وكُتب السياسة والفلسفة وعلم الاجتماع، فيما ساهمتْ نقاشات اليساري الشاب محمد صلاح، صديق جميل ناصر، في تعزيز توجهاته الفكرية وقراءاته النظرية، وعمق من قناعاته بالاتجاه الاشتراكي:ترك الثلاثيني صلاح أثراً مهماً في مسيرة عوني؛ وقد شارك في القتال دفاعاً عن بلدته المزيرعة المجاورة لمجدل الصادق، وانخرط شاباً يافعاً في المقاومة سنة 1948 بمواجهة العصابات الصهيونية. أقام صلاح حتى أواسط الستينات في رام الله  ثم غادر للعمل في قطر.

ظل تأثير هذه الفترة القصيرة حاضراً في ذهن عوني، ولم يغب جميل ناصر وصديقه محمد صلاح عن ذاكرة شاب يافع احترم صدق علاقتهما، وسعة ثقافتهما، ورقي تعاملهما، وقدرتهما على التأثير في محيطهما.

بَهَرته السينما وشَغلته صناعة الأفلام وفنونها، وحَرصَ بمرحلة فتوته على حضور ثلاثة أفلام في كل يوم جمعة: عرض الظهيرة، عرض الثالثة عصراً وعرض السادسة مساء، وكانت العروض تتوزع بين سينما الوليد وسينما دنيا في محيط المنارة بمركز مدينة رام الله. ظلت صناعة الأفلام السينمائية تشغله طوال حياته، وواظب على حضور الأفلام العربية والأجنبية التي تعرضها الفضائيات العربية، وقدم نقداً في كتاباته اللاحقة للعديد من الأفلام والمسلسلات العربية، وبخاصة التي تعرضها الفضائيات في شهر رمضان الكريم.

استقال عوني من المكتبة أواخر 1958 وغادر إلى السعودية للعمل، يحمل أفكاراً يسارية، ومناصراً نشطاً للحزب الشيوعي الأردني. عثر في مدينة الخُبر أقصى شرق السعودية على عمل بمكتبة لصاحبها السعودي بايزيد الذي تعود أصوله إلى منطقة  حضرموت العُمانية. كانت الخُبر عبارة عن شارع واحد يطل عليه من الجانبين مبان متواضعة، وكانت تبعد عشرة كيلومترات عن  شركة “ارامكو” في مدينة الظهران بمنطقة الإحساء الغنية بالنفط. عثر على كتب من كل الاتجاهات، وعثر على تشكيلة غنية جداً من الكتب بدءاً بأرسين لوبين وليس انتهاءبالفيلسوف كارل ماركس؛ ووفر كل هذه الكتب غياب رقابة حكومية لم تبدأ مهمتها في السعودية بعد. قرر الاستقالة من وظيفته بالمكتبة بعد أشهر قليلة، وأخبر صاحبها بايزيد أنه يصعب عليه استلام راتب  بلا جهد أو مقابل.

6:

التقى في الخُبر بمجموعة من شباب عائلة البرغوثي، ذائعة الصيت، ومن خلالهم تعرف على طلعت البرغوثي المدير الإقليمي لبنك الرياض، وعرض عليه العمل في فرع مدينةالخبر. إشتغل في قسم الودائع مع ثروت البرغوثي، إبن عم طلعت، وتلقى راتباً جيداً لا يقل عن 650 ريالا سعودياً، وأقام في سكن مشترك مع بهجت البرغوثي شقيق جودت.

بعد سنتين على عمله في البنك، إتخذ عوني قراراً بدراسة الاقتصاد في ألمانيا، وحوّل كل ما يملك من مال إلى المارك الألماني، وإشترى كتاباً حول تعلم اللغة الألمانية، وتواصل مع صديقة ألمانية لمساعدته في الإقامة والتسجيل في الجامعة.

قدم استقالته إلى مدير فرع الخُبر. أعلمه المدير أن صاحب قرار قبول أو رفض الاستقالة من صلاحيات المدير الإقليمي طلعت البرغوثي ويتوجب انتظار زيارته الدورية للفرع. حضر المدير الإقليمي لمتابعات إدارية، وقرأ نص الاستقالة،وحاول  جهده إثناء عوني عن قراره، وشرح له أن أمر الدراسة في ألمانيا ليس بهذه السهولة، وعرض عليه الاستمرار بوظيفته لسنة أخرى يعيد فيها حساباته، وعندما لمس تصميمه على قرار الاستقالة، أبدى المدير الإقليمي استعداده قبولها مع الاحتفاظ بالاقامة؛ لضمان العودة إلى الوظيفة في البنك إذا لم تتيّسر الأمور، وبخاصة أن الحصول على الإقامة في السعودية كان مكلفاً مالياً وليس بالأمر السهل. أصر عوني على الاستقالة وشطب الإقامة، وحَرقْ كل سفنه في طريق سفره للدراسة في ألمانيا. وافق طلعت البرغوثي على رغبته وعناده، ووقع له كتاب الاستقالة.

عاد إلى بيت والدته في البيرة سنة 1960، وأخبرها بقرار سفره إلى ألمانيا لمتابعة دراسته الجامعية، وكان على ثقة بقدرته على اقناعها. رفضتْ بشدة مغادرة نجلها الوحيد الذي بقي لها بعد أن خسرت 12 بطناً ما بين جنين ورضيع وطفل. قالت له بمنتهى الوضوح: إما أن أغادر معك إلى ألمانيا، أو تشطب موضوع السفر من دماغك، فألغى مشروع دراسته في ألمانيا.

انتقل أواخر 1960 للإقامة في نابلس بجوار منزل خاله كامل سليمان، وعاش سنة في المدينة قبل أن يقرر العمل في البنك الأهلي الأردني في عمان، حيث إستقر مع والدته في جبل المريخ أحد جبال العاصمة الأردنية.

نشط في نقابة المصارف الأردنية، وأصبح رئيساً للجنة الثقافية، وبات معروفاً بمواقفه التقدمية المناهضة لأصحاب البنوك والمؤيدة لحقوق العمال والموظفين. بعد سنتين ونصف على وظيفته، طلبه مدير عام البنك سليمان سكر على مكتبه، وسلمه قراراً بالفصل! إعترض عوني وسأل عن السبب؟ تسلم جواباً مراً من سكر: بلا أسباب، ما بدنا إياك في البنك، ولم نعد بحاجة إلى خدماتك! وهدده باستدعاء الأمن إذا لم يغادر البنك حالا.

غادر البنك مضطراً، ثم كتب مقالة بعنوان (الفصل التعسفي وقانون العمل الجديد) ووقعها لأول مرة بإسمه الصريح، وكان يكتب منذ مطلع الستينات بإسم مستعار (عز الدين سلامة) ورافقه الإسم طويلا في كتابات صحفية في الخليج العربي والشام. سلم المقالة إلى رئيس تحرير صحيفة (النضال العربي) الشركسي فخري أباظة. إنتظر بفارغ صبر العدد الأسبوعي للمجلة التي كانت تصدر صباح كل أربعاء، ليتبيّن له حجم مقص الرقيب الذي إلتهم نصف مقالته! عاد معترضاً إلى رئيس التحرير، واكتشف أن صاحب شركة إعلانية تعاقد سراً  مع رئيس تحرير المجلة، ووفر صاحب الشركة راتباً شهرياً مقابل هيمنته على (النضال العربي) وحجب ونشر ما يريد من مقالات وإعلانات.

داهمتْ عوني فكرة إستيلاء الحزب الشيوعي الأردني على المجلة، وعرض الموضوع على أنصار الحزب. وافقوا على مشروع توفير تكاليف صدور المجلة بدل شركة الإعلان، بما في ذلك راتب رئيس التحرير. صدر العدد الجديد لمجلة (النضال العربي) بمانشيت رئيس (تبادل التمثيل الدبلوماسي بين الأردن والاتحاد السوفياتي) متزامناً مع العلاقة الدبلوماسية الناشئة بين موسكو وعمان. كتب عوني النصوص الأدبية بإسمه الصريح، والمقالات السياسية بتوقيع مستعار.صدر من المجلة 24 عدداً، وأستولى الأمن الأردني على العدد 25 من المطابع، فيما أصدر صلاح أبو زيد وزير الإعلام قراراً مطلع 1964 بحظر المجلة وسحب إمتيازها، واحتجز الأمن الأردني عوني صادق ستة أشهر في السجن بصفته كاتباً للمقالات النقدية ومديراً سرياً للتحرير.

7:

غادر عوني الأردن نهاية صيف 1964 إلى الخليج العربي، واشتغل محاسباً  في شركة نفط الكويت ثم انتقل للعمل الميداني في مصافي النفط والتخزين؛ لأن رواتب العاملين كانت أعلى من المحاسبين. اصطدم مع المشرف الأميركي على مصفاة النفط؛ لكراهيته الشديدة للعرب عامة والفلسطينيين على وجه الخصوص، فطلب الانتقال إلى قسم المحاسبة، وانتسب للدراسة الجامعية في كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة دمشق.

عقب هزيمة حزيران 1967 اندفع للكتابة عن الوضع الفلسطيني والعربي، ونشر مقالات بإسمه الصريح والمستعار، وإنتظم كمحرر متطوع في مجلة (الطليعة) التقدمية القومية:صدر عدد المجلة الأول أواخر حزيران 1962 باعتبارها حال لسان حركة القوميين العرب في الكويت، برئاسة الدكتور أحمد الخطيب رفيق المؤسس الحكيم جورج حبش، ولعب العروبي سامي المنيس، المحرر المسؤول، دوراً تاريخياً في تأسيس المجلة وبناء مطابعها. واظب عوني على كتابة مقاله الأسبوعي في (الطليعة) بلا مقابل حتى نهاية 1970 إلى جانب نخبة من الكتاب العرب والكويتيين أبرزهم أحمد النفيسي رئيس التحرير، محمد الأسعد، ماجد الشيخ، زايد الزايد، عبد الله العنزي، محمد العجيري، محمد الغربللي وعبد الله النيباري..

على ضوء المواجهة المسلحة بين المقاومة الفلسطينية والنظام الأردني أواسط أيلول 1970 اندلعت تظاهرات في شركة نفط الكويت احتجاجاً على عمليات قتل واعتقال الأبرياء التي طالت اللاجئين والنازحين من سكان المخيمات الفلسطينية؛ فأقدمت الشركة الكويتية على فصله من وظيفته مع نهاية 1970 باعتباره محرضاً على التظاهرات!

أمهلته شركة النفط شهراً لاستبدال الكفيل، طلب من إدارة (الطليعة) نقل كفالته  لضمان استمرار اقامته في الكويت؛ فاشترط عليه مدير المجلة التفرغ للعمل في التحرير الصحفي، وبلا راتب، نظير نقل الكفالة! رفض الشرط غير المنطقي من إدارة صحيفة تدعي ليل نهار أنها عروبية! وكتب على صفحاتها طوال ثلاث سنوات بشكل طوعي وبلا مقابل، وزامل فيها فنان الكاريكاتير المرموق ناجي العلي إلى جانب نخبة من كتاب فلسطين والكويت.

لم يتمكن عوني من إستبدال “الكفالة”: نمط يشوه العلاقة بين المقيم والوافد تعرض لانتقادات مؤسسات حقوق الانسان؛ وقد كفلت الشرائع القديمة والحديثة المساواة بين البشر: “يُولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق، وقد وهبوا العقل والوجدان، وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء” كما ورد حرفياً في المادة الأولى للإعلان العالمي لحقوق الانسان الصادر في العاشر من كانون أول 1948.

غادر إلى الشام وترك أسرته مؤقتاً في الكويت على أمل ترتيب أمر عودته. تأخر في العودة، فأضطر إلى شراء بيت في ضواحي دمشق، والتحق محاسباً في قوات اليرموك بقيادة العميد سعد صايل أبو الوليد.

التقى  المفوض السياسي لحركة فتح في الشام، وعرض التحاقه بالتفويض السياسي. كتب مقالات طوال أربعة أشهرفي مجلة الدائرة  بإشراف المصري عمر محجوب،لكن أحداً من نصوصه لم ينشر.

عاد إلى الكويت برفقة أسرته سنة1972 بكفالة (الطليعة)الكويتية وتسلم منصب مدير التحرير في المجلة، فيما أصدر مكتب التفويض  تعميماً بفرار عوني من الخدمة! رغم أنه رفض الالتحاق بدائرة التفويض السياسي.

8:

واظب عوني على كتابة المقالات في (الطليعة) وحجز كاريكاتير ناجي العلي الغلاف الأول والأخير للمجلة، فيما زيّن(حنظلة)  صفحتين داخليتين للمجلة؛ وقد استعاده عوني بجملة صريحة مؤثرة:”كان العلي متواضعاً جداً لدرجة أنه كان يجهز القهوة بنفسه لضيوف المجلة، وخاصة لصديقه الدكتور أحمد الخطيب عندما كان يزور مبنى المجلة. ناجي موهوب جداً، وبات علماً بارزاً في الكويت والدول العربية بفعل رسوماته اللامعة؛ لكنه لا يتواصل إلا بمن يعرفهم جيداً؛ ولذلك لم ينفتح على أحد بسهولة بإستثناء المقربين الذين خبرهم من لبنان، وقد بالغ كثير من الصحفيين الفلسطينيين والعرب بالادعاء أن العلي كان صديقهم، وكانوا على علاقة وطيدة به”.

عندما أغلقت (الطليعة) انتقل العلي لرسم الكاريكاتير في جريدة (السياسة) برئاسة أحمد الجار الله، وكان مدير تحريرها الفلسطيني مصطفى أبو لبدة من قرية صبارين المهجرة قضاء حيفا، وأنهى دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت منخصصاً باللغة الانجليزية، وتأثر صحفياً بمدرسة النهار اللبنانية، وليبرالية وتوجهات مؤسسها غسان تويني؛ وظل أبو لبدة  يتجنب مهنياً مناصرة القضايا العربية الحارقة.

إحدى زيارات عوني للفنان العلي في مبنى (السياسة) لاحظ ست رسومات كاريكاتير مهملة تحت طاولته، لم تعجب أية واحدة منها رئيس ومدير التحرير لتحجزالصفحة الأخيرة! لم يتمكن العلي من تحمل يمينية المواقف السياسية لصحيفة (السياسة) فأضطر إلى مغادرة الكويت سنة 1974، وأنضم إلى أسرة  صحيفة (السفير) اللبنانية حتى الاجتياح الإسرائيلي مطلع حزيران 1982. عاد العلي الى الكويت، والتحق بصحيفة (القبس) قبل أن تضيق به البلاد ويتعرض للإبعاد “الأمني”، فانتقل سنة 1985 لمتابعة رسوماته في (القبس الدولي) في لندن، حيث نال الرصاص الغادر منه.. فأرتقى شهيداً واعتلى ذاكرة شعب مقاوم إلى الأبد.

نشر عوني مقالة  نهاية ربيع 1987 في (الوطن) حذر فيها العلي من الاغتيال. ثم نشر مقالة قبيل استشهاد ناجي بتسعة أيام تحت عنوان (وما قتلوه وما صلبوه): “ناجي أكبر من أي قائد سياسي في الساحة، وأهم من عشرة كُتاب من أرفع طراز، وأكثر فاعلية من كتيبة من المقاتلين الشجعان؛ أنه صورة أخرى للوطن الفلسطيني والمواطن الفلسطيني، والحقد الكبير عليه لم يكن إلا حقداً على الصورة الأخرى، الحقد على الوطن” وأضاف: “أطلقوا الرصاص على رأسه وكأنهم أطلقوا الرصاص على الظل، لقد نسوا أنهم لا يشكلون خطراً على ناجي الموقف والروح، لأن حنظلة استقر في داخل كل وطني فلسطيني لا يقبل المساومة على حقوق شعبه” وتساءل: “هل يجوز أن نسأل بالسذاجة المعهودة: من حاول قتل ناجي؟ وبالطبع فالسؤال الأكثر سذاجة: لماذا حاولوا قتله؟” وعرض جواباً على السؤال: “ناجي العلي استحق القتل لأنه استعصى على الترويض وعمليات غسل الدماغ، وفشلت معه “جهود التطوير” فظل يفهم الوطنية بأنها التمسك بالميثاق الوطني وتحرير كامل التراب الفلسطيني، لم يستوعب عقله حكمة “انقاذ مايمكن انقاذه” ولم يقتنع بأن ” السياسة فن الممكن”لم يقبل برامج التضليل والتزوير الجارية على كل المستويات، ولم يمتلك قدرة الفهم على دور اللقاءات المتزايدة مع “الأخوة الصهاينة” على طريق تحرير فلسطين وإقامة الدولة المستقلة، وباختصار لم تصبه نعمة “الأمراض التنازلية” التي هبطت على الكثرة من الراسخين في العلم والسياسة !” وأختتم مقالته: “هل يضيع دم ناجي العلي؟ ألم يحن الوقت لنفهم أن شعباً يُقتل حملة المشاعل فيه لا يستطيع أن يحلم برؤية النور؟ هل ينتظر القابض على موقفه الوطني رصاصة موجهة إلى رأسه؟”

ونشر مقالة في (الوطن) الكويتية بذكرى الأربعين على التغييب تحت عنوان: (ناجي العلي استحق الخلود والتكريم فاستشهد): “الفلسطيني المبدع الذي أحب شعبه وأخلص لقضايا أمته في القول والعمل..مناضل خسرناه وكسبته المبادئ” وأضاف: “سيظل نوره يسطع إلى جانب المشاعل الانسانية الكثيرة التي أشعلها الاخلاص للواجب في سبيل أن تجعل من هذا العالم الوحشي مكاناً آمناً جميلا يليق بالانسان”. وكتب: “أربعون يوماً فقط انقضت على فراق ناجي العلي لنا، لكنها حقبة طويلة من الزمن جعلت من عالمنا الذي نعيش شيئاً آخر مختلفاً عما كان عليه قبلها”. واستعاده متألماً: “كم كان وجود هذا الفنان الفذ غنياً وضرورياً بالنسبة لنا، وكم كان وجوده خطراً ومزعجاً لخصومه، وكم كان حجم الفراغ الذي تركه كبيرا لن نستطيع سده بسهولة أو في وقت قصير..الذين قتلوه أرادوا معاقبته، لكن العقاب جاء تخليداً لدوره وتكريماً أبدياً له على حسن صنيعه لشعبه” وأكد أن العلي: “رفض المساومة على قضية الشعب الفلسطيني وحقوقه الوطنية والتمسك بهدف تحرير فلسطين”.

9:

في العاصمة الأردنية عمان، شارك عوني في احتفالية نظمها منتدى الفكر الديمقراطي مساء السبت 29 آب 2015 في السنوية الثامنة والعشرين لاستشهاد ناجي، وقدم  إلى جانب أمين سر المنتدى عبد الله حمودة والشاعر حسن ناجي وهناء الأعرج، مداخلة قيمة عن محطات ناجي، وعلاقتهما في حقبة الكويت حتى ابعادهما بفارق ست سنوات عن الإمارة الخليجية.

ظل عوني وفياً طوال حياته للشهيد ناجي العلي، ويستعيده في سنوية الرحيل بمقالة تليق بمبدع كبير؛ لم يتنازل عن براعة كاريكاتيره في تحديد الموقف بوضوح مهما ارتفعت موجة التهديد.

توقفتْ(الطليعة) عن الصدور لفترة زمنية ليست قصيرة (توقف نهائياً أواخر آذار 2016)فانتقل للكتابة في صحيفة (الوطن) وحافظ على وظيفته كمحاسب في بنك التسليف والإدخار الكويتي. كتب في (الوطن) مقالا يومياً طوال ثلاث سنوات ونصف من 1976 حتى تموز 1979 تحت عنوان (آفاق عربية) دون مقابل تقريباً وبمكافأة رمزية جداً. أثارتْ مقالاته جدلا في الكويت سواء على الصعيد المحلي أو الفلسطيني أو العربي، وبخاصة نقده الشديد لمواقف رئيس النظام المصري أنور السادات من القضية الفلسطينية، ومسار المفاوضات المصرية- الإسرائيلية، ومؤتمر كامب ديفيد، وتراخي قيادة منظمة التحرير في التصدي للتسوية السياسية في المنطقة، وعجزها عن المواجهة.

قرر جهاز أمن الدولة  الكويتيأواسط أيار 1979 ابعاده عن البلاد، واحتجزه فترة قصيرة جداً في السجن، وجرده من حقوقه الوظيفية في البنك، ومنعه من الكتابة في الصحف!اعترض على توقيت قرار الابعاد بسبب وجود أبنائه في المدرسة، وطالب بإرجاء الابعاد حتى نهاية العام الدراسي.

نقل  مساء 30 تموز 1979 مكبللا بسيارة للأمن الكويتي نحو الحدود مع العراق، وتبعه شقيقه شاكر بالسيارة الخاصة بعوني تحمل أفراد أسرته، فيما واصل صديق شاكر قيادة سيارة أخرى ليعود بها مع شاكر. حرر الأمن الكويتي عوني على الحدود مع العراق، وقاد سيارته إلى بغداد بعد وداع شقيقه وصديقه للعودة بسيارتهما إلى الكويت. وغادر قسرياً مع عائلته إلى العراقرغم حملة الاحتجاجات الواسعة التي نظمها الكتاب والصحافيون العرب.

وثقتْ مجلة (الطليعة) في عددها رقم 609 الصادر صباح 29 أيار 1979 موقفها من الإبعاد بمقالة افتتاحية تحت عنوان ( أنت تبقى وهم يذهبون ) جاء في مقاطع منها: “غادرنا الزميل عوني صادق الكاتب السياسي العربي المعروف، ولأنه معروف إلى حد الوضوح والصدق جاءت مغادرته بناء على أوامر وزارة الداخلية دون إبداء الأسباب. وإذا كانت الجهات المسؤولة تعتقد أن الأسباب يجب أن تظل كي الكتمان؛ فإن المتابع لنشاطات الزميل عوني الفكرية يستطيع أن يستنتج لنفسه قناعة كافية بهذا الخصوص” وأضافت الافتتاحية: ” إن إبعاد هذا الكاتب الفلسطيني ليس خسارة فلسطينية فحسب بل خسارة عربية أيضاً..لقد تصدى بقلمه لسياسة الاستسلام منذ أن بدأت تطل بوادرها، أي في وقت مبكر جداً، وفي الوقت الذي كانت فيه الأقلام عرضة للخضوع لتيارات التعمية والغموض بكل ما يحيط سياسة الاستسلام من خطوات ووجوه، كان عوني يرصد بدقة وصدق خطوات هذه السياسة، وكان يستقرئ الحاضر ويستشرف المستقبل في كتاباته”.

أقام شهرين في بغداد مع أفراد أسرته، قبل أن تتمكن زوجته وأولاده من السفر إلى دمشق عبر المطار.استدعته دائرة أمن عراقية  إلى مقرها، لمعرفة سبب إبعاده عن الكويت. رفض عرضاً قدمه مسؤول دائرة الأمن بوظيفة في الإعلام العراقي الرسمي؛ لعدم قناعته بجدوى الإعلام الحكومي، وقرر اللحاق بأفراد أسرته إلى الشام.

سافر بسيارته مطلع تشرين ثاني 1979 عبر الطريق البري، وبرفقة والدته،وذلك بعد موافقة الأمن السوري على اجتيازه حدودبلدين بعثيين عربيين متجاورين بنظامين متنافسين متصارعين. على مقربة من مدينة ألبو كمال السورية الواقعة على آخر نقطة لنهر الفرات قبل دخوله سهول العراق، ارتطمت سيارته بحاجز على الطريق الرئيس وانقلبت، ونقل مع والدته بحالة متوسطة إلى مشفى المدينة، وكُتب لأم عوني ونجلها الوحيد النجاة من حادث طرق خطير؛ حطم السيارة وحولها إلى ركام.

غادر الكويت قسراً لكن مقالاته لم تغادر. واظب على الكتابة الأسبوعية في (الوطن) أثناء اقامته في دمشق وقبل مغادرتها إلى الشارقة في الامارات العربية المتحدة.

وصل الامارات العربية مطلع 1980  وعمل مديراً لتحرير مجلة (الأزمنة العربية)، عقب استقالة اللبناني شوقي رافع أول مدير تحرير لجريدة (السفير). أقمتُ مع عوني في شقة سكنية في إمارة الشارقة، وفرتها إدارة المجلة لأربعة صحفيين من أسرة التحرير؛ وقد التحقتُ بطاقم التحرير فور تخرجي من جامعة بغداد مطلع صيف 1979.

10:

عاش عوني 12 سنة في الشام من 1980 حتى 1992 اشتغل فيها محاسباً لمدة سنة في (المؤسسة العامة للاسمنت) وقدم استقالته. كتب طوعياً وبمكافأت مالية متواضعة لعدد من الصحف العربية، قبل أن يلتحق بأسرة مجلة (الهدف) الناطقة بإسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، عقب انتقال المجلة من بيروت إلى دمشق، إثر هزيمة منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان، وخروج فصائلها من بيروت نهاية صيف 1982 نتيجة الاجتياح الإسرائيلي. مَهَر موضوعات (الهدف) منذ قيام الشهيد غسان كنفاني بتأسيسها سنة 1969، نخبة رفيعة المستوى من المفكرين والمثقفين والكتاب والصحفيين الفلسطينيين والعرب، وصمدتْ نحو ثلاثين سنة قبل أن تعود من البوابة الإلكترونية، عقب تعرض الصحافة الورقية لضربة قاضية بفعل الثورة الرقمية في وسائل الاتصال التي اجتاحت الصحافة الورقية ووضعتها على حافة القبر. شكل التنافس بل الصراع بين الصحافة الإلكترونية والورقية نقطة نقاش دائمة تداولتها مراراً مع المعلم أبي جودت، الذي عزّ عليه استسلام (السفير) اللبنانية باعتبارها أبرز صحيفة عربية، وتأمل حجم الانهيار التدريجي للصحافة الورقية على المستوى العربي والدولي، ويكاد لا يصدق هذا الانقلاب، وقد عاش ستين سنة في قلب الصحافة الورقية، يتلمسها ويتنفس حبرها الصباحي، ورائحة الأحرف “المطبوخة” في تنور المطبعة.

أشرف في (الهدف) طوال سبع سنوات (1983- 1990) تحت مسؤولية رئيس التحرير بسام أبو شريف، ثمعمر قطيش تبعه صابر محي الدين؛ على الشؤون الإسرائيلية التي كانت تحجز أربع أو خمس صفحات من المجلة،وانتظم بكتابة زاوية أسبوعية تحليلية في الشأن الإسرائيلي، وكتب بتوقيعه زاوية أسبوعية تحت عنوان (وجهاً لوجه)ذلك أن سياسة (الهدف) كانت تسمح لكل كاتب أومحرر أومتعاقد بتوقيع واحد على مقالة واحدة، فيما تنشر باقي النصوص للكاتب بلا توقيع، ولذلك نشرت (الهدف) أسبوعياً سلسلةمن تحليلات عونيصادق بلا توقيع، وأحياناً بإسم مستعار، وحرص خلال وجوده في الشام على انتظام زاويته الصحفية في (الوطن) الكويتية.

أستعاده زملاء (الهدف) باعبتاره رجل مبادئ، لا يساوم على موقفه، ولا يتنازل في رؤيته للصراع مع الكيان المغتصب، وأعترف بعضهم بامكانية نشوء خلاف مهني يتعلق باجتهادات حول موضوعات الغلاف، أو سياسي يتعارض قليلا مع استنتاجاته ووجهة نظره، لكن لا يمكن إلا أن تحترم عوني صادق وإن اختلفت معه؛ لأن دماثته، حساسيته، تهذيبه، أخلاقه وخبرته تفرض حضورها على الأصدقاء والزملاء والمعارف.

تذكره رفاقه بدقة انضباطه العالي، وحرفية التوقيتبتسليم وتجهيز المواد قبل النشر. قفز من ذاكرة زملائه طقوسه الخاصة جداً في الكتابة: كان يقرأ ساعات طويلة يومي الأحد والإثنين قبل تحديد مواد الملف الأسبوعي أو موضوعات الغلاف. يجهز ما تيّسر من مواد متاحة خلال يومين قبل أن يجلس على مكتبه  صباح الثلاثاء؛ يتناول ورقة بيضاء من مكتبه، ويضع عليها عنوان مقالته، ثم يمرر قلم الحبر الأزرق عشرات المرات فوق العنوان، ويظل يفكر ويدخن ويشرب القهوة، ثم يحمل الورقة بيضاء إلا من العنوان عائداً إلى البيت.كان يبني كل سردية المقالة في ذهنه أولا، مستفيداً من العنوان القائم تحت بصره،  ثم يفرغ النص من دماغه على الورق بخط جميل، دقيق وواضح. يعود عصرالثلاثاء  بالمقالة جاهزة على الورق، وتدخل مباشرة لطباعة النص على جهاز التنضيد، قبل تمريرها مع جميع المواد الصحفية للمجلة؛ لأن (الهدف) كانت تصدر صباح كل أربعاء.

لَمَع عونيفي طقوس بناء نصه؛ حتى أن عدداً من زملائه الشبانفي (الهدف) تعلممنه هذه الطريقة الإستثنائية في الكتابة، وواظب عليها حتى آخر مقالة كتبها؛وذلك في طريقة مغايرة تماماًلقاعدة الكتابة الشائعة بين أغلبية الكتاب والصحفيين: وضع العنوان بعد الانتهاء تماماً من صياغة المقالة، القصة الصحفية، أو أية كتابة من الأجناس المتعددة في الصحافة الورقية والإلكترونية وربما المرئية والمسموعة.

