العودة من الهاوية.. قصص تعافٍ من الإدمان خلف أبواب المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل
مدار نيوز \ وفا- وعد الكار
خلف أبواب المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل في بيت لحم، تدور يومياً معارك صامتة لا تسمع أصواتها خارج الجدران. هنا لا يواجه المرضى أعراض الانسحاب الجسدية فحسب، بل يواجهون أيضاً سنوات من الخسارات والندم والخوف، ويحاولون استعادة ما فقدوه من صحة وعلاقات وأحلام.
في إحدى قاعات المركز يجلس شاب في التاسعة عشرة من عمره، مفتول العضلات، تبدو عليه ملامح القوة والثقة، لكن خلف هذا المظهر قصة مختلفة. قبل ثلاث سنوات، بدأت رحلته مع الإدمان بسيجارة حشيش عرضها عليه أحد أصدقائه. لم يكن يتوقع أن تقوده تلك التجربة العابرة إلى سنوات من التعاطي استنزفت صحته وأمواله.
يروي الشاب، الذي يتلقى العلاج داخل المركز منذ نحو شهر، أن الفضول كان البداية، قبل أن يتدرج في تعاطي الحشيش ثم حبوب “لاريكا” والكحول، حتى أصبح إنفاقه اليومي على هذه المواد يصل إلى نحو 1400 شيقل.
ويقول: “في البداية كنت أعتقد أنني أسيطر على الأمر، لكن مع الوقت أصبحت المخدرات تسيطر على حياتي كلها. كنت أرى المال يضيع والصحة تتراجع يوماً بعد يوم، حتى أدركت أنني أسير نحو الهاوية“.
لم تكن خسائره مالية فقط، بل امتدت إلى جوانب مختلفة من حياته، قبل أن يقرر أخيراً التوجه للعلاج أملاً في استعادة ما يمكن استعادته.
غير أن قصة هذا الشاب ليست سوى واحدة من عشرات القصص التي تستقبلها أروقة المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل، حيث تختلف البدايات والمسارات، فيما تتشابه النهايات غالباً بين الخسارة والبحث عن فرصة جديدة للحياة.
طرق مختلفة إلى الإدمان
في إحدى جلسات العلاج داخل المركز، تروي سيدة أربعينية أن قصتها مع الإدمان لم تبدأ مع تاجر مخدرات أو رفقة سوء، وإنما مع ألم في الأسنان.
تقول إنها لجأت إلى تناول حبوب “لاريكا” الموصوفة لوالدتها التي تعاني مرضاً عصبياً، بهدف تخفيف الألم، قبل أن تعاود استخدامها مرة بعد أخرى. ومع مرور الوقت تحولت الحبوب من مسكن مؤقت إلى حاجة يومية، ثم إلى إدمان قادها في نهاية المطاف إلى طلب العلاج.
وفي قصة أخرى، تحكي سيدة ثانية (..) كيف بدأت تجربتها عندما اعتادت تناول أجزاء من جرعات “المورفين” المخصصة لوالدتها المصابة بالسرطان. في البداية كانت المسألة تبدو بسيطة وعابرة، لكنها لم تدرك أن المادة التي تستعملها لتخفيف توترها وآلامها النفسية والجسدية تحمل خصائص إدمانية عالية، إلى أن وجدت نفسها أسيرة لها.
تكشف هذه القصص أن الإدمان لا يسلك طريقاً واحداً، ولا يرتبط بصورة نمطية واحدة. فبينما يبدأ لدى بعض الأشخاص من تجربة مع الأصدقاء أو بدافع الفضول، يبدأ لدى آخرين من دواء موجود داخل المنزل أو وصفة طبية استخدمت على نحو خاطئ.
أرقام تعكس حجم الحاجة للعلاج
وتؤكد الأرقام التي سجلها المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل أن الحاجة إلى خدمات العلاج والتأهيل ما زالت قائمة ومتزايدة.
ويقول مدير المركز الدكتور سائد بلبيسي إن عدد المستفيدين من خدمات المركز منذ تأسيسه عام 2018 وحتى نهاية أيار/مايو 2026 بلغ 5764 مستفيداً.
ويلفت إلى أن 3131 من هؤلاء استفادوا من خدمات المركز خلال الفترة الممتدة من عام 2023 وحتى نهاية أيار الماضي، وهو ما يعكس حجم الإقبال على خدمات العلاج والتأهيل خلال السنوات الأخيرة.
ويشير بلبيسي إلى أن النساء أصبحن جزءاً متزايداً من المشهد العلاجي، موضحاً أن 96 امرأة استفدن من خدمات المركز منذ إنشائه وحتى نهاية عام 2025، فيما راجعت 12 امرأة أخرى المركز منذ بداية العام الجاري وحتى اليوم.
ويضيف أن الفئة العمرية الأكثر حضوراً بين النساء المراجعات تتراوح بين 34 و44 عاماً، وهي ظاهرة تستدعي المزيد من الدراسة والاهتمام.
ويؤكد بلبيسي أن المركز يواجه تحديات مالية وإدارية تحد من قدرته على التوسع في الخدمات المقدمة، مشيراً إلى وجود نقص في الكادر البشري العامل فيه. ويوضح أن عدد العاملين حالياً يبلغ 48 موظفاً فقط، في حين أن الحاجة الفعلية للمركز تصل إلى نحو 80 موظفاً من مختلف التخصصات الطبية والنفسية والاجتماعية والإدارية.
ويضيف أن هذا النقص ينعكس على قدرة المركز على تطوير بعض الخدمات وتوسيعها، خاصة في ظل تزايد أعداد المراجعين خلال السنوات الأخيرة، لافتاً إلى أن من أبرز الاحتياجات الحالية توفير كوادر متخصصة لتشغيل قسم النساء، الذي ما زال غير مفعل رغم تجهيزه، بسبب عدم توفر الموازنات والاعتمادات المالية اللازمة لتغطية احتياجاته التشغيلية والبشرية.
ويشير إلى أن تفعيل القسم سيسهم في توفير خدمات علاجية وتأهيلية أكثر ملاءمة للنساء اللواتي يحتجن إلى بيئة علاجية متخصصة تراعي خصوصيتهن واحتياجاتهن النفسية والاجتماعية.
الإدمان مرض قابل للعلاج
داخل المركز، يتعامل الطاقم الطبي مع الإدمان بوصفه مرضاً يحتاج إلى علاج ورعاية متخصصة، لا باعتباره انحرافاً أخلاقياً أو ضعفاً في الإرادة.
ويشرح المدير الطبي للمركز الدكتور نادر جبريل أن رحلة العلاج تبدأ بالمرحلة الطبية، حيث يخضع المريض لعملية إزالة السمية والفطام عن المواد المخدرة تحت إشراف طبي متخصص.
ويقول إن المرضى يتلقون أدوية تساعد في التخفيف من الأعراض الإنسحابية المصاحبة للتوقف عن التعاطي، والتي تختلف شدتها بحسب نوع المادة المستخدمة ومدة التعاطي والحالة الصحية للمريض.
ويضيف أن العلاج لا يتوقف عند الجانب الطبي، بل يتبعه برنامج متكامل من الدعم النفسي والاجتماعي والتأهيل السلوكي، بهدف تمكين المريض من العودة إلى حياته الطبيعية وتقليل احتمالات الانتكاس.
ويؤكد أن المركز يعمل وفق نهج علاجي شامل يشارك فيه أطباء وأخصائيون نفسيون واجتماعيون وطواقم تمريضية، بما يضمن التعامل مع مختلف أبعاد المشكلة.
المعركة الأصعب
ورغم التطور الذي تشهده برامج العلاج، تبقى الانتكاسة التحدي الأكبر أمام المرضى والعاملين في المجال.
ويصف جبريل الانتكاسة بأنها أصعب ما يمكن أن يواجهه المريض بعد بدء رحلة التعافي، لأنها تعني العودة إلى نقطة كان يعتقد أنه تجاوزها.
ويشير إلى أن نجاح العلاج لا يعتمد على المركز وحده، بل يتطلب وجود شبكة دعم من الأسرة والمجتمع والمؤسسات المختلفة، إضافة إلى التزام المريض نفسه بخطة العلاج والمتابعة.
ويؤكد أن التعافي عملية طويلة ومستمرة، وقد تتخللها صعوبات وعثرات، إلا أن ذلك لا يعني استحالة النجاح.
حين تتأخر الأسرة في الاعتراف بالمشكلة
وفي كثير من الأحيان لا تكمن المشكلة في الإدمان نفسه بقدر ما تكمن في تأخر اكتشافه أو الاعتراف به.
ويقول جبريل إن بعض الأسر تلجأ إلى تفسيرات غير علمية للتغيرات السلوكية التي تظهر على أبنائها، فتعزوها أحياناً إلى السحر أو المس أو الضغوط العابرة، بدلاً من النظر إليها باعتبارها مؤشرات تستدعي التقييم الطبي والنفسي.
ويضيف أن هذا الإنكار قد يؤخر طلب العلاج ويؤدي إلى تفاقم المشكلة، ما يجعل التدخل أكثر صعوبة في مراحل لاحقة.
ويشدد على أهمية الوعي المجتمعي والتعامل مع الإدمان باعتباره قضية صحية تحتاج إلى تدخل مهني مبكر.
بيئة علاجية آمنة
بدوره يقول مسؤول العلاقات العامة في المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل عصام الحسنات أن المركز أحد المرافق الصحية المتخصصة التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية، ويقدم خدمات علاجية وتأهيلية متكاملة للأشخاص الذين يعانون اضطرابات تعاطي المواد المخدرة والإدمان.
وأضاف أن خدماته تشمل التقييم الطبي والنفسي، وبرامج إزالة السمية، والعلاج النفسي الفردي والجماعي، والإرشاد الأسري، والدعم الاجتماعي، وإعادة التأهيل والإدماج المجتمعي، إضافة إلى المتابعة اللاحقة للحد من الانتكاسة.
وأشار إلى أن المركز يهدف إلى توفير بيئة علاجية آمنة تحافظ على كرامة المرضى وتدعم تعافيهم وإعادة اندماجهم في المجتمع، ويقدم خدمات العلاج الاختياري للمرضى الراغبين في التعافي، فيما توجد أربع مصحات غير حكومية تقدم خدمات العلاج الإجباري في العيزرية وشعفاط وجبع وأريحا.
وأوضح “نسعى الى عكس رؤية ورسالة المركز الوطني، وخلق بيئة متكاملة مبنية على الشراكة والتعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي وذات الاختصاص، وتعزيز العلاقات لتوفير بيئة حاضنة لاستمرار عمل المركز“.
ما وراء الأرقام
خلف كل رقم في سجلات المركز حكاية إنسان. شاب يبحث عن فرصة جديدة، أو أم تحاول إنقاذ أسرتها، أو امرأة وجدت نفسها مدمنة على دواء كانت تعتقد أنه مجرد مسكن للألم.
هذه القصص تكشف أن الإدمان لا يميز بين الأعمار أو المستويات الاجتماعية أو الجنسين، وأن الطريق إليه قد يبدأ بخطوة صغيرة تبدو غير مؤذية في ظاهرها.
لكنها تكشف أيضاً حقيقة أخرى لا تقل أهمية: التعافي ممكن.
ففي الوقت الذي يواصل فيه عشرات المرضى رحلتهم داخل المركز الوطني الفلسطيني للتأهيل، يراهن العاملون فيه على أن الاعتراف بالمشكلة وطلب المساعدة في الوقت المناسب يشكلان الخطوة الأولى نحو استعادة الحياة.
وبين قصص السقوط ومحاولات النهوض، تبقى الرسالة الأبرز التي يحملها المرضى والعاملون في المركز على حد سواء، أن الإدمان ليس نهاية الطريق، وأن كل رحلة تعافٍ تبدأ بقرار شجاع يمنح صاحبه فرصة ثانية للعودة إلى نفسه وأسرته ومجتمعه.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=361362



