الشريط الأخباري

في ذكراها المجيدة… من اطفأ جذوة الحمية الشعبية؟ جبريل محمد

مدار نيوز، نشر بـ 2016/12/09 الساعة 12:59 صباحًا

بداية.. الف وردة قانية يانعة على قبر شهيدها الاول طفل الحجر الذي بات اقنوما بيد كل الاطفال ورمزا لتمردهم الشهيد حاتم السيسي ربيب مخيم الثوار مخيم جباليا، حاتم الذي لم يكن في اشد كوابيسه ان يرى دمه الان يغسل بمياه اوسلو الاسنة، حاتم كان مليئا باحلام اقلها ان يعيد ارض المخيم لاصحابها ويعود الى قريته التي لم يرها ولكن حدثه الاجداد عن خيرها وجمالها، لو عاش حاتم الى الان سيكون كهلا… ولا ندري بماذا سيفكر الان، لكن الاكيد ان حاتما لن يتخلى عن حلمه وان خزنه في امنيات عميقة باتت تقترب من طبقة اللاشعور. ربما كان الافضل له ان يربح الشهادة على ان يعيش حال الوطن وحال غزة الآن.
ها نحن الان ندخل العام الثلاثين من لحظة بدأت بسفر جديد من اسفار كفاح الشعب الفلسطيني، كانت الانتفاضة سفرا وليس مجرد صفحة، سفرا مكثفا وعميقا وجميلا في كل شيء حتى في جنازات الشهداء وزفاتهم، هي في عمرها القصير وكثافة فعلها تساوي الثورة المسلحة التي بعثت عنقاء فلسطين من تحت الرماد… ندخل العام الثلاثين وهناك من يصر انها كانت انتفاضة شعبية وسلمية ونقطة بعدها، لان هذا ما يراد الآن من التقييم لتبرير كل النعوت التي تطلق في ذيل كلمة مقاومة احيانا شعبية واحيانا سلمية واحيانا يضاف اليها التعبير الاكثر ابتذالا وانسجاما مع حالة تافهة في السياسة العالمية فيقال “ذكية”.
هل هناك اذكى من الابداع الشعبي الذي انطلق يوم التاسع من كانون الثاني؟ وهل كان هناك مظهر اذكى من المبادرة الشعبية الى تنظيم الصفوف والادوار بشكل عفوي اظهر ما تختزنه الجماهير الشعبية من ذكاء حين يقدح زناد المقاومة في ذهنها بصفاء ونقاء وابتعاد عن الحسابات الشخصية وحسابات البنوك، وحسابات المحسوبيات وبناء الزبائن؟
يريدون الان ان يقدمو لنا عملية لئيمة سموها ذكية وهي عبارة عن سحب الدسم الثوري في الانتفاضة الشعبية، وهذا يروق لمن ارهقه الكوليسترول والسكري والضغط السياسي وامراض أخرى ناتجة عن الالتصاق بالكراسي والارتهان الى وصفات الساسة الدوليين والعرب ومنتجي الاكاديميا المفسرة لسيكولوجيا التهافت السياسي على انها اعتدال وواقعية.
هل يدرك الذين يحاولون هندسة انتفاضة على مقاس عجزهم ان الهبة او الانتفاضة او الثورة تأتي في لحظة مباغتة، تكون معبرة عن الضرورة التاريخية وصانعة بحريتها المكتسبة لاشكالها وعناوينها ومضامينها؟ هل يدرك اصحاب الدعوة الذكية انه حينما اندلعت الانتفاضة العظيمة تلقفتها اطر شعبية فاعلة ومنظمة ومنتشرة في كل قرية ومدينة ومخيم، وان هذه الاطر شكلت رافعتها، ووقودها، وكانت السياج الحامي لاستدامتها، دون اي مقترح تمويل من اي مانح، ودون اي ورشة عمل او مؤتمر، ودون ان تطول التقارير عن الانجاز اكثر من بضعة اسطر تلخص جهدا طوعيا بذل خالصا للوطن.
لذا فان على اصحاب الدعوة ان ينزلوا من علياء كل القابهم الى الشارع ان كانوا صادقين فعلا وان يكونوا شركاء الشعب في قراره، لا ان يشركوا الشعب في قرارهم المنمق والمسحوب على مكواة تجعل من لبس القميص حالة غير قابلة للاستخدام.
كانت الانتفاضة الاولى حاكورة في المدينة تزرعجماعيا، ومدرسة في بيوت الاهالي، وبقرة تدر حليبا، ومقاطعة حقيقية لمنتج الاحتلال مرتبط بها تشجيع للانتاج الوطني، لا فتح بوابات الاستيراد لكل التجار المتطفلين على لقمة الفقراء، كانت الانتفاضة تطوعا لبناء بيت هدمه الاحتلال، وحراسة لمداخل القرية تمنع مباغتة قوات الاحتلال للمطاردين، لا اجهزة امنية تختفي من الوجود حين يجري الاخبار عن الاقتحام…

هكذا كانت الانتفاضة، فاذا اردتم حركة مقاومة شعبية حقيقية فلتتعلموا دروسها وتطورها، فهي لم تكن دون اخطاء على ان كبرى الاخطاء فيها كان نتاج محاولات مستميتة لاستثمارها مبكرا ما اوصلنا مع ظرف العدوان الثلاثيني على العراق وانهيار الكتلة الاشتراكية، الى تبرير التنازل وصولا لأوسلو اللعين الذي استبدل الكفاح بالوظيفة، وحول نخبة كبيرة من مناضلي الانتفاضة الى مجرد موظفين يستغلون مجدا مضى كي يبرروا حالهم الجديد.
لذا فاتركوا الذكاء للشعب الذي حين يطلق شرارته الاولى سيرسم خطته على وقع ارادته المنطلقة لا وفق التصاميم المرسومة في شبلونة بيروقراطيين هرمين… لمن يذكر لم يحمل البيان الاول رقما، ولكن ارادة الاستمرار وضعت الارقام في موقعها الطبيعي الى ان تم نسيان البيانات الاخيرة وارقامها فقد كانت مستدخلة مع مرحلة العقم التي نعيش.

المقال عن وطن للانباء

رابط قصير:
https://madar.news/?p=19614

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار