الشريط الأخباري

وليد الهودلي: “وهكذا أصبح جاسوساً” وأدب السجون .. عادل الأسطة

مدار نيوز، نشر بـ 2018/06/04 الساعة 2:28 مساءً
مدار نيوز : يعد الكاتب الفلسطيني ذو التوجه الإسلامي والمنطلق في كتاباته منه كاتبا مهما في الكتابة عن عالم السجن والاعتقال، وقد صدر له في هذا المجال أعمال عديدة منها «ستائر العتمة «وآخرها «وهكذا أصبح جاسوسا»، ولم تخل الأخيرة 2018 من ذكر دالّ «ستائر العتمة».

والكتابة عن عالم السجن حاضرة في الأدب الفلسطيني منذ أول رواية تقريبا في الأدب الفلسطيني، وهنا أشير إلى رواية اسكندر الخوري البيتجالي «الحياة بعد الموت» التي صدرت سنة إصدار رواية «الوارث» لخليل بيدس، علما أن الدارسين يعدون «الوارث» فقط أول رواية.
في روايته يأتي البيتجالي على السجن زمن الأتراك وستغدو الكتابة عن السجن في زمنهم لافتة في نصوص لاحقة.

طبعا علينا ألا ننسى قصيدة عوض المعروفة التي كتبها على جدران زنزانته ليلة إعدامه.
في 60 ق 20 كتب شعراء المقاومة عن تجاربهم في السجون الإسرائيلية؛ توفيق زياد وسميح القاسم ومحمود درويش وآخرون.

سيكون لتجربة السجن حضور واضح في النصوص القصصية والروائية التي كتبت بعد 1967؛ اميل حبيبي وجمال بنورة وعشرات الكتاب، وسوف يحضر عالم السجن في أعمال وليد الهودلي.
في عمله الأخير يكتب وليد عن عالم المتعاونين الذين كانوا مناضلين وأسقطوا من خلال العصافير الذين كان قسم منهم أيضا مناضلا.

طبعا في أثناء الكتابة يحضر عالم السجن بأبعاده: السجان والسجين المناضل وطرق التعذيب وعذابات المعتقلين و..و..ولكن التركيز في العمل الجديد للكاتب يكون على ظاهرة المتعاونين/ العصافير وطرق المخابرات الإسرائيلية في إسقاط المقاومين.

هل هذه الكتابة تعد فتحا جديدا لم نألفه في أدبياتنا؟
ربما يكون العمل جديداً في كونه من أوله إلى آخره يركز على موضوع واحد، وهو موضوع تطرق إليه كتابنا في قسم من أعمالهم.

يتبع السؤال الأول سؤال ثان هو: هل أسلوب الكتابة أسلوب جديد غير مألوف في الكتابة الروائية العربية؟
ربما يكون اميل حبيبي أول روائي فلسطيني كتب عن الفلسطيني المتعاون، في روايته المعروفة «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» 1974 فبطله متعاون، عدا أن اميل أشار إلى كيس الخيش الذي كان العصافير يضعونه على رؤوسهم للإشارة إلى الفدائيين.

بطل رواية اميل واسمه سعيد يتعاون مع الدولة الإسرائيلية ويوقع بالشيوعيين وينقل إلى رجل المخابرات معلومات عنهم، وحين تسجن إسرائيل البطل لخطأ ارتكبه تطلب منه أن يكون عينا على بقية السجناء وأن ينقل أخبارهم أيضاً.

يستمر سعيد في التعاون ثم ينقطع قائلا للمخابرات «- حلوا عني واركبوا غيري».
كتب اميل عن الظاهرة جزئياً وكتب بأسلوب ساخر، خلافا لأسلوب الهودلي وإن لم تخل روايته من بعض سخرية، فمؤلفه الضمني، وهو معتقل إداري، يسخر من معتقليه وأساليبهم.
المؤلف الضمني للهودلي يعتقل إداريا بسبب كتابته التحريضية، ويحاول الإسرائيليون إيقاعه.

في السجن يلتقي بسجناء ويصغي إلى قصصهم ويتركهم غالبا يقصون قصصهم وطرق إسقاطهم – أحيانا يقص عن أشخاص أسقطوا ولم يكونوا في السجن كما في القصة الثانية التي تأتي على سناء التي يسقطها إسرائيلي من خلال الفيس بوك وهنا يتساءل القارئ عن النجاح الفني لعمل الهودلي، فمؤلفه يقص عن سجناء في السجن ولم تكن سناء هناك -.

في السجن يصطاد المعتقل الحكايات ويغدو اصطيادها حكايته كما يخبرنا في القصة التي عنوانها «حب عمي أعماني»: «واصل قلمي في الأسبوع الخامس هوايته في صيد الحكايات من الأقفاص الفولاذية».  (ص55).

هنا يتذكر المرء الكاتب السوداني أمير تاج السر وروايته «صائد اليرقات» فبطله الروائي يصطاد أيضا حكايات ليكتب عنها، وربما ذهب المرء إلى بديع الزمان الهمذاني ومقاماته فبطله كان يجول البلاد بحثا عن مفردة شرود يستزيدها. إنه أيضا صائد من نوع ما.

مقدمة كتاب الهودلي الجديد وخاتمته تعيدنا إلى الزمن الذي كانت إسرائيل فيه تعتقل الفلسطينيين بسبب كتاباتهم – أي إلى أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، في 60 ق 20 وإلى ظاهرة الالتزام بالأدب وظاهرة الأديب الرسولي صاحب القضية الذي يرى أن كتابته مسؤولة وأنها ذات جدوى فهي تبصر وتوعي وتقلق العدو: «أحد الشعراء يقول: لو سرت أشعاري خلاني وأغاظت أعدائي/ فأنا شاعر/ وأنا سأقول» (محمود درويش).
وتعيدنا الخاتمة إلى معاناة الكاتب المعتقل حين يكتب وهو في السجن وفي حال القاص والروائي تتعقد المهمة خلافاً للشاعر، فالأخير قد يحفظ أشعاره.

يواجه المؤلف الضمني لرواية الهودلي مشكلة كبيرة، إنه سجين ويكتب وهو في السجن فكيف سيخرج كتاباته إلى العلن والسجان يفتشه، حين يطلق سراحه، تفتيشا دقيقا؟
رواية الهودلي – وإطلاق جنس الرواية عليها قابل للنقاش – رواية تفضح أساليب المحتل وتصف عالم السجن والاعتقال وهي ذات بعد تثقيفي تربوي أيضا تعيدنا إلى أدبياتنا الفلسطينية في 60 القرن العشرين.

«لكي نتذوقه فنانا علينا أن نعرفه إنسانا «يقول ناقد ولكي نقرأ ما كتبه الكاتب علينا أن نتعرف إليه، وكثير مما كتبه وليد الهودلي نابع من تجاربه وعالمه الشخصي. لقد أنفق 14 عاما في المعتقلات والسجون الإسرائيلية واعتقل إداريا غير مرة وأعتقد أن قصة «شباك رقم 10 «وقصة سفر بطلها إلى عمان تأتي على تجربة شخصية للكاتب نفسه.

«وهكذا أصبح جاسوسا»، نموذج من نماذج أدب السجون والمعتقلات وتعيدنا كما ذكرت إلى أعمال أدبية سابقة.

تعليقات