الشريط الأخباري

أراب آيدول، والسيدة التي تلقي النفايات من سيارتها، ونهاية حل الدولتين.. ناجح شاهين

مدار نيوز، نشر بـ 2017/02/22 الساعة 10:24 مساءً
اليوم صباحاً: سيارة تتوقف عند دوار الساعة/قلب رام الله، بجانب فلافل ميس الريم. شابة محجبة جميلة تفتح الشباك وتلقي بجريدة أو أكثر على أرض الشارع. لمحت عنوان الجريدة، إنها جريدة القدس. سارع الصغار إنليل وسومر إلى كتابة رقم السيارة 4326…الخ أكسنت لون فضي..الخ حسناً، وماذا بعد؟.
لو كانت الشابة المتأنقة المتدينة على ما يبدو قد ألقت بكاسة أو محرمة ل “تفهمت” الأمر: يعني كانت تشرب شيئاً وفجأة وجدت أن عليها التخلص من بقاياه، فألقته دون أن تفكر، أو محرمة استعملتها ولا تريد أن “تلوث” سيارتها فألقت بها إلى الشارع، “ماشي الحال”.
لكن الشابة إنما ألقت صحفاً موجودة في السيارة منذ الأمس على الأقل، وكان يمكن أن تظل أياماً أخرى دون أن تتعفن أو تلوث شيئاً. كان يمكن الانتظار حتى الوصول إلى حاوية ما من الحاويات التي تملأ الطرقات والزوايا. لكن الصبية تستبطن فكرة فحواها أن المكان الأفضل لإلقاء النفايات هو ساحات “الوطن” وميادينه العامة.
ترى هل لذلك صلة من نوع أو آخر بحالة عدم المبالاة التي تسم الناس إلى حد بعيد حيال إعلان ترامب/نتانياهو ولفيف السعودية والخليج عن نهاية حل الدولتين؟ عن فتح الباب على مصراعيه أمام الإبداع الصهيوني ليجترح أشكالاً أكثر واقعية لإنهاء الصراع على قاعدة دولة واحدة ثنائية  القومية تحتوي على اليهود الأوروبيين واليهود الشرقيين؟.
لا ضير بالطبع من بعض الأقليات التي تشبه الأقليات “الهندية الحمراء” في أمريكا والتي لا تزيد عن خمسة في المائة من السكان. يمكن أن نقوم نحن أقارب الشابة التي تلقي القاذورات من شباك السيارة بدور الأقلية العربية التي تزعج النظام وجمال الحياة الرأسمالية الراقية في الدولة البيضاء الوحيدة في الشرق الأوسط.
وطن صبيتنا وبطلة قصتنا هو جسدها على الأرجح، ونرغب في التفاؤل والقول إن غرفتها قد تكون امتداداً لذلك الوطن/الجسد. وهذا يعني أنها قد تهتم بغرفتها وتعتني بها مثلما تعتني بوجهها المزين بالألوان المختلفة على الرغم من تحجبها.
لذلك يصعب علينا أن نتخيل أن صبيتنا قد سمعت أي شيء عن نهاية حل الدولتين الذي طالما رأى فيه قسم منا حلماً غالياً منذ أعلن المجلس الوطني في الجزائر في العام 1988 عن “قيام دولة فلسطين” في مستوى الرغبة والأمنية بالطبع، وبانتظار موافقة “المجتمع الدولي” على تبني الفكرة وسقايتها حتى تزهر. من نافلة القول بالطبع أن قسماً منا قد رأى الفكرة كابوساً يؤدي إلى الاستسلام التام والتنازل عن أكثر من 80 في المائة من فلسطين مقابل كيان مقطع الأوصال لا يشبه الدول في شيء. المهم سواء أكان حل الدولتين “غنيمة” أم مغرماً، فإن “الطرف الآخر” هو الذي ركله خارج الشباك مثلما ركلت الصبية الصحف خارج سيارتها.
متأكد أنا، متأكد “199 في المية” أن الصبية الحسناء المحتشمة تتابع أراب آيدول، وتعشق حسن… لا أعرف بقية اسمه. وتفرح لانتصارات فلسطين وممثليها، وتمارس الوطنية والانتماء والإحساس بقيمة التذوق الجمالي على أكمل ما يكون.
هناك أشياء عجيبة نمت منذ بعض الوقت: حلت الرياضة العالمية والمحلية وخصوصاً كرة القدم محل كل شيء بالنسبة للذكور، أما الإناث فيتركز عالمهن في أراب آيدول والأغذية المفيدة والشفط…الخ
لا مكان للسياسة، ولا حيز للصحة والتعليم والثقافة والأحلام التي تخص فلسطين ناهيك عن الأمة من المحيط إلى الخليج.
يسود المشهد تماماً جحا الذي لا يهمه إلا سلامة عنقه. ولا يهتم جحا الفلسطيني إلا بالكيف الذي يملأ رأسه عن طريق أرغيلة المعسل، وأراب آيدول، وكرة القدم وبعض الأحلام المتصلة بولائم الطعام والجنس.
سلامتكم، والوداع لكائن أرسطو الأسطوري المدعو ب “الناطق” أو “المتعقل”.
الإنسان يا سيد أرسطو الآن يتحجب بغطاء الرأس إن كان أنثى، ويتجحب بغطاء العقل والقلب إن كان ذكراً، ويمارس أنشطة لا ترغب لسوء حظنا أن تعدها في مستوى ما يميز الرجال الأحرار: أنت تريد الإنسان المنغمس بالسياسة وحياة المدينة/الدولة، الإنسان الذي يتذوق الموسيقى والفلسفة ويقرأ تراجيديا سوفوكليس وشكسبير وسعد الله ونوس وعبد الوهاب البياتي، وقاسم توفيق، وغسان كنفاني، ويقرأ الغزالي وابن رشد، ويحلم بتحرر فلسطين وحريتها، وتحرر العرب ووحدتهم.
ليس لدينا ما تريد أيها العجوز المكدوني الخرف. اتركنا نعيش في المستوى الذي اعتدناه في زمن الهزائم والفكر الوهابي الطائفي المنقرض. اتركنا ننتظر أقدارنا في سلام وسكينة مثلما فعل الرجل البغدادي الذي وقف داخل دائرة مرسومة على الأرض ينتظر المقاتل التتري الذي ذهب لإحضار سكين ليذبحه وهدده بالويل والثبور إن هو غادر الدائرة المرسومة على التراب.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=30976

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار