الشريط الأخباري

خاص لـ مدار نيوز …ملامح من الأدب السويدي- كتاب نادر في المكتبة العربية

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/21 الساعة 8:06 مساءً
شارك الخبر:

أجرى اللقاء – علاء جمعة – مدار نيوز : صدر في بغداد عن منشورات صفاف كتاب “ملامح من الأدب السويدي” للمؤلفة الراحلة إحسان الملائكة. حققّ الكتاب ونشره ابنها الكاتب والصحفي والاعلامي ملهم الملائكة، وكان لابد أن نحاوره لتكون هذه القراءة السريعة للكتاب.

مدار نيوز: ما نهج الكتاب في متابعة الأدب السويدي، هل اختص مثلا بالشعر أو الرواية أم هل تابع مراحل الأدب تاريخياً؟

ملهم الملائكة: لم يكن بوسع الكاتبة وهي تتابع ملامح هذا الأدب من مكتبتها الأسرية في بغداد أن تلم بكل تفاصيله، لاسيما أنّها لم تكن تعرف اللغة السويدية، لذا فقد اعتمدت مصادر باللغة الإنكليزية تناولت هذا الموضوع، وكان حصولها على تلك المصادر أيضاً صعباً مكلفاً في سنوات الحصار على العراق خلال تسعينيات القرن الماضي، وقد ساعدها في ذلك تحديدا صديقة لها هي إحدى تلميذاتها في سبعينيات القرن العشرين، وقد اختصت فيما بعد باللغة العربية واللغة السويدية واستقرت في السويد منذ اربعة عقود، فباتت مصدرا يغذيها بالكتب حسب طلبها.

أما نهج الكاتبة الراحلة في تدوين ملامح ذلك الأدب، فقد اعتمدت أن تتابع تطوراته ابتداء من عصر الملكة كرستينا 1626-1689وهي بنت الملك غوستاف أدولف الثاني التي امتلكت ميولا قوية نحو العلوم والآداب والفكر الجاد علاوة على شغفها بالفلسفة أيضاً. وحالما ارتقت العرش راحت تشجع العلماء والفلاسفة والأدباء الأوربيين للقدوم إلى عاصمتها. وقد فاخرت بقدوم الفيلسوف الفرنسي العظيم ديكارت إلى بلادها عام 1649 لكن ضعف بنيته وشدة برد البلاد الاسكندنافية كانا سبباً مؤسفاً لوفاته، بعد وصوله بفترة قصيرة بداء ذات الرئة.

وازدهرت تجارة الكتب في السويد بتشجيع ورعاية الملكة كريستينا التي لم تكن تبخل بأي مبلغ من المال في سبيل إغناء المكتبة الملكية بنفائس الكتب، على أن هذا الخزين الثقافي لم يَلبث أن انتقل إلى روما، إثر تنازل الملكة كريستينا عن العرش وتحوّلها إلى المذهب الكاثوليكي بتشجيع البابا الذي استدعاها للإقامة في روما. ويمكن العثور على بقايا هذا الكنز الثقافي في مكتبة الفاتيكان حالياً.

وهل بدأت منذ هذا التاريخ في سرد توثيقي لكل من كتبوا ونشروا وعرفوا في السويد؟

أبداً، وإلا كان الكتاب قد بات موسوعة، وهو في الحقيقة ليس أكثر من توثيق قصير لمن عرفهم العالم من أدباء السويد ونالوا مكانة محلية أو عالمية، وهكذا عمدت الكاتبة الراحلة الى انتقاء الأدباء الذين رأت فيهم أبداعاً يستحق أن يشكل منهم محطة في كتابها العربي الأول عن الأدب السويدي وقد وصفت كل من استوقفها بوصف رأته سابغاً على نتاجه، وهذه أمثلة:

الأديب العالم كارل فون لينيه، شاعر المجون بيلمان، الشاعرة الديمقراطية آناماريا لين غرين، الشاعر الرومانتيكي بيير دانيال اتربوم، رائدة الرواية الاجتماعية فردريكا بريمر، العبقري الفذ أوغست سترندبيرغ، الروائية العالمية سيلما لاغيرلوف… وتتابع الأمثلة حتى تقف في المجمل بإحدى وعشرين محطة.

وحتى بهذا الترتيب، لم تبذل الكاتبة مساحة اهتمام متساوية لجميع من أرّخت لهم، بل ناسبت ذلك مع مستوى انتشارهم الدولي، معتبرة أنّ المشاهير العابرين للحدود ( تأسّيا بعصر العولمة) هم الأجدر بالإفاضة.

ففيما منحت بعضهم صفحتين أو ثلاثة، فقد خصصت للروائية فردريكا بريمر 15 صفحة ، معتبرة إياها السلف الحقيقي للأخوات برونتي في احتجاجهن على تدني وضع المرأة في العالم حتى ذلك الحد في القرن التاسع عشر. وفي أثناء حياة بريمر ذاع اسمها في البلدان الأوربية وحتى في أمريكا، كرائدة مخلصة لحركة تحرير المرأة، وكانت مؤلفاتها تطبع بالإنكليزية أو الألمانية قبل أن تطبع بلغتها السويدية.  وانتهى الامر بالكاتبة بريمر أن هاجرت الى الولايات المتحدة الامريكية وقضت فيها عامين.

ولدت فريدريكا في فنلندا عام 1801والتي كانت تحكمها السويد، وفي صباها انتقلت مع والديها إلى السويد.

وتسجل الكاتبة أنّ روايات بريمر بدأت منذ عام 1830 بإثارة انتباه القراء، وتجسد ذلك في رواياتها “صور من الحياة اليومية” ورواية  “عائلة ” ثم “بنت الرئيس” و “البيت” و “الجيران” ،  وسرعان ما فازت بمدالية ذهبية من الأكاديمية السويدية.

بعد عودتها من الولايات المتحدة الأمريكية إلى السويد، طُبع لها كتابان عنوان الأول “مساكن العالم الجديد ” وعنوان الثاني ” انطباعات أميركية ” في عدة مجلدات، وكانت ردود فعل القراء على جانبي الأطلس مختلفة، ففي أميركا صدمت صراحتها بعضهم، وأظهروا انزعاجهم فوراً، في حين قوبل الكتابان بشكل حسن في أوربا لا سيما في السويد.

وغادرت فردريكا بريمر السويد مرة أخرى، متجهة أولاً إلى سويسرا ثم بلجيكا وفرنسا، فإيطاليا حيث زارت روما، ومنها انتقلت إلى فلسطين ثم تركيا ثم اليونان التي استقرت فيها بضع سنوات، وكان ثمرة هذه الرحلة الطويلة كتاباً في ستة مجلدات يصور أحوال العالم القديم ” 1862 – 1860 “، ومع أنه لم يكتب على شكل رسائل بل على صورة يوميات إلا أنه كان معتمداً على الملاحظات الذكية والانطباعات الغريبة، وعن طريق هذه المؤلفات، بالإضافة إلى كتابها الذي يدور حول انكلترا، والذي ألفته بعد عودتها من أميركا بعنوان” انكلترا في 1851″  وضعت فردريكا بريمر نفسها بين كبار مؤلفي أدب الرحلات في القرن التاسع عشر.

ولابد من القول هنا، أنّ الكاتبة إحسان الملائكة نفسها كانت تعشق السفر، وقضت 4 سنوات من عمرها في إسطنبول بتركيا، وسنة في عمان عاصمة الأردن، في محاولتين فاشلتين للانطلاق في سياحات جغرافية وفنية وفكرية وأدبية مطوّلة حول العالم، وهو ما لم يتح لها للأسف، فباتت تعشق أدب الرحلات، كتعبير عن تلك الرغبات الدفينة في السفر والترحال.

هذا يعني أنها انتقت الكّتاب بما يناسب ميولها، وشغفها الشخصي بأدبهم، وليس على سبيل البحث الشامل الأكاديمي؟

لم تدّعِ إحسان الملائكة قط أنها باحثة أكاديمية، رغم أنّها خلفت وراءها 10 مؤلفات، طُبع منها حتى الآن ثلاث فحسب، وأغلبها يتسم بالموسوعية واتساع الأفق، لكنّها سعت دائما الى اثبات كونها كاتبة متفتحة، تخاطب العقول، وتجد في الدفاع عن حقوق المرأة أينما كانت. وهكذا فإن محطات مهمة من كتابها ” ملامح من الأدب السويدي” جاءت عند كاتبات سويديات، دون أن تنسى الكتاب والفنانين المهمين في هذا البلد. وهذا لا يعني أنّها بذلت المساحة الأكبر من الكتاب للنابغات في الأدب والفن السويدي، بل أنّها مرّت بإفاضة على كتاب كبار.

وكان لها وقوف مطول على مبدع سويدي شهير لم يكن أديباً بالمعنى الحرفي للكلمة، لكنه كان فناناً متعدد المواهب كما وصفته، هذا الفنان هو إنغمار بيريمان (ويلفظ بيرغمان بالعربية كما هو شائع) والذي اعتبرت أنّه “ليس أشهر السينمائيين السويديين في العالم حسب وإنما أحد أعاظم السينمائيين في تاريخ فن السينما على الإطلاق”.

وسردت بإسهاب أعماله السينمائية الشهيرة، ثم خصصت مساحة من السرد لأعماله المسرحية التي فاق عددها 120 مسرحية، مشيرة الى أنّ أفضل المسرحيات التي أخرجها بيريمان هي تلك التي قدمت على مسرح بلدية مدينة “مالمو” بين سنوات 1953 – 1958 التي أعاد فيها إخراج المسرحيات الكلاسيكية بتأويلات عصرية، ومنها مسرحية موليير “دون جوان” ومسرحية الشاعر الأديب الألماني غوته “فاوست” ومسرحية أسني “بيرغينت”، كذلك أعاد تمثيل مسرحيات البير كامو فضلاً عن أشهر المسرحيات السويدية.

ألم تكن مغامرة منها أن تُقدم على توثيق ملامح أدب لم تكن تتقن لغته؟

الراحلة والدتي إحسان الملائكة طالما تاقت الى آفاق السفر والترحال والحرية واستكشاف العالم، ولما عجزت عن ذلك على الأرض، لجأت الى عالمها الأرحب واختصاصها الأمثل، الأدب (فهي كانت أيضا رسامة، وعازفة عود، وشاعرة أحيانا، لكنّ ابداعها الأمثل تجلى في الأدب)، وهكذا فقد ألفت عدة كتب في عوالم الفن والأدب غير العربي أحدها الكتاب الذي نحن بصدده، والآخر “أعلام الكتّاب الإغريق والرومان” (نشر في بغداد عام 2001 عن دار الشؤون الثقافية)، والثاني في سير الكتّاب الإنجليز، مازال مخطوطة، والثالث في مشاهير الكتاب الأتراك المحدثين، مازال هو الآخر مخطوطة، علاوة على كتاب يروي سيرة موسعة عن جلال الدين الرومي ( نُشر في بيروت والقاهرة وبغداد واعيد طبعه أكثر من 30 طبعة مقرصنة، كما انتشرت نسخ الكترونية منه بشكل واسع على النت باسمين مختلفين (جلال الدين الرومي صائغ النفوس، وجلال الدين الرومي عاشق حتى النهاية).

كانت إحسان الملائكة باحثة عن المغامرة في بطون الكتاب وعلى صفحات الورق بروح كاتب وبنفس فنان وبتوق مسافر يكتشف العالم عبر الأفكار وليس عبر عجلات القطارات وغبار المحطات وضجيج المطارات، قبل عصر الانترنت، حيث أنّ كتاب “ملامح من الأدب السويدي” قد جرى تأليفه بين عامي 1996 و1999، حين كان العراق لا يعرف الانترنت ولا يملك الناس فيه أن يشتروا كومبيوتر بسبب الحصار الدولي وحصار النظام في حينه على المبدعين والمفكرين والكتاب.

*أجرى الحوار  علاء جمعة

بون – ألمانيا

 

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات