الشريط الأخباري

موسم الشتاء الفلسطيني الحالي…نظرة استراتيجية .. جورج كرزم

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/14 الساعة 11:14 صباحًا

نابلس – مدار نيوز : شكلت كمية الأمطار التي هطلت في أواخر كانون أول 2017 وخلال كانون ثاني 2018، زيادة هامة في معدل الأمطار لفصل الشتاء الفلسطيني الحالي الذي اتسم قبلئذ بالجفاف، ولكنها تبقى بعيدة عن المعدلات المطرية العامة لهذه الفترة في بعض المناطق، وغزيرة تجاوزت المعدل المطري العام لهذه الفترة في بعض المناطق الأخرى.  وحسب الأرصاد الفلسطينية الرسمية بلغت كمية الأمطار التراكمية في القدس (حتى 29 كانون ثاني الأخير) نحو 209 ملم (حوالي 39% من إجمالي المعدل الموسمي الكلي)، بينما سجلت كل من نابلس وجنين -خلال ذات الفترة- 376 ملم و346 ملم على التوالي (أي نحو 57% و74% من إجمالي المعدل العام لكل منهما على التوالي). أما مدينتا رام الله والبيرة فقد سجلتا (حتى 29 كانون ثاني الماضي) حوالي 318 ملم، أي ما يعادل 52% من إجمالي المعدل الموسمي العام.

لكن، الظاهرة المدهشة في موسم الأمطار الحالي، أن كميات الأمطار التي هطلت خلال يومين،  وتحديدا في الرابع والخامس من كانون ثاني الماضي، شكلت الجزء الأعظم من كميات الأمطار التي هطلت خلال أكثر من أربعة أشهر (أيلول 2017-كانون ثاني 2018).  يتضح هذا الأمر لو تتبعنا كميات الأمطار التراكمية حتى الثالث من كانون ثاني الماضي (قبل يوم واحد من الأمطار الغزيرة جدا التي سقطت في اليومين التاليين، أي في الرابع والخامس من كانون ثاني).  واستنادا إلى الأرصاد الفلسطينية، بلغت كمية الأمطار التراكمية في القدس حتى الثالث من كانون ثاني الأخير 88 ملم (حوالي 16% من إجمالي المعدل الموسمي الكلي)، بينما سجلت كل من نابلس وجنين -خلال ذات الفترة- 118 ملم و83 ملم على التوالي (أي نحو 18% من إجمالي المعدل العام لكل منهما).  رام الله والبيرة سجلتا (حتى الثالث من كانون ثاني الماضي) حوالي 130 ملم، أي ما يعادل 21% من إجمالي المعدل الموسمي العام.

وفي المقابل نجد بأنه خلال اليومين المذكورين (الرابع والخامس من كانون ثاني) هطلت في القدس 72 ملم، أي 45% من إجمالي كميات الأمطار التي هطلت خلال أكثر من أربعة أشهر (أيلول 2017-5 كانون ثاني 2018).  كذلك الأمر بالنسبة لنابلس وجنين، إذ هطلت خلال ذات اليومين أكثر من 73 ملم ونحو 84 ملم على التوالي، أي 38% و50% على التوالي من إجمالي كميات الأمطار التي هطلت خلال أكثر من أربعة أشهر.  وفي رام الله والبيرة هطلت (خلال يومي 4 و5 كانون ثاني) نحو 57 ملم، أي  أكثر من 30% من إجمالي كميات الأمطار التي هطلت خلال فترة أيلول 2017- 5 كانون ثاني 2018.

ومن خلال نظرة مقارنة للسنوات الثلاث الأخيرة، نجد بأن تذبذبات كبيرة طرأت في النظام المناخي بشكل واضح؛ إذ بالرغم من أن المناطق الجنوبية من فلسطين غالبا ما كانت تواجه شحًا في الأمطار، إلا أن الحالة المطرية انقلبت منذ الموسم المطري 2015-2016؛ ففي مناطق الخليل تجاوزت نسبة الأمطار (في موسم 2015-2016) المعدل السنوي التراكمي، فوصلت في يطا إلى 163%، وترقوميا 138%، وبيت أولا 131%، وبيت أمر 122% (حسب الأرصاد الجوية الفلسطينية).  كذلك الأمر في قطاع غزة، حيث تجاوزت نسبة الأمطار (خلال الموسم المطري 2015-2016) في معظم مناطق المعدل السنوي التراكمي؛ فوصلت في رفح إلى 205%!، وخانيونس 198%!، ودير البلح 171%، وغزة الرمال 156%، وفي بيت حانون وجباليا 140%.

وفي المقابل، لم تتجاوز نسبة الأمطار (خلال الموسم المطري 2015-2016) 87% من المعدل السنوي التراكمي، في معظم مناطق شمال الضفة الغربية ووسطها والأغوار؛ ففي رام الله والبيرة وصلت النسبة إلى 87%، وفي نابلس وجنين 82%، وفي سلفيت 81%، وفي أريحا 78%، وفي طولكرم 71%، وفي طوباس 59%.

ذات الحال ينطبق إلى حد ما أيضا على الموسم المطري الحالي (حتى 29 كانون ثاني 2018)؛ فقد تميزت نسب الأمطار في المناطق الشمالية والوسطى (في الضفة الغربية) بكونها أدنى إجمالا من المناطق الجنوبية.  على سبيل المثال لا الحصر، وكما رأينا سابقا، فإن نسب الأمطار (حتى 29 كانون ثاني 2018) من إجمالي المعدل الموسمي الكلي في كل من القدس، نابلس، جنين ورام والبيرة (سوية) هي 39%، 57%، 74% و52% على التوالي.  بينما سجلت المناطق الجنوبية من فلسطين إجمالا (بحسب الأرصاد الفلسطينية)، نسبا أعلى من المناطق الشمالية والوسطى (حتى 29 كانون ثاني 2018).  ففي جنوب الضفة الغربية، وتحديدا في الخليل، بني نعيم، يطا، وبيت أُمّر بلغت نسب الأمطار (من إجمالي المعدل الموسمي الكلي) 70%، 83%، 90% و88% على التوالي.  وينسحب الأمر أيضا على قطاع غزة (وإن بمدى أقل من جنوب الضفة)؛ إذ بلغت نسب الأمطار هناك (من إجمالي المعدل الموسمي الكلي) حتى 29 كانون ثاني 2018، وتحديدا في مدينة غزة، دير البلح، رفح وخزاعة: 64%، 62%، 52% و68% على التوالي.

أمطار كثيفة ومتطرفة لفترات قصيرة

بالإضافة للتراجع في كميات الأمطار في فلسطين خلال العقدين الأخيرين بشكل عام، فإن مشكلة الأمطار أنها تهطل بشكل كثيف ومتطرف لفترات قصيرة، بشكل متكرر، مع تدفقات مائية عنيفة؛ ما يؤدي إلى تراجع خصوبة التربة بسبب انجرافها الناتج عن التدفق العنيف والقصير لمياه الأمطار.  هذه الظاهرة المتفاقمة أصبحت مألوفة في العديد من البلدان؛ ما حدا بالأمم المتحدة إلى الإعلان عن سنة 2015 باعتبارها “السنة العالمية للترب الزراعية”، بهدف زيادة الوعي حول خطورة ظاهرة تآكل الترب الزراعية.

لكن، حينما نقول بأن سبب تآكل التربة هو أساسا تعرضها للمياه الغزيرة المكثفة أو للرياح؛ لا بد أن نشير إلى أن هذه الظاهرة كانت قائمة دائما في الطبيعة أو في الأراضي المحروثة، لكنها تفاقمت في السنوات الأخيرة بسبب الزراعات المكثفة التي ترافقت مع استخدام المعدات الثقيلة والكيماويات الزراعية؛ ما أدى إلى زعزعة توازن الأرض واستقرارها.

هل وصلتنا تأثيرات التغير المناخي؟

منذ كانون أول الماضي، توقع نموذج المنظمة الأوروبية لتوقعات أحوال الطقس، بأن يكون فصل الشتاء الحالي في منطقتنا جافا وشحيح الأمطار؛ وذلك استنادا إلى المعطيات الخاصة بالمتساقطات حتى أوائل كانون أول، وتوقعات المتساقطات للأسابيع اللاحقة.  واعتبر النموذج الأوروبي بأن احتمالية أن تكون أشهر كانون ثاني، شباط وآذار (2018) ماطرة لا تتجاوز 33%.  توقعات هذا النموذج لم تكن دقيقة، على الأقل فيما يتعلق بالحالة المطرية لشهر كانون ثاني الأخير.

في الواقع، بما أن المتساقطات لغاية لحظة كتابة هذا التقرير متوسطة نسبيا؛ كما، وبحسب التوقعات، لا يبدو أن كميات أمطار كبيرة وجدية ستهطل خلال الأسابيع القادمة، فيمكننا التقدير بأن الموسم المطري الحالي سيكون، في المحصلة، متوسطا على المستوى الوطني الفلسطيني العام.  هذا يعني بأن أزمة المياه الحادة التي يعاني منها المواطنون في الضفة الغربية بالعادة خلال أشهر الصيف، يفترض، خلال موسم الصيف القادم، أن تكون أقل من السنوات السابقة. لكن، رغم ذلك، فإن الأزمة المائية (المصطنعة) لن تتراجع بسبب عمليات النهب الإسرائيلية الضخمة المتواصلة للموارد المائية الفلسطينية الجوفية والسطحية.

أما المياه الجوفية الشحيحة والملوثة داخل حدود قطاع غزة فسترغم الغزيين على المزيد من الضخ المفرط للمياه؛ ما سيتسبب في مزيد من التسرب المائي البحري ومياه الصرف الصحي إلى المياه الجوفية، وبالتالي، سيتفاقم التلوث المائي وستزداد جودة المياه الجوفية تدهورا، وستزداد نسبة المياه العذبة غير الصالحة للشرب، والتي تتراوح حاليا بين 90-95%.

يعتقد بعض خبراء المناخ بأن تواتر السنوات “شحيحة المتساقطات” يشير إلى أن منطقتنا (فلسطين وسائر بلاد الشام إجمالا) أخذت تعاني من تأثيرات التغير المناخي.  إلا أن خبراء مناخ آخرين يقولون بأنه منذ بدء توثيق كميات المتساقطات في منطقتنا (وتحديدا في بداية القرن العشرين) تم مرتين تسجيلُ تواتر مشابه لمجموعة السنوات شحيحة الأمطار؛ بمعنى، ليس بالضرورة أن نعزو للتغيرات المناخية ما شاهدناه في السنوات الأخيرة من شح في الأمطار.

صراع شرس بين الإنسان والطبيعة

باستثناء الطفرة المطرية الكبيرة نسبيا خلال شهر كانون ثاني الماضي، يمكننا القول بأن المناطق الفلسطينية الشمالية والوسطى تحديدا، تعاني للسنة الخامسة على التوالي، من شح المتساقطات؛ ما أرغم العديد من المزارعين على ري الحقول المزروعة، ولكنهم امتنعوا عن زراعة المزيد.  ما تبقى من مرج ابن عامر الذي يعد تاريخيا رمز الخصوبة الفلسطينية والثراء الزراعي، كان حتى أواخر كانون أول الأخير يعاني من الجفاف والاصفرار، إلا أن الأمطار الغزيرة التي هطلت خلال شهر كانون ثاني عدلت الميزان المطري نسبيا.

ويمكننا القول بأننا نعيش في خضم صراع شرس بين الإنسان والطبيعة، تقف المياه في مركزه.  مناطق فلسطين الشمالية تحديدا تمر بعملية تصحر متدرجة، لن يكون فيها أي طرف رابح.  وللطبيعة الحق في المياه، بقدر ما يتمتع الإنسان بالحق في الزراعة أيضا؛ ولا بد من إيجاد الحل “الذهبي” دون إبطاء.  وما هو أخطر من ذلك، أن العامل البشري الإسرائيلي يعمق سوداوية المشهد المائي، من خلال احتكاره للموارد المائية وضخه الهائل لها؛ ما يفاقم عملية التصحر الناجمة عن العوامل الطبيعية والمناخية.

مدير وحدة الدراسات في مركز العمل التنموي/ معا

 

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات