الشريط الأخباري

نضال رافع في جسد رائدة طه على المسرح..عماد الاصفر

مدار نيوز، نشر بـ 2018/10/08 الساعة 2:50 مساءً
شارك الخبر:

مدار نيوز \ عادت سارة من جامعتها في بيروت ذات صيف لصيق بالنكسة، فاعتقلها جيش الاحتلال لتسعة شهور بتهمة الانتماء لتنظيم (تخريبي) ونقل رسائل للفدائيين، وشاء القدر ان يدافع عنها المحامي علي الرافع، والذي احبها وطلب يدها للزواج، واغراها لمغادرة القدس وولوج قلبه بشباك يطل على البحر في شقة من عمارة عنوانها 36 شارع عباس بحيفا.

انجبت سارة خمسة ابناء في تلك الشقة، ونشرت الكثير من الغسيل قبالة البحر، وطبخت الكثير من الطعام وهي تناظر موجه ومراكبه، غير انها لم تنفك تقول ان المنزل ليس لها وانما لعائلة ابو غيدا التي لجأت بعد النكبة الى بيروت فدمشق فالنمسا، ومن النمسا جاء مستوطن يهودي اكرمته دائرة النصب والتزوير المسماة املاك الغائبين ومنحته ملكية العمارة التي شرع في بيع بعض شققها، فاشترى احداها المحامي علي ليعيش فيها مع زوجته سارة وينجب خمسةً، بينهم واحدة (غلباوية) اسماها نضال فكان اسمها على جسمها ووصفها.

اعرف نضال واستطيع تمييز صوتها من بعيد، وهو صوت مرتفع في كل الحالات حزنا او فرحا، اعجابا او انتقادا، وهو صوت لا يأتي منفردا وانما مصحوبا بالشعر المنكوش، والحركات الانفعالية لليدين والرجلين والجذع، والعيون الواسعة المتحفزة، والكلام المتدفق كصليات الرشاش او كسيلٍ هدار بلهجة فلسطينية خالصة، نضال تفعل ذلك بمنتهى العفوية والتلقائية ولو فعلته بشكل مقصود لكانت ممثلة بارعة، ولكنها لا تستطيع ابدا ان تبدل جلدها، ولا ان تتخلص من عفويتها، ولهذا احتجنا بالامس الى الفنانة المبدعة رائدة طه لتتقمص شخصيتها وتروي لنا رحلة البحث الطويلة عن اصحاب البيت الحقيقيين او من بقي منهم وكيف اعادتهم ولو جزئيا الى حيفا واعادت اليهم منزلهم.

لساعة كاملة على خشبة مسرح قصر الثقافة الذي امتلأت مقاعده بالكامل استطاعت المبدعة رائدة ومن خلال مونودراما “36 شارع عباس / حيفا” ان تتقمص بمنتهى الاتقان شخصية نضال ووالدتها وشخصيات اخرى لتحاكم من تركوا ديارهم، ومن لا يسعون للعودة اليها، ومن لا يحرسون الذاكرة، وطبعا لتحاكم الاحتلال الذي قتل وشرد واستولى، وسعى لتغيير وجه البلاد ولغتها.

لن اتحدث اكثر عن هذا العمل وهو الثاني لرائدة بعد ابداعها لمونودراما “الاقي زيك فين يا علي” والذي روت من خلاله قصتها الشخصية وقصة والدتها بعد استشهاد والدها الفدائي علي طه، ورحلة عمتها الطويلة مع استعادة جثمانة من ثلاجة الشهداء. لن اتحدث اكثر عن هذين العملين فمشاهدتهما واجبة ولا حديث يفيهما حقهما.

لست من محبي الانتقاد وخاصة للاعمال الجادة المليئة بحسن النوايا والاهداف السامية، ولكن في صدري همسة عتاب لا بد منها لراحة الضمير، وهي موجهة لرائدة طه ولرعاة العمل من مركز الفن الشعبي وقصر الثقافة وغيرهم ومفادها ان التقنيات الصوتية كانت ضعيفة، وكذلك الاضاءة لم تخدم العمل، وان العمل كان بحاجة الى ديكور يختصر الوصف الذي قدمته رائدة ويفتح المجال امامها للتركيز في التأثير على الجمهور، وربما لو تمت الاستعانة بشاشة تعرض احيانا ذلك الدرج الذي سلكه المهاجرون، والسفن التي ادخلت المستوطنين، والمعارك التي دارت، وغيرها من المشاهد المرتبطة بالمطار والسفر لكان افضل.

واخيرا كنت اتمنى لو التزمت رائدة التزاما مطلقا بالقصة كما هي ولم تقحم نفسها فيها من زوايا تجربتها في السفر عبر مطار اللد، وانها صديقة لنضال وللعائلة وانها تعرف البيت وحضرت جزءا من قصة عودة اصحابه، قد اجد تبريرا غير كاف للاقناع حين اتعاطى مع العمل بنسخة رام الله التي يعرف كثير من فاعليها نضال شخصيا وكيف تحتفل بعيد ميلادها، ولكنني سافقد اي وجاهة لهذا المبرر حين اقول ان العمل سيعرض خارج رام الله وفلسطين.

امنيتي ان تعمل رائدة ومخرجيّ عمليها الاول والثاني، على تقديم عرضين يخصصان للتصوير تلفزيونيا، فما من شك بان للعروض جمهورها النوعي، ولكنه قليل قياسا بعموم الجمهور، وما من شك بان لهذه العروض نهاية، وانها لا يجب ان تموت بانتهاء العروض.

الصورة من العربي الجديد لنضال ووالديها والكاتبة والفنانة رائدة طه

شارك الخبر:

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات