الشريط الأخباري

التحرر أولاً ولاحقاً التحرير..انس عاكف الحمدالله

مدار نيوز، نشر بـ 2017/11/26 الساعة 8:29 مساءً

لا يعني شيئاً أن تعرف كيف تتحرر، فالمهم هو أن تعرف ما بإمكانك فعله بحريتك.
التحرّر من المسؤولية أمام الآخر ليس حرية، ولكنه فرار من الحرية.

كنت دائماً ما أسمع رجال السياسة في بلادي يرفعون شعار ” حتى التحرر والتحرير ” وكنت أفهم التحرير جيداً، أدرك وضعنا الفلسطيني وأدرك أن التحرير لم يقصد به سوى الخلاص من الاحتلال واستعادة أرضنا وقيام الدولة الفلسطينية، لكنني لم أفهم يوماً المقصود بالتحرر.

كان السؤال القائم دائماً ما الفرق بين التحرر والتحرير؟
فيما بعد صار السؤال أكبر ما الفرق بين الحر والمتحرر ؟
في كل مرة كانت تكبر أسئلتي لتصبح أكبر مني ولتتجاوز وجودي الفعلي وحيزي الخاص وتنطلق بي نحو عوالم أخرى كان من الصعب علي فهمها !
في ” حارتي الضيقة ” كان أحد الرجال يوصف بأنه حر ,,,,
كانوا يقولون ” فلان حر من صلب حر وقراره من رأسه ” وكان المثل مضروباً به
لكنني لم أفهم كيف هذا الرجل حر وأنا رأيته ذات مرة يضرب زوجته في الشارع , هل وصف الحر يليق برجل يضرب زوجته ؟
هل وصف الحر يليق بمن يمارس العنف الأسري ؟
كانت هكذا تكبر أسئلتي في كل مرة حتى أدركت أن الحرية تختلف عن التحرر على الأقل في مجتمعاتنا
فمن يقاوم الاحتلال هنا يعتبر حراً وحتى لو كانت حياته الخاصة قائمة على الديكتاتورية والذكورية والقمع , وحتى لو كان واقعه الوظيفي قائماً على الانتهازية
وهنا أدركت أن الحرية تختلف عن التحرر وأن التحرر مرحلة تسبق الحرية وحتى تسبق الدولة وتسبق كل شيء

كان سؤالي الأكبر الذي يدور في رأسي في حال تحررت فلسطين في يوم من الأيام وطبعاً كلي أمل وإيمان بذلك , في حال دحرنا الاحتلال وعادت حيفا ويافا والقدس,,,,
هل نحن جاهزون لذلك ؟ هل مجتمعنا جاهز للحرية والخلاص ؟
كان هذا سؤالي الأكبر الذي أخاف منه , أخاف من أجابته , وحتى من فكرته
كان مشهد الحرية مخيفاً لي بعد هذا السؤال ؟
فنحن نتحدث عن تحرير فلسطين من البحر إلى النهر وحتى نتحدث عن دولة في الاجزاء الباقية ( الضفة الغربية وقطاع غزة )
لكننا لم نتحدث يوماً عن شكل الدولة المنشودة
هل ستكون دولة فلسطين أم جمهورية فلسطين ؟
هل ستكون دولتنا المنشودة اشتراكية أو رأسمالية ؟
وكلما سألت أحدهم هذه الاسئلة أجابني وقال ” أحنا نتحرر وساعتيها بصير خير ”
لربما هذا الجواب السوداوي بالنسبة لي كان عبارة عن فقدان الأمل في التحرير , فنحن حتى اليوم لا نملك خطاباً سوى عن الحرية والخلاص ولا نملك أي خطاب يتحدث عن مبادئ التي ستقوم عليها دولتنا المنشودة ما بعد الحرية
لا نملك خطاب نتواصل به مع أحرار العالم لنقول لهم هذه دولتنا المنشودة التي نسعى لأقامتها ,,,

حتى الحركة الصهيونية كان لديها مشروع دولة تسوق نفسها به أمام العالم قبل إقامة الكيان فمثلاً سوقت الحركة الصهيونية نفسها للاتحاد  السوفيتي في ذلك الوقت من خلال الكيبوتسات الزراعية على أنها كيان اشتراكي في منطقة الشرق الأوسطتتبع مبادئ الاشتراكية والماركسية
وبذلك دعمت دول الاتحاد السوفيتي الحركة الصهيونية بقوة , ومدتها بالسلاح والعون والتدريبات العسكرية
لم يتوقف الأمر فبعض الشيوعين العرب ساهموا بذلك أيضاً , ظنوا أن الكيان الصهيوني فعلاً سيكون منارة للاشتراكية في منطقة الشرق الأوسط وحتى أن بعضهم سافر إلى التشيك لإقناع التشيك بمد الحركة الصهيونية بالسلاح اللازم .
وعندما ظهرت أمريكا بقوتها الصناعية وحش الرأسمالية أدرك الكيان الصهيوني ذلك مبكراً فطرح نفسه ككيان صناعي رأسمالي في الشرق الأوسط وهذا ما زال يطرح به نفسه لليوم
وحتى عندما اشتدت حمى الطائفية في منطقة الشرق الأوسط طرح الكيان الصهيوني نفسه كدولة دينية يهودية لليهود في كل مكان في العالم.

كان وما زال الكيان الصهيوني يسابق الريح في طرح نفسه بما يليق بالعصر الذي يعيشه وما يخدم مصالحه القومية وما يخدم بقائه
لكننا نحن في فلسطين ما زلنا نلاطم الريح ونحن نتحدث عن الحرية والخلاص ولكننا لم نتوجه للعالم حتى اليوم بمشروع حقيقي لما بعد الحرية
لم نعطي للعالم سبب مستقبلي واحد لكي نقول لهم نحن نستحق الحرية والخلاص , فقط نتحدث عن أحقيتنا التاريخية وعن احتلال ارضنا وعن المجازر التي ارتكبت بحقنا
وهذا ما صار العالم يدركه يشكل جيد وواضح ولكنه المجتمع الدولي أعور , المجتمع الدولي لن يقول يوماً للكيان الصهيوني هيا أذهب وأعد للفلسطيني أرضه.

هناك مصالح حققها الكيان الصهيوني مع المجتمع الدولي هذه المصالح ستبقى بالنسبة له أهم من الأحقية التاريخية للفلسطيني بأرضه, هذه المصالح تجعل المجتمع الدولي يقف موقف المتفرج على استيطان أراضي الضفة الغربية من قبل المستوطنين وعلى كافة الجرائم اليومية التي يمارسها الكيان الصهيوني بحق الفلسطيني وأرضه
فهناك مصالح مالية وصناعية وتجارية وطبية وعسكرية تربط ما بين الكيان الصهيوني والعالم, كل هذا مثلاً سيجعل فرنسا تفكر في مصلحتها من وجود الكيان الصهيوني وممارسته وبالتالي تغض البصر عن كل شيء في مقابل تحقيق مصالحها

قبل فترة خاطب نفتالي بينت من خلال فيديو قصير الشباب في أوروبا , كان نفتالي يقف في منطقة حدودية ليوجه رسالة لكل أوروبا أن وجود اسرائيل في منطقة الشرق الأوسط هو حماية لأوروبا كاملة من تقدم داعش نحو روما ونحو باريس
هذا الفيديو الذي لاقى رواجاً عبر التويتر في أوروبا سيساهم أيضاً في خلق سياسيين في أوروبا يرون وجود اسرائيل في منطقة الشرق الأوسط مصلحة لهم وحماية لهم من كل شر قادم من منطقة الشرق الأوسط

لذلك حان الوقت أن ندرك مفهوم التحرر , أن نترك التحرير قليلاً ونتحدث عن التحرر , أن نجلس سوياً كشعب فلسطيني موحد لنضع خطة نستطيع من خلالها تسويق أنفسنا في المستقبل بعيداً عن التاريخ وبعيداً عن الاحقية التاريخية لنا
يجب أن نجلس ونسأل أنفسنا ماذا سنقدم للعالم , بماذا يجب أن نعد العالم ؟ حتى يشعر العالم بمصلحته في وجودنا
علينا أن نعيد بناء مجتمعناً بشكل يليق بشعب يطلب الحرية والخلاص , فكيف سأقنع العالم أنني أطلب حرية لشعب يقمع الذكور فيه الاناث تحت حجج واهية ؟
كيف سأقنع المجتمع الدولي بأحقيتي بالحرية وهناك من لا يحترم الحرية ولا حتى يدركها وهو بيننا ؟
كيف سأقنع المجتمع الدولي بأحقيتي بإقامة الدولة والشعب الفلسطيني مصنف كشعب استهلاكي أكثر مما هو شعب انتاجي
علينا أن ندرك لأي جهة يتحرك المجتمع الدولي ونسابق الريح نحوها
علينا أن نخلق أطماعاً حقيقية وعلاقات مصلحية للمجتمع الدولي مع دولتنا المنشودة , مصالح قد تجعل أمريكا وأوروبا وغيرها تفكر من جديد بعلاقتها مع الكيان الصهيوني بسبب وجود شعب فلسطيني ودولة فلسطينية قادرة على تحقيق ما هو أفضل للعالم مما يحققه الكيان علينا أن نسبق الكيان الصهيوني علمياً , لربما حان الوقت والإمكانيات أصبحت قدر الإمكان متاحة من أجل النهوض بالبحث العلمي الفلسطيني .
يجب أن يرى العالم الوجه المتحضر لشعب فلسطين وأن يدركه وأن يفهمه , أن يدرك العالم أن له مصالح مع هذا الشعب
يجب أن يفهم المجتمع الدولي أن هذا الشعب فعلاً يستحق الحرية لأنه قادر على ممارستها والنهوض بها , ليس لأنه يملك التاريخ فقط
بل لأننا نملك المستقبل أيضاً.

في النهاية أستذكر ما قاله الشاعر أبراهيم طوقان في مثل هذا منذ عشرات السنين
في يدينا بقيَّةٌ من بلادٍ، فاستريحوا كيلا تطير البقيَّةْ ”

رابط قصير:
https://madar.news/?p=64465

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار