الشريط الأخباري

المد الوهابي في فلسطين…انس عاكف الحمدالله

مدار نيوز، نشر بـ 2017/12/03 الساعة 7:49 مساءً

مدار نيوز – قد يظن البعض أن هذا العنوان مبالغ فيه، لكن هناك حقيقة يجب أن نتعامل معها بشكل جدي، ألا وهي أن المد الوهابي قد وصل فلسطين كما كل المنطقة العربية، وربما من لم يبصره قد يكون أعمى بعيون أمريكية.

في ظل التغيرات الأخيرة التي تعيشها منطقتنا العربية، فإننا بكل تأكيد بحاجة للتعامل مع حقيقة العنوان في هذا المقال، ويجب دراسة الوضع الحقيقي للحركات الإسلامية، وما أنتجته في فلسطين منذ لحظة وجودها حتى الآن، فالمد الوهابي وصل المنطقة العربية بأسرها، وكان بيئة خصبة لخلق المجموعات السلفية والجهادية، وحتى المتطرفة منها.

فوجود تنظيم داعش في المنطقة العربية لم يكن وليد الصدفة ، وإنما نتيجة المد الوهابي الذي وصل للمناهج المدرسية، وحتى الحياة اليومية، وفي خطب الجمعة. فالموضوع عبارة عن تراكم تاريخي قاد المنطقة نحو داعش، فحتى لو كانت داعش صنيعة المخابرات الغربية، فإنها لم تأتي لولا هذا التراكم التاريخي.

ومن الصعب إنكار حقيقة أن هناك فلسطنيين من الأراضي المحتلة التحقوا بصفوف داعش من أجل الجهاد في الشام، سواء من الداخل المحتل أو من الضفة الغربية وقطاع غزة.
ومن الصعب إنكار أن هناك بيوت عزاء فتحت لهم بعد أن قتلوا وزفوا هنا كمجاهدين على الأقل في قطاع غزة.

حتى أن الكيان الصهيوني حاول استخدام هذه الورقة في وجهنا في فترة انتفاضة القدس، ولربما أصدر بيانات زائفة من قبل داعش تتبنى فيها منفذين بعض العمليات. وقد لا تكون في الحقيقة بيانات مزيفة، فقد تكون بيانات صدرت عن تنظيم داعش بأمر من غرفة المخابرات الصهيونية.

هناك حقيقة يجب أن نتعامل معها أن داعش موجودة في مساجدنا وفي بيوتنا وفي مدارسنا وفي شوارعنا وفي عقولنا. ولربما انتهت ظاهرة داعش، ولكن هذا لا يعني أن يأخذ الفارس استراحته، فعليه اجتثاث الظاهرة من عقول الناس، فهم لا يدركون تطرفهم، لأن التطرف متل الاستعمار قد يكون ناعماً لا نحس فيه ولا ندرك وجوده، وقد يكون تصرفات قد نراها عادية لكنها في النهاية ستقود لتطرف كبير.

وسأسرد الآن ثلاثة أمثلة قد يراها البعض تافهة جداً، لكنها تحمل في طياتها الكثير، حيث تحمل تساؤلاً واضحاً، ما هو القادم ؟

قبل فترة قصيرة اكتشفت من أحد الأصدقاء أن ” خلة الإيمان ” في نابلس (منطقة من مناطق نابلس) قد تم تغيير اسمها التاريخي، وبذلك هويتها التاريخية. فخلة الإيمان اسمها الحقيقي ” خلة الرهبان “، ولكن جاءت تسمية الإيمان زوراً.

فهذه المنطقة -أي الخلة- في تاريخ جغرافية نابلس، كانت مكاناً بعيداً عن التجمع السكاني أي البلدة القديمة، وكان يخرج الرهبان من سكان مدينة نابلس لهذه المنطقة من أجل التعبد والخلوة.
ومع الوقت، توسعت نابلس وكبرت وصارت هذه المنطقة في قلب التجمع المدني في المدينة. فمن الذي غير هوية التاريخ وأطلق عليها اسم ” خلة الإيمان ” بدلاً من ” خلة الرهبان”. علماً أنها ما زالت مسجلة في دائرة طابو نابلس باسم ” خلة الرهبان” .

فمن طمس الهوية التاريخية لهذه المنطقة لرفضه تسمية الرهبان حتى صار الاسم غير متداولٍ بين الناس ؟
أما المثال الثاني الذي سأذكره فهو من مدينة رام الله ، حيث تعامل البعض معه بنوع من أنواع السخرية في ذلك الوقت.

من زار رام الله حتماً يعرف أسود رام الله، أربعة تماثيل لأسود رابضة على دوار المنارة، ويقال أنها ترمز للعائلات الأربع التي سكنت رام الله.

ونعرف جيداً الجدل الذي يدور دائماً حول تحريم النحت كنوع من أنواع الفن ومهاجمة التماثيل. ويبدو أن أحدهم اقتنع بأقوال شيوخ السلفية، وقرر على عاتقه الشخصي أن يخلصرام الله من حرمة التماثيل، فتسلل ليلاً لدوار المنارة، وقطع ذيول الأسود كي لا تكون التماثيل كاملة ومتكاملة.

فمن الذي قطع ذيول الأسود؟ ومن الذي أقنع التجار بأن تماثيل عرض الأزياء ” المليكان ” يجب أن تكون أيضاً ناقصة؟ ومن الذي أصدر قانوناً في غزة يعاقب التجار في حال استخدموا ” مليكان ” مكتمل الأجزاء ؟
من الذي أصدر قانوناً في غزة يعاقب التجار في حال استخدموا ” مليكان ” مكتمل الأجزاء ؟

أما مثالي الثالث وهو بالنسبة لي قاسي جداً، لأنني عشته بشكل شخصي، فأثناء دراستي المدرسية كنت أتعامل مع الشيخ ابن تيمية على أنه بطل عربي ومسلم قاوم جشع السلطان وكان حبيس الزنزانة لأنه يحمل الكلمة الحق.

هذا ما درسني إياه منهاج التربية الإسلامية في الصف العاشر الأساسي، فقد كبرت وقرأت أكثر، وحينما نمت ظاهرة داعش عرفت ابن تيمية أكثر، عرفت شيخ الدم هذا، وعرفت الحق.
فمن الذي حرف التاريخ في درس دين للصف العاشر الأساسي، ووصف ابن تيمية بالشيخ البطل وصاحب الكلمة الحق ؟

من الذي سمح لمن أسس أسطورة الفتوى بالدم والقتل لمن يستخدمون العقل خوفاً من ضلال الأمة بأن يصبح في عيني بطلاً في هكذا مرحلة عمرية ؟ من هم الذين كتبوا مناهج التربية الإسلامية للمدارس فلسطينية؟

 

هذه أمثلة بسيطة أذكرها على سبيل الذكر لا الحصر، فالأمثلة أكثر من ذلك وموجعة أكثر من ذلك،
فقد تكون تافهة وصغيرة، وقد نراها غير مهمة، لكنها في الحقيقة تأسس لواقع أسوء مما نتخيل.

علينا أن نفهم الواقع جيداً، فالعالم الآن قائم على المتغيرات، كل شيء حولنا يتحول، ونحن إن كنا نحلم بدولة كباقي الدولة، ونطمح لأن نكون أمة كباقي الأمم، علينا أن ندرك الواقع ونفهم كيف كل شيء حولنا يتغير.

فالمدرسة الوهابية سقطت بكل تأكيد الآن. فبتخلي السعودية عن هذه المدرسة ستنتهي للأبد، لأنها تعيش تاريخياً على أموال السعودية وأموال نفطها.

فالسعودية استغلت هذه المدرسة في إرساء حكمها، واليوم العالم الجديد يحتم على السعودية التخلي عن هذه المدرسة والاتجاه نحو المدرسة الوسطية.

ولهذا يجب أن ندرك أن هذه المدرسة القوية التي كانت تشتري ذمم الشيوخ بالمال والجاه والسلطان قد سقطت ولن تقوم لها قائمة مرة أخرى.

علينا أن ندرك هذا جيداً، وأن نبداً بتنظيف أنفسنا، علينا أن ندرس ونحلل إلى وين وصلت هذه المدرسة بمجتمعنا الفلسطيني.

لربما حان الوقت لكي تعدل وزارة التربية مناهجها، وخصوصاً مناهج التربية الإسلامية، وحان الوقت لكي نسأل أنفسنا من الذين كتبوا مناهج التربية الإسلامية السابقة، فربما هم سيقودوننا إلى قلب هذه
المدرسة في فلسطين.

حان الوقت لكي ندرس الهوية الدينية لأئمة المساجد وخطباء الجمعة والقائمين عليها. حان الوقت لتكون وزارة الأوقاف أكثر وسطية، وأن تعترف أن هناك مدارس سلفية داخل الوزارة، وأن هناك متطرفين في المساجد يقفون على المنابر.

لذلك علينا إيجاد الحلول، والابتعاد عن دفن الرأس في التراب، والتعامل كأن هذا الشيء غير موجود،
فالمدرسة الوهابية الآن تهوي، تسقط، تحترق. وإذا كنا نحلم بدولة حقيقية مدنية ديمقراطية تقوم على العدل والمحبة، فعلينا الآن أن نعترف أن المدرسة الوهابية قد وصلت فلسطين،
وأن العمل يجب أن ينصب على اجتثاث هذه المدرسة من جذورها في أهم لحظات ضعفها التاريخي.

 

 

رابط قصير:
https://madar.news/?p=65377

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار

أسعار المحروقات والغاز لشهر أيار

الجمعة 2026/05/01 12:12 صباحًا