إنهاء أزمة جامعة بيرزيت بممر آمن قلم:د. باسم الزبيدي
مدار نيوز : يحمل اغلاق جامعة بيرزيت أكثر من معنى ودلالة وتفسير، فهو برأي البعض مجرد لحظة عابرة من التوتر في العلاقة بين الطلبة وادارة جامعتهم، سيتم تجاوزها في نهاية المطاف، ويرى آخرون ان ذلك يأتي كتعبير عن تحولات بنيوية عميقة عصفت بالجامعات وتتجاوز حدودها، وترتبط بالحالة الفلسطينية برمتها، وان حلها منوط بمآلاتها المستقبلية.
المواقف ازاء هذا التطور المؤسف متنوعة، فهناك من يرى ان الطلبة على صواب ولم يضلوا الطريق، وانهم في واقع الحال أُجبِروا على اغلاق أبواب جامعتهم بعد اتهامهم من قبل ادارة جامعتهم بعدم قانونية مسيراتهم “شبه العسكرية” داخل الحرم الجامعي.
واثار ذلك استياءً عارما لدى الكتل الطلابية، وجعلها تتوافق فيما بينها وان تختار منحى تصعيديا تمثّل برفع سقف مطالبها، والتشبث بإغلاق بوابات الحرم الجامعي حتى رضوخ الادارة التام لجميع مطالبها بما في ذلك ما هو مفاجيء منها.
بالمقابل، هناك رأي أخر يُبدي تفهما لموقف ادارة الجامعة ازاء التوتر القائم، ويُحاجج ان الطلبة يخالفون القوانين والتعليمات المعمول بها والتفاهمات السابقة بين الادارة والكتل الطلابية، وان الطلبة قد ضلوا الطريق، بداية بتنفيذ نشاطات “شبة عسكرية” في حرم جامعتهم، والتي هي منبر أكاديمي بالاساس، وانتهاء بإقفال أبواب الجامعة، ما شلها بالكامل والحق بها وبالمجتمع ضررا فادحا.
ويرى هذا الموقف ان الادارة محقّة في إصرارها على احترام قوانينها وتعليماتها من قبل الطلبة، وكذلك في موقفها المتشبث بضرورة إنهاء إغلاق بوابات الجامعة أولا، ليتسنى الجلوس إلى طاولة حوار وتباحث الأمور الخلافية استناداً لأنظمة وقوانين الجامعة سارية المفعول.
بصرف النظر عن منطلقات هذه المواقف ومدى وجاهتها، او مَن يتبناها ولأية أغراض، فإن هذه المواقف تبقى مجرد قراءات سطحية تُهمِل الجوهر، وتبتُر فهم ما يجري عبر عدم ربطه عضويا بما هو أكبر منه، اي بحالة التهافت العامة، ما يجعلها غير قادرة على فهم ِكُنْهِ الأزمة وتقديم ما يليق معالجات.
إن الفهم الرصين للمأزق الراهن الذي يتكرر بين فترة وأخرى، أصبح يستلزم من ذوي الشأن رؤيته في اطار علاقة الجامعة بالتحولات الكبرى التي مرت وتمر بها البلاد منذ 1993، وهي تحولات كونية عولميّة ومحلية ذات تأثيرات قاسية، أفضت الى تغيرات بنيوية عميقة في مكانة ودور مختلف البنى والأطر بدءا بالمنظمة والسلطة والاحزاب والمؤسسات، ومرورا بمختلف القوى والشرائح والنخب، وانتهاءا بالجامعات ومكوناتها من طلبة وموظفين وادارات.
وقد تعاظم تأثير هذه التحولات في ظل غياب السيادة وتآكل فرص بلوغها، ما حال دون مواجهتها، ومما زاد من تعقيد الأمر ضعف الفكر والفعل الجامع ورواج ماهو ضيق وخاص، وتكلُّس بنى وأُطر وتراكيب الحالة العامة.
وقد نتج عن هذه التأثيرات انكسارات وتصدعات عميقة، كان انقسام 2007 أكثرها خطورة، بعد ان بدّد ما تبقى مما جَمَعَ الفلسطينيين، وذلك لصالح مشاريع ما دون وطنية، غرضها صناعة “الفلسطيني الجديد” في كنف سلطتين متناحرتين!! لذلك، اضطربت البوصلة وتعزز الضعف وزاد الانكشاف، وبلغ الهوان حد فقدان القدرة على إجراء الانتخابات دون “شهامة” المحتل!! هذا هو السياق الأوسع الذي انتج الازمات المتلاحقة، بما فيها الأزمة الراهنة بين طلبة وإدارة جامعة بيرزيت.
تاريخيا، لعب طلبة الجامعات دورا وطنيا هاما، فأسسوا الاحزاب والفصائل وانخرطوا في النضال ضد المستعِمر ودافعوا عن الحق الوطني وعانوا الكثير لأجل التحرير الوطني وانتزاع الكرامة. هذا الدور تغيّر في مرحلة الدعة والاسترخاء التي تلت اوسلو، حيث ظهرت قيم ومفردات جديدة ضيّقة استبدلت ما قبلها من مفردات كالوطنية والمقاومة والنضال، لتعكس نفسها سلبا على دور ووعي الحركة الطلابية.
فقد أدى تأسيس السلطة الفلسطينية التي سعت الى صناعة “الفلسطيني الجديد”، الى تغير كبير في دور وأولويات الحركة الطلابية، فتم تدجينها واستيعابها في الحالة الجديدة، حيث حصل بعض الطلبة على وظائف جزئية مقابل خدمات يقدمونها للسلطة وأجهزتها الامنية، وأُغدق على آخرين “مساعدات عينية”، واستفاد بعض آخر من فرص تأمين وظيفة بعد التخرج. لقد ادى ذلك الى تعزيز فصائلية ضيقة، جعلت من حرم الجامعات ساحات تقاطب حاد بين الكتل الطلابية، عاكسة بذلك الحالة السياسية العامة المتكلسة وغير الديمقراطية والتي تخلو من تقاليد الحوار.
اما الجديد اليوم فهو ارتفاع وتيرة التقاطب لتبلغ قدرا من التوتر ضيّقَ مساحة المشترك بين الكتل الطلابية من جهة، والجامعة والمجتمع وربما الأطراف السياسية التي تمثلها تلك الكتل من جهة أخرى. ان عدم ادراك الكتل الطلابية لماهية دورها الحقيقي داخل حرم الجامعة، يفسر عدم تمييزها بين ما هو سياسي وما هو مطلبي، وبين ما هو مسموح وتجيزه الأنظمة والقوانين وما هو غير ذلك، وكذلك بين ما يمكن معالجته عبر الحوار والتفاوض وما يستدعي القسرية والعنف. هذا القصور حال دون ان تكسب الكتل الطلبة تأييداعلنيا من الاطراف التي تمثلها.
اما ادارات الجامعات فهي أيضا ليست أكثر قدرة في صد التحولات الجديدة وتغير اولويات إنتاج “فلسطين الجديدة”. فقد طرأت تغيرات عميقة في فلسفتها ورؤاها، جعلها أقل رغبة في مشاكسة الوضع الجديد وتحديه، فقبلته وسلّمت به بدلا من الاحتراص منه ومقاومة، الامر الذي انعكس عليها وترك ندوبا سلبية من الزاويتين الأكاديمية والاخلاقية، وأضعف من انخراطها بالشأن العام ومن تأثيرها على مسيرة التحرر والإنعتاق.
ان “قبول” القائمين على الجامعات بأن تكون الجامعات الفلسطينية جزء من ورشة صناعة “فلسطين الجديدة”، يفسر عدم ممانعتها الولوج في تفاصيل النظام الجديد، لغرض توسيع نفوذها في مؤسساته (خاصة وزارة التعليم العالي) والاستفادة مما يتيحه ذلك من فرص وموارد، بما في ذلك تسهيل الحصول على اعتمادات البرامج والتخصصات الجديدة. لذا، توسعت الجامعات افقيا، لا رأسيا، دون توفر ما يلزم من موارد وبنى تحتية، وجاء ذلك استجابة لاحتياجات سوق مشوه، ورغبة في تحقيق مكانة افضل في سلم التصنيف الأكاديمي العالمي للجامعات.
من الملفت هنا الشبه الكبير بين السلطة الفلسطينية والجامعات في مبالغتهما بما حققتاه من انجازات، فالسلطة رأت جهوزيتها التامة كي تتحول الى دولة مستقلة، وكذلك الجامعات أيضا رأت جهوزيتها في بلوغ العالمية في التميز والانجاز!! بالطبع، أسئلة كثيرة يمكن إثارتها هنا: كيف تكون السلطة على جاهزية للتحول الى دولة وهي مثلا لا تستطيع صد مشاكسات “منسق” بيت ايل، او “تمرد” عشائر ووجهاء، أو ايقاف استفحال الفساد، أو منع دخول منتجات مستوطنات الاحتلال الى الاسواق الفلسطينية؟ وبخصوص الجامعات، كيف بلغت العالمية وهي محدودة الموارد، وغير قادرة حتى على تمديد ساعات دوامها لأكثر من ثماني ساعات يوميا، او تأمين خطوط مواصلات للطلبة، او التصدي للشللية وضعف الشفافية في شغل المناصب والترقيات والتي ترى نقابة العاملين في الجامعة انها لا تستقيم دوما وقواعد الرتبة والجدارة والاستحقاق؟
بالمجمل، هذه السطور غرضها التذكير بأن ما تمر به جامعاتنا عموما من أزمات متتالية، بما في ذلك أزمة جامعة بيرزيت الراهنة بين طلبتها وادارتها، هو نِتاج التغيرات الكبرى الدائرة خارج أسوار الجامعة من جهة، وضعف الحوار الجاد بين مكونات الجامعة المختلفة من جهة أخرى.
السؤال يصبح: هل تستطيع جامعة بيرزيت الخروج من ازمتها الراهنة وكيف؟ اجابتي هي نعم كبيرة كونها تمتلك الارادة والقدرة والادوات المطلوبة لتحقيق ذلك. اما ترجمته عينيا فهو أمر ممكن عبر تبني صيغة شراكة أسميها استراتيجية الممر الإجباري الآمن لكل من الكتل الطلابية وادارة الجامعة.
أقصد بذلك ان تدرك الكتل الطلابية ان السبيل الأقصر والأكثر ضمانا لبلوغ ما تريد (من مطالب نقابية ونشاطات وغيرها)، هو الولوج اليها عبر ادارة الجامعة في اطار تكاملية الأدوار.
بالمقابل، ان تدرك ادارة الجامعة ان السبيل الأقصر والأكثر ضمانا لتأدية رسالتها وبلوغ الجودة والتميز المنشود هو الولوج اليها مسلحة برأسمالها الحقيقي: الطلبة.
ان استراتيجية من هذا النوع، تستند الى الحوار الجاد والمسؤول واحترام الأدوار والمسؤوليات من شأنها ليس فقط ان تُخرج جامعة بيرزيت من أزمتها الراهنة، وانما أيضا ان تنقلها الى مستوى آخر من الريادية، ريادية تستطيع جامعة بيرزيت عبرها أن تؤثر بالشأن العام بقوة وثبات، وأن تؤدي رسالتها العلمية والأخلاقية النبيلة على أكمل وجه بعزيمة طلبتها وبصيرة ادارتها وعطاء العاملين.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=163580