توقفتْ كتابات عوني في (الوطن) الكويتية عقب اجتياح القوات العراقية للكويت فجر الخميس 2 آب 1990، وواصل كتابة مقالاته الأسبوعية في (الهدف) وسجل فيها نقداً للعدوان الثلاثيني على العراق وكان النظام السوري جزءاً من هذا التحالف.

11:

منتصف آب 1991 استدعى جهاز المخابرات السوري عوني صادق، وطلب منه مغادرة الشام، وأمهلته دوائر الأمن وقتاً قصيراً لترتيب أمر المغادرة، وأكدوا له أن آراءه الشخصية تتعارض مع سياسة النظام. باع منزله في حي المزة بدمشق، وتدبر أمر عفش البيت، وأغلق بمغادرته سوريا صفحة طويلة من سيرته الشخصية والصحفية في الشام.

وصل الأردن أواخر 1991 وكانت المملكة قد أوقفت العمل بأنظمة الطوارئ. اشترى شقة في (الرابية) غربي عمان، وبدأ اتصالاته المهنية للكتابة. كتب مرتين أسبوعياً لمدة سنتين في صحيفة (الأسواق) التي تحولت من أسبوعية إلى يومية أواخر 1991 قبل توقفها عن الصدور سنة 1997 تحت مسؤولية رئيس التحرير مصطفى أبولبدة، ومدير التحرير مروان حزّين. كانت (الأسواق) تمنح عونيمكافأة مالية متواضعة على مقاله، وبذل جهداً ليتحول إلى الكتابة اليومية، لكن أبو لبدة عانده، فيما سانده حزيّن مدير التحرير، ورشيد عبد الله حسن عضو هيئة تحرير الجريدة المعروف بنزاهته المهنية وريادته النقابية. حذف رئيس التحرير مراراً بعض مقالات عوني النقدية، وأخذ أبو لبدة فرصة بإنهاء تعاقده عندما غادر مروان حزيّن لتأسيس جريدة في قطر، وتسلم بدلا منه يحيى محمود.

تعاقد عوني مع (الدستور) سنة 1994، وانتظم في هيئة تحرير الصحيفة، وكتابة زاوية أسبوعية على صفحاتها، وكتب طوال أربع سنوات بلا كلل، ولم يتراجع خطوة عن مواقفه حتى عندما كانت مقالاته تحجب من النشر.أنهتْ (الدستور) تعاقده سنة 1998 بذريعة أنه بلغ الستين من العمر، علماً أن إدارة الجريدة لم تستخدم هذه الذريعة مرة واحدة ضد العاملين فيها طوال 25 سنة منذ تأسيسها أنذاك، وكان عوني الاستثناء الوحيد الذي خضع للنظام الداخلي للجريدة!التحق كاتباً  في جريدة (الغد) اليومية،وحجز مقالة اسبوعية في صفحاتها على مدار ستة أشهر قبل أن يغادرها، واتفق مع عبد الباري عطوان رئيس تحرير (القدس العربي) الصادرة في لندن، على كتابة مقالة أسبوعية لم تستمر طويلا، وأنضم لأسرة تحرير مجلة (العرب والعالم) بإدارة صديقه خالد عايد، وكتب سلسلة مقالات ومجموعة أبحاث في المجلة الأردنية المتخصصة.

وصل رام الله نهاية صيف 1996 بتصريح زيارة للضفة الغربية المحتلة تقدم به صديقه وإبن عمه  التربوي المرموق محمد الصادق؛ وقد ترافقا في الدراسة الابتدائية في قريتهما المجدل ثم دير غسانة قبل أن يغادر محمد برفقة شقيقه الأكبر إلى مدينة الطفيلة الأردنية، وقد تم تعيين عزت الصادق معلماً في مدرستها. التقى محمد مع عوني في مدرسة الهاشمية، وتقدما لامتحان الثانوية المصري، وتابعا دراستهما معاً في جامعة دمشق، وسكنا متجاورين في جبل المريخ في العاصمة الأردنية، قبل عودة محمد الصادق للتعليم في معهد الطيرة التابع لوكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين، وحرص عوني ومحمد على ديمومة صداقة متينة وتواصل منتظم، رغم اختلاف أماكن اقامة عوني وتعددها بين السعودية، الكويت، دمشق وعمان.

عَبرَ عوني نهر الأردن باتجاه الغرب نحو المحطة الأولى مدينة أريحا، وذلك للمرة الأولى منذ حزيران 1967. تواصلتُ مع أبي جودت، ووافق على أن نتشارك معاً ساعات يوم كامل، رغم قصر مدة تصريح زيارة، تفيض بالالتزامات الاجتماعية، ونداءات  أمكنة الطفولة والشباب في مجدل الصادق، يافا، كوبر، دير غسانة، البيرة ورام الله، نابلس بيت حنينا والقدس..

تجولنا حول المنارة وعلى امتداد شارع الإذاعة، وأستعاد الأمكنة التي خبرها جيداً في مرحلة شبابه: بيته المستأجر مقابل مطعم سامر، وتأمل حجم التغيّر المعماري في شارع نابلس، وقد غاب عن البيرة أكثر من ثلاثين سنة، شاهد المبنى القديم لمدرسة الهاشمية، المكتبة العلمية، وتأمل أنقاض دور السينما وسط المدينة.

12:

غادر عوني صادق رام الله عائداً إلى الأردن، ثم التقى بعد أشهر الدكتور جورج حبش (1925- 2008) في عمان ظهيرة 14 تموز 2007 بناء على طلب الحكيم، وسَجَل شهادته تحت عنوان (لقاء أخير مع الحكيم) ونُشرت إلى جانب أكثر من مائة شهادة لرؤساء وزعماء وقادة ومفكرين وسياسيين وأدباء في كتاب (شهادات في زمن الحكيم) من إعداد لما جورج حبش (صدر سنة 2010 عن دار الشروق للنشر). كَتبَ بلغة رفيعة وبمنتهى العفوية والتواضع عن ثائر أخلاقي متواضع يستحق بجدارة لقب الحكيم وضمير الثورة الفلسطينية: “لقاء تموز 2007 كان اللقاء الأخير، وستحتفظ به ذاكرتي حتى ألتحق بالحكيم”.

سَرَد عوني صادق شهادته بعفوية دون إدعاء وبلا زيف: “أواسط الخمسينات كنتُ فتى يافعاً لكن أفكاري كانت فوق قومية. كنتُ أعتبر نفسي ماركسياً لينينياً في تلك السن المبكرة، ولم تكن تعجبني الأفكار القومية! ظل الأمر على حاله حوالي عقد كامل حتى وقعت هزيمة حزيران 1967 وما أحدثته من تداع”. شرح تداعيات الهزيمة وسقوط الرهان على الجيوش العربية، وانطلاق المقاومة، والتحولات الايديولوجية: “في هذا الوقت بالذات اكتشفت أنا القومية دون أن أتنكر للماركسية. كانت عناصر التلاقي واضحة لي: فلسطين والقومية والماركسية. فألتقينا في منتصف الطريق” وأضاف: “أظهرت الأيام التي تلت أني كنتُ أقرب إلى جورج حبش مما كنتُ أتصور، إذ أصبح الزعيم الفلسطيني الأقرب إلى قلبي” وأكمل تدوين شهادته: “كانت الجبهة الشعبية التنظيم الأقرب إلى عقلي دون أن يصل الأمر بي إلى الانخراط في صفوفها تنظيمياً، وذلك بسبب يتعلق بوجهة نظر تمسكتُ بها حول دور الكاتب”.

استعاد زيارات الحكيم الدائمة إلى مقر (الهدف) في دمشق ولقاءاته القليلة به مع أسرة تحرير المجلة: “قليلا ما تبادلنا الكلمات. كانت لدي نظرية عجيبة كنتُ أؤمن بها، على الكاتب، حتى يحتفظ باستقلالية وبجرأة على قول ما يراه حقاً، أن يبتعد عن (السلطة) بمعناها الواسع، سواء كان الحديث عن دولة أو منظمة للمقاومة أو حتى شركة!” وختم شهادته بمنتهى العفوية والصدق: “الذين عرفوا الحكيم عن قرب يعرفون عنه كإنسان أكثر مما أعرف، وما أعرفه عنه كزعيم وقائد سياسي يعرفه كثيرون جداً، وحبي له سيجعلني عاجزاً عن التعبير عن مشاعري تجاهه”.

عاد عوني صادق إلى إمارة الشارقة في أيلول 2001 بعد غياب دام عشرين سنة؛ بغرض زيارة نجله جودت المقيم في الشارقة، وشهد في اليوم الثاني لوصوله سقوط برجي نيويورك بضربات طائرات مدنية مخطوفة. كان يجلس ساعات يتابع تطورات الأحداث المتلاحقة ويحاول أن يفك أسرار العمليات غير المسبوقة في التاريخ، وأن يستشرف الوقائع القادمة في الطريق، وأسلوب الإدارة الأميركية في الرد، وتوظيف الحادث الإرهابي الخطير.

زار مبنى صحيفة (الخليج) مراراً أثناء اقامته لعشرة أيام في الشارقة، وقدم له مدير التحرير عرضاً بالكتابة. تم الاتفاق على  كتابة مقالة أسبوعية لفترة مؤقتة، على أن تتطور لاحقاً إلى مقالة يومية، مقابل مكافأة مالية متواضعة!

انتظم من الأردن بإرسال مقالاته الأسبوعية عبر البريد الإلكتروني، وقد غيّر طباعه في التعامل مع المقالة، والانتقال من تجربة الكتابة على الورق إلى تجربة التدوين على شاشة الكمبيوتر، وعانى من تغيير قوة العادة القديمة في استخدام الحبر الجاف وتمريره القلم عشرات المرات فوق العنوان. عانى لفترة زمنية قصيرة حتى تمكن من ضبط ايقاع مقالته على شاشة الكمبيوتر، ثم اعتاد على الكتابة الالكترونية، وقراءة الصحف الرقمية، وفتح حساباً على وسائل التواصل الاجتماعي، ونشط حتى الرمق الأخير في كتابة “البوست” والرد على التعليقات، ونشر مقالته صباح كل خميس، ونشط بمشاركة تمرير النصوص الجيدة لنخبة من الكتاب العرب المرموقين..ومع ذلك ظل حنينه للصحافة الورقية، وأبدى حزناً علىغياب (السفير) في بيروت، وقد باتت الصحافة الورقية في العالم تحت التهديد الفعلي للغياب.

تعرضتْ بعض مقالته في (الخليج) إلى مسلكيات غير مهنية: تأخير النشر، قص المقالة، شطب فقرات، تغيير محتوى، إضافة إلى قيام الإدارةبتأخير الحولات المالية. تَحمّل كل هذه السلبيات على مضض في البداية، ثم اتفق مع مدير التحرير على نشر المقالة دون لمس حرف أو مراجعته لكتابة مقال بديل. لم يتأخر اعتراضه على التلاعب بنصوص مقالاته، لكنه لم يسأل مرة واحدة عن تعديل قيمة المكافأة المالية،ولم تبادر إدارة الجريدة لرفع قيمة المكافأة! اقتصر “طلبه” الوحيد من الجريدة؛ نسخة ورقية من صحيفة الخميس يشتريها نجله جودت من المطار، كلما عاد من الشارقة في زيارة خاطفة إلى الأردن..ظل الكاتب المرموق زاهداً طوال حياته المهنية، وحافظ على واجباته الأسرية تجاه أفراد عائلته.

تزوج  أواخر كانون ثاني 1968 في دمشق، وأنجب  فاتن ، جودت، يساروأمجد. تنقل الأبناء بين مدارس دمشق، الكويت، الشارقة وعمان، وفق تعاقد الوالد وانتهاء عقد العمل لأسباب مختلفة. رافقتْ (أم عوني)نجلها الوحيد في تنقلاته الكثيرة من رام الله إلى عمان وسوريا ثم الكويت والعودة إلى الأردن حتى رحيلها مطلع أيلول 2004 في عمان عن عمر ناهز ثمانين سنة، وعقب رحيل والدته بثماني سنوات، فَقَد في عمان أيضاً شقيقه الأكبر شاكرصادق.

13:

واظب عوني صادق على نشر مقالة أسبوعية صباح كل خميس منذ 2001 وحتى أواسط آذار الماضي، وسجل في مقالاته منذ نهاية كانون ثاني 2020 نقداً لاذعاً  لصفقة القرن، محذراً من خطورتها على تصفية القضية الفلسطينية، داعياً جبهة المقاومة لمواجهتها والتصدي لها.

تناولت المقالة الأخيرة التي نشرتها (الخليج) صباح الخميس 19 آذار  حقوق عرب 48 وقد أثبتوا وجودهم رغم قوى اليمين العنصري التي تغرز أنيابها في البلاد، وتستولي على المؤسسة المتنفذة، وتطيح بفكرة المواطنة، وختم مقالته تحت عنوان”عرب 48 أثبتوا وجودهم”: “لا داعي للشعور بالمفاجأة، إذا ما تبين تمسك القيادات الصهيونية وساندتها القوى الامبريالية الانجيلية، بمنطلقات مشروعها الاستعماري الصهيوني الاستيطاني الاحلالي، ما دامت ترى أنها نجحت حتى الآن في تحقيق الجزء الأكبر من المشروع.ومثلما تتمسك تلك القيادات بمنطلقاتها، فعلى الفلسطينيين، والعرب إن شاؤوا، أن يعودوا إلى منطلقاتهم الأولى التي أثبتت السنوات التي انقضت صدقيتها، أن “ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة”.

أصيب عوني صادق  أواسط كانون ثاني الماضي بنوبة قلبية، ونقل إلى المشفى بحالة حرجة وضيق في التنفس بسبب السجائر التي لا تنطفئ بين أصابعه أثناء الكتابة وقبلها وبعدها، لكنه تماثل للشفاء سريعاً بدعاء أحبائه، وعاد لقرائه وومتابعي مقاله الأسبوعي، وقد غاب عن صفحات (الخليج) لفترة قصيرة جداً، وعاد لزاويته الصحفية الأسبوعية المنتظمة.

نشر مقالته ظهيرة الخميس على حسابه في “الفيسبوك” ورد على تعليقات القراء. شَعَر صباح الجمعة بضيق تنفس، واشتدتْ معه أوجاع الصدر، فأضطر الأبناء لنقله صباح السبت  إلىمشفى فلسطين الخاص. ظل ثلاثة أسابيعبوضع حرج بين اليقظة والغيبوبة تحت إشراف ثلاثة أطباء أخصائيين في القلب والرئة والأعصاب، ولم يغادر قسم الانعاش المكثف. تعرض في وحدة الانعاش إلى نوبات قلبية متتالية، حتى فاضتْ روحه الطاهرة في مشفى فلسطين بالعاصمة الأردنية عمان مساء الجمعة 10 نيسان 2020.

بعد ظهر السبت شُيّع جثمانه الطاهر إلى مثواه الأخير في مقبرة سحاب؛ بغياب مراسم تشييع تليق بمقام عزيز وكاتب مرموق، وذلك بسبب حالة طوارئ فرضتها جائحة وباء خطير؛ تهدد البشرية تحت إسم بات متداولا بين سكان الأرض (فيروس كورونا).

لم يحتفظ عوني صادق خلال حياته المهنية، التي تجاوزت ستين سنة،بمقالة واحدة كتبها! ولم يجمع مرة واحدة رزمة من مقالاته لنشرها في كتاب! لم يكن مفتوناً بكتاباته مع أنها تستحق التوثيق والاهتمام والمراجعة، لم يكن نرجسياً في علاقته مع نصوصه، ولم يعتبر نصه مقدساً فوق النقد؛ وقد كتب بإسمه الصريح زهاءستة ملايين كلمة لمعتْ بعشرة آلاف مقالة يومية وأسبوعية وشهرية في صحف الأردن، الكويت، الإمارات، سورياومعظمها طوعياً أو بمكافأة مالية متواضعة؛ لأنه أخرج مبكراً الكتابة الصحفية من حساباته المالية، وأعتمد على وظيفته كمحاسب بخبرة طويلة في تغطية تكاليف معيشته.

أصّر دوماً أن مسيرته المهنية والوطنية لا تتضمن محطات هامة؛ رغم أنها تقطر بالقيمة والجودة، وتقدم درساً أخلاقياً في المهنة استناداً إلى الموهبة، والقدرات الشخصية، بمعزل عن الاسناد السلطويبطبعاته المتعددة.

خَسر شعب فلسطين هرماً عملاقاً في جبهة المقاومة الثقافية، فيما خسرتْ الصحافة العربية قلماً نظيفاً طاهراً دافع ببسالة عن القضايا العربية الحارقة، رافضاً رفع راية بيضاء أمام سطوة الاحتلال، هجمات الاستيطان، هيمنة الكولونيالية ورأس المال وقسوة الاستبداد وقهر الطواغيت؛ وقد نعته الصحافة العربية وروابط الكتاب واتحاداتهم والأقلام النظيفة، بنصوص تليق بفارس شجاع، وظف موهبته الفذة للكتابة بالنار، دفاعاً عن الثوابت العربية، دون اكتراث بالعواقب..رحل بلا أرصدة مالية، بل برصيد أخلاقي من الكتابة الملتزمة بالقضية الفلسطينية، وقضايا الوحدة العربية والعدالة الاجتماعية الاقتصادية للفقراء العرب، وهموم البلاد الواسعة والحارقة: السلام لروح طاهرة، والرحمة لكاتب إستثنائي متفرد في رفعة الانتماء ومستوى الاداء، وكل المجد للكاتب الصادق عوني صادق.

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات