الشريط الأخباري

في يومها العالمي،تقييد حرية الصحافة الفلسطينية بين الدستور والقانون واخفاقات التطبيق ..

مدار نيوز، نشر بـ 2018/05/08 الساعة 9:49 صباحًا
شارك الخبر:

مدار نيوز – د. نهاد خنفر، أستاذ القانون-لندن: تنص المادة (19) من القانون الأساسي الفلسطيني بأنه “لا مساس بحرية الرأي، ولكل إنسان الحق في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير أو الفن مع مراعاة أحكام القانون”. وتطبيقا لروح النص الدستوري وتساوقا مع فهمه العملي، جاء نص المادة(2) قانون المطبوعات والنشر الفلسطينيلسنة 1995للتأكيد على أن “الصحافة والطباعة حرتان وحرية الرأي مكفولة لكل فلسطيني، وله أن يعرب عن رأيه بحرية قولاً، كتابة، وتصويراً ورسماً في وسائل التعبير والإعلام.

وعلى نفس المنوال تواكب المادة 27 من القانون الأساسي التأكيد على الحريات الصحفية وما يرتبط بها من ممارسات بالقول بأن “تأسيس الصحف وسائر وسائل الإعلام حق للجميع يكفله هذا القانون الأساسي وتخضع مصادر تمويلها لرقابة القانون.

وبان حرية وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة وحرية الطباعة والنشر والتوزيع والبث، وحرية العاملين فيها، مكفولة وفقاً لهذا القانون الأساسي والقوانين ذات العلاقة، وكذلك تحظر الرقابة على وسائل الإعلام، ولا يجوز إنذارها أو وقفها أو مصادرتها أو إلغاؤها أو فرض قيود عليها إلا وفقاً للقانون وبموجب حكم قضائي”.

ولعله من المؤسف التذكير بالكم الهائل من المعطيات التي تدل على اخفاق الحكومة الفلسطينية في احترام نصوص القانون الأساسي (الدستور) او القوانين العادية التي تتفق مع روح الدستور ونصوصه في صيانة الأسس التي يقوم عليها العمل الصحفي في فلسطين، والذي كفلته بقية القوانين الدولية المتعلقة بهذا الموضوع. ولربما ان الحكومة الفلسطينية لم تلق بالا الى ما نصت عليه المادة 32 من القانون الأساسي عندما قالت بأن “كل اعتداء على أي من الحريات الشخصية أو حرمة الحياة الخاصة للإنسان وغيرها من الحقوق والحريات العامة التي يكفلها القانون الأساسي أو القانون، جريمة لا تسقط الدعوى الجنائية ولا المدنية الناشئة عنها بالتقادم، وتضمن السلطة الوطنية تعويضاً عادلاً لمن وقع عليه الضرر”.

وتتجاوز النصوص الدستورية هذا الحد الى مبدأ أكثر شمولا واصرارا على تسخير كل الطاقات الأمنية لحماية وتعزيز كامل الحقوق والحريات، فنجد بان المادة 84 البند الأول من القانون الأساسي تنص على ما يلي:

1- قوات الأمن والشرطة قوة نظامية وهي القوة المسلحة في البلاد وتنحصر وظيفتها في الدفاع عن الوطن وخدمة الشعب وحماية المجتمع والسهر على حفظ الأمن والنظام العام والآداب العامة وتؤدي واجبها في الحدود التي رسمها القانون في احترام كامل للحقوق والحريات.

ولعله والحالة هذه ليس غريبا بان نجد بأن القوانين ذات العلاقة قد سلكت طريقا واضحة ومعبدة بالروح الدستورية، بحيث تؤكد المادة الثالثة من قانون المطبوعات والنشر النافذ بأن “تمارس الصحافة مهمتها بحرية في تقديم الأخبار والمعلومات والتعليقات وتسهم في نشر الفكر والثقافة والعلوم في حدود القانون وفي إطار الحفاظ على الحريات والحقوق والواجبات العامة واحترام حرية الحياة الخاصة للآخرين وحرمتها.”

ومن الدلائل القوية على ان الممارسة العملية قد ضلت طريقها الدستوري وانحرفت عن سكة القانون، وفي مخالفة فاضحة لإرادة المشرع الذي اعطى الصحافة هامشا واسعا من الحرية من خلال النص على مساحات هذه الحرية، بحيث تنص المادة الرابعة من قانون المطبوعات والنشر على أن حرية الصحافة تشمل:

أ- إطلاع المواطن على الوقائع والأفكار والاتجاهات والمعلومات على المستوى المحلي والعربي والإسلامي والدولي.

ب- إفساح المجال للمواطنين لنشر آرائهم.

ج- البحث عن المعلومات والأخبار والإحصائيات التي تهم المواطنين من مصادرها المختلفة وتحليلها وتداولها ونشرها والتعليق عليها في حدود القانون.

د- حق المطبوعة الصحفية ووكالة الأنباء والمحرر والصحفي في إبقاء مصادر المعلومات أو الأخبار التي يتم الحصول عليها سرية إلا إذا قررت المحكمة غير ذلك أثناء النظر بالدعاوي الجزائية حماية لأمن الدولة أو لمنع الجريمة أو تحقيقاً للعدالة.

هـ- حق المواطنين والأحزاب السياسية والمؤسسات الثقافية والاجتماعية والنقابات في التعبير عن الرأي والفكر والإنجازات في مجالات نشاطاتها المختلفة من خلال المطبوعات.

وربما ان التعمق أكثر في تحليل النصوص القانونية الانفة الذكر تعطي وبما لا يدع مجالا للشك مساحة واسعة من الحريات التي حرمت منها من خلال الأدوات التنفيذية التي عمدت الى تضييق هذه المساحات، بل وقيدتها بطريقة ممجوجة فيهاافتئات على حرية العمل الصحفي الذي يعد أساسا صلبا في بناء المجتمعات المتقدمة.

وفي حقيقة الامر، ودون انحياز او مبالغة، فان حرية الصحافة الفلسطينية تعد جزءً اصيلا في سعي الشعب الفلسطيني الى التحرر من ربقة الاحتلال، ومحاربة ما علق بالمجتمع من طفيليات نمت وترعرعت على حوافه.

وليس من المبالغة ايضا القول، بان الصحافة الفلسطينية، في اطارها العملي والقانوني يجب ان تعطى كل المساحات المطلوبة في التشريعات والقوانين والانظمة ليتاح لها المشاركة الفاعلة، كما تحاول دائما، في خوض معركة التحرير والاسهام الفعلي في رسم معالم الاستقلال الوطني الحقيقي.

ولا شك هنا بأن ما يمارس عمليا ضد العمل الصحفي والصحفيين من اوامر حبس واعتقال، وتنكيل أحيانا، قد أثر بشكل سلبي على قدرة الصحافة الفلسطينية في استثمار طاقاتها وخبراتها الواسعة جدا في خلق رأي عام حقيقي يؤسس لنظام رقابي لتصحيح الكثير من المسارات التي تسلكها سلطات الدولة، وخصوصا السلطة التنفيذية.

ومع حقيقة نص المادة السادسة من قانون المطبوعات والنشر يؤكد على أن ” تعمل الجهات الرسمة على تسهيل مهمة الصحفي والباحث في الاطلاع على برامجها ومشاريعها.” الا ان هذا بعيد كل البعد عن الواقع الممارس الذي يمنع فيه الصحفي او المؤسسات الصحفية من القيام بواجبها الذي يؤطره القانون ويشجع عليه.

وقد شهدنا امثلة مخالفة تماما لهذا النص من خلال التضييق على الصحفيين، وخصوصا الاستقصائيين منهم، من الوصول الى المعلومات الضرورية التي يعد الوصول اليها حاجة ملحة في الكشف عن الكثير من القضايا التي تخص المجتمع الفلسطيني وقدرته على الصمود والتصدي للاحتلال ومخططاته الواسعة في النيل من الفلسطينيين.

هذا مع العلم بان القانون يأتي بصيغة قاعدة امرة على الجهات المعنية ان لا تتقاعس في تنفيذها ومتابعة ما يرتبط بها من إجراءات واثار.

الصحافة الفلسطينية بحاجة الى التشجيع والدعم والمناصرة حتى تأخذ موقعها الطليعي في الدفاع عن المجتمع وفي معالجة ازماته المتفاقمة، وبحاجة أيضا الى نظام سياسي يتعامل مع الصحافة على انها ركن أساسي في تقييم الأداء وتقويمه والرقابة الجادة عليه، بل والوقوف على مدخلات العمل الحكومي والحكم على مخرجاته بالقياس الى ما تحققه للمجتمع الفلسطيني في معركته المحتدمة مع الاحتلال.

على النظام السياسي الفلسطيني ان يكون ناضجا في تعامله مع الصحافة على اعتبارها شريكا مقدسا وليست عدوا مستهدفا.

على هذا النظام ان يؤمن بان حرية الصحافة جزء لا يتجزأ من الكرامة الوطنية، يجب الحفاظ عليها وصونها بسياج قانوني يضمن استمرارها وتطورها وازدهارها في معركة التحرير والبناء.

 

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات