الشريط الأخباري

أبعد من الفساد، أقرب إلى الكارثة..كتب الدكتور حسن ايوب

مدار نيوز، نشر بـ 2022/01/20 الساعة 1:27 مساءً

مدار نيوز \

كتب أحد الأصدقاء على صفحته على موقع فيس بوك مدافعا عن وزير الحكم المحلي. يقول هذا الصديق: “أبرز ما لفت انتباهي لهذا التصريح هو استدراك الوزير لخطأ تعبيري ورد في أحدٍ تصريحاته وتحلى بالشجاعة والاخلاق لتوضيح ذلك للمواطنين وهذا امر جيد يستحق التقدير ويفتح الباب امام ضرورة تطوير اليات عمل الاعلام الحكومي بشكل عام. لكن هل يمكن لمن يحكم غزة من قبل حماس بقوة الأمر الواقع الاعتراف بتقصيره تجاه شعبنا هناك ؟” انتهى الاقتباس.

الوزير في تصريحه الأول حمل حركة حماس مسؤولية العدوان الأخير على قطاع غزة وما ترتب عليه من دمار وخراب فيه خلال شهر أيار الماضي، وذلك في معرض تبريره لقصور البنية التحتية في غزة عن استيعاب مياه الأمطار الغزيرة في المنخفض الأخير. وفي تصريحه الثاني –كعادة السياسيين عندما يقعوا في المحظور- برر الوزير موقفه بأن ما حدث هو “خطأ تعبيري”.

ولعمري بأنه عذر أقبح من ذنب. أولا لأن خطأ التعبير يترتب على زلة لسان أو خلط في المصطلحات، ولا يقع في جملة مفيدة مركبة جيدا ولها مغزى سياسي لا يخفى على أحد، ففي نهاية المطاف هذا التصريح لوزير؛ أي أن كل ما يقوله سيحسب عليه وعلى الحكومة ما لم نفترض بأن خبراته في عالم السياسة جد محدودة وفي الحالة الأخيرة لنا حق التساؤل عن تلك الأسس التي يتم بموجبها تعيين الوزراء. إلا إذا أراد لنا الوزير ومعه صديقنا من الفيس بوك أن نكون كالنعامة، أو أن نعيد تركيب اللغة على مقاس فضائح هذه الحكومة.

وثانيا لأن الوزير، وصديقنا على السواء، يستسهلون الهرب من تقصير الحكومة برمي المسؤولية على حركة حماس، وهي استراتيجية فعالة على مستوى مريدي السلطة الفلسطينية وحكومتها، ولكنها بالغة الضرر بالمصالح الفلسطينية، وبصورة الفلسطينيين أمام الشعوب والحركات والقوى والدول التي تناصر الفلسطينيين، ناهيك عن استفزازها لمشاعر الفلسطينيين أنفسهم. إذ كيف يمكن لوزير في حكومة فلسطينية أن يعطي صك برائة من المسؤولية لدولة “اسرائيل” عن الفظائع التي ارتكبتها ولا تزال ترتكبها في قطاع غزة؟ لقد كانت المواجهة الشاملة في شهر أيار الماضي علامة فارقة في تاريخ علاقة الصراع المصيري بين الشعب الفلسطيني وبين المشروع الاستعماري الاستيطاني الصهيوني، ومثلت بذلك البديل عن مشروع متهالك لم يعد يتمسك به سوى قيادة السلطة الفلسطينية وحكومتها.

قدمت هذه الانتفاضة الفارقة والمقاومة الباسلة التي رافقتها سياسات المقاومة كبديل جاذب وذو مصداقية سانده ملايين الناس حول العالم، بينما يشكك به ويطعن في مصداقيته طرف فلسطيني.

وفي هذا السياق فإنه لم يعد من المفيد (وغير مقنع أبدا) التعلل بأن سلطة حركة حماس في قطاع غزة هي سلطة أمر واقع، وعليه فإن كل ما يصدر عنها محل طعن وتشكيك، ويستخدم هذا المنطق لتقديم مبررات للكوارث السياسية التي ترتكبها السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية. نعم؛ استولت حركة حماس على “السلطة” في قطاع غزة بغير وجه حق، ولكن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية تستمر في ممارسة “سلطتها” بدون وجه حق من زاوية معايير الديمقراطية والتمثيل السياسي الدستوري، وقيادتها هي التي ألغت الانتخابات أيضا بدون وجه حق. ومن غير المعقول الاستمرار بالتذرع بأن مشروع السطلة في الضفة هو الوحيد الذي يمتلك صفة الوطنية، وبناء عليه يمتلك شرعية البقاء وحق الطاعة، والتصرف بلا رقابة أو محاسبة.

إن هذا المنطق التبريري المعطوب هو الذي يمكن الحكومة والسلطة في رام الله من المضي في ممارساتهما دون رادع، وبلا أي علامات يمكن أن تحسب من باب تقديم الأعذار. لا يكاد يمضي أسبوع واحد دون تكشف ملفات جديدة للفساد السياسي بأكثر صوره البنيوية فظاظة، والتي تتجاوز المألوف في الفساد. وهو ما يشير إلى أن الفساد أصبح منظومة متكاملة الأركان علتها وأساسها الفساد السياسي المتمثل باحتكار السلطة والقرار، وتغييب المؤسسات (مساء اليوم جددت مركزية حركة فتح ثقتها بمحمود عباس رئيسا لدولة فلسطين وللسلطة الفلسطينية وللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واضعة نفسها بديلا عن إرادة الفلسطينيين وحقهم في الاختيار، وعن المؤسسات الرسمية للمنظمة)، وتضييق مساحات ممارسة الحياة السياسية، وسياسات المحاباة والتوزيع التحكمي لمقدرات الشعب والوطن.

ولعل في ذلك يكمن تفسير المستوى الاستثنائي من الصلف وعدم الاكتراث التي تبديه الحكومة تجاه الفضائح المتوالية التي تخرج إلى العلن: إذ ماذا تعني عمليات التعيين والترقيات في السلك الدبلوماسي بالكيفية التي رأيناها؛ وتفاقم ظاهرة “التدوير” في المناصب العامة العليا؛ وعجز الحكومة عن معالجة البطالة وهروب قوانا العاملة إلى الداخل المحتل؛ والمكافئات المالية الكبيرة التي تمنح لكبار الموظفين في حين لا يتم صرف رواتب بقية الموظفين كاملة بذريعة الأزمة المالية التي يبدو بأن على عامة الناس تحملها؛ وهل كان ينبغي أن يموت شاب بعمر الورد من قطاع غزة لتكشف وفاته المأساوية عن فضيحة مستشفى خالد الحسن لعلاج السرطان؛ وكيف يفشل النظام القائم في الاستجابة لاستكمال علاج “رائد الخراز” الذي تسبب إرهاب المستوطنين في إصابته بشكل بليغ، وتلجأ زوجته إلى المناشدة للحصول على موافقة لعلاجه في أحد المستشفيات الاسرائيلية المختصة. أي نظام هذا وأية حكومة تلك التي تستتجيب للمناشدات عندما يتعلق الأمر بعامة الناس لتكريس الأبوية السياسية، بينما ينبغي أن يكون النظام الممأسس والمحايد هو الحل.

بات من الواضح بأن هذا النظام قائم على خصخصة المنافع والمكاسب والأفضليات، وتأميم المعاناة والأعباء، وبأن هذه الحكومة والسلطة قد استمرأت الاستخفاف بحقوق ومصالح ومشاعر وإرادة الناس، وبات لزاما على كل من يهمه الأمر أن يعلي صوته رفضا لهذا التدهور نحو الكارثة، التي ربما نكون قد وصلناها فعلا.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=231043

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار