الشريط الأخباري

المصالحة الوطنية على أعتاب الانتخابات الفلسطينية: رؤية شبابية..عليان صوافطة

مدار نيوز، نشر بـ 2020/10/21 الساعة 1:38 مساءً

مدار نيوز \ تزامن تدشين النظام السياسي الفلسطيني المعاصرمع بعض مظاهر الدمقرطة التي تجسدت في الانتخابات الرئاسية والتشريعية لعام 1996. لكن، سرعان مااصطدم ذيل العملية الديمقراطية بالاضطرابات السياسية التي نتجت عن خلخلة “العملية السلمية”، واغتيالها من قبل الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، جراء انتهاء الفترة الانتقالية دون أي تحول عملي من واقع السلطة، إلى حلم الدولة. وفشلت آنذاك محادثات “كامب ديفيد 2″، وبدأت انتفاضة الأقصى،وحوصر الرئيس الراحل “ياسر عرفات”، حتى وفاته عام 2004.

انتخب”محمود عباس” رئيساً للسلطة الفلسطينية،بعد الانتخابات الرئاسية لعام 2005.وتباعاً لذلك، حازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في عام 2006 على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي،لتظهر بعد ذلك معضلة النظام السياسي الفلسطيني في العام 2007،إذ أمست مفاتيح السلطة التشريعية مع حركة (حماس)، بينما تولّت السلطة التنفيذية حركتان متناقضتان،ببرنامجين وخطابين ثقافيين مختلفين.الأمر الذي قاد إلى وجود انقسام فلسطيني – فلسطيني، واقتتال عسكري، وصل في صيف عام 2020 زهاء 13 عاماً. لتمسي آفاق الديمقراطية غائبة في سنوات عَزَّزَت من الانقسام الفلسطيني.

ظهرت العديد من المحاولات الدولية التي سعت في ظاهرها إلى إنهاء الانقسام، بينما كانت تدفع نحو إدارته، بدءاً من مكة، مروراً بالقاهرة والعديد من الحواضر العربية، وصولاً إلى محادثات تركيا وقطر، في حين أعادت الأخيرة الشعلة المضيئة إلى ممر المصالحة مرة أخرى، بعد تمخَّضه عن إرادة وطنية فلسطينية من اجتماع الأمناء العامين للفصائل، بمنهجية جديدة، خلت من أي وساطة دولية خارجية، ولا سيما في ظل التحديات الداخلية والخارحية التي تمر بها فلسطين، قضية وشعباً وقيادة.

تطرح السردية السابقة تساؤلاتٍ عديدة حول السياقات الزمانية التي أُدرجت فيها محاولة الحديث عن انتخابات كممرٍ آمنٍ نحو المصالحة الفلسطينية، ولا سيما أبرزها لماذا الآن؟

نقطة التقاء الثالوت المدنس

إن التقاء مجموعة من العناصر الثلاثة، والمتمثلة أولها في “صفقة القرن”، ومحاولة فرض قيادة فلسطينية جديدة بمعزل عن أي واحدة من الشرعيات التقليدية، أو الثورية أوالقانوينة. إلى جانب تطرف الاستعمار الاستيطاني في سياساته ثانياً، ولا سيما في ملف التطبيع ومآلاته على قولبة شرق أوسط جديد،وعلى دولنة القضية الفلسطينية. وصولاً إلى العنصر الثالث والمتمظهر في قصور الاستراتيجيا الوطنية الفلسطينية في ظل الانقسام، وانعكاساته على مسألة الخيارات الوطنية الفلسطينية.حيث كانت العناصر الثلاثة بمجملها كفيلة بتهيئة الظروف المواتية لحدوث مثل ذلكالتفاعل السياسي بين فصائل العمل الوطني، لإنتاج الحالة الجديدة والمُعَرَّفة بالبحث عن طريق المصالحة.

دفعت الفلسطينيين الحالةُ الجديدة إلى ضرورة البحث عن طريقة غير كلاسيكية باعتبارها ممراً آمناًنحو تحقيق المصالحة الوطنية، وبناء أرضية مشتركة يقف عليها الكل الفلسطيني،ولذلك اعتبر صندوق الاقتراع نقطة انطلاقٍ تُجَسِّدُ المسألة الوطنية العليا،التي تجمع بين أهمية البناء الديمقراطي من جهة، ومناهضة الاستعمار الاستيطاني من جهة أخرى.وعليه، فإن هذه الورقة تحاول مفهمة المرحلة المرتقبة، ابتداءً من تفكيك تعقيدات المناخ العام الذي جاءت فيه نداءات الانتخابات والمصالحة؟ وما هو دور الشباب الفلسطيني فيهما؟ وأي انتخابات يريد الشباب؟

المشهد الفلسطيني وتعقيداته

انعكس فقدان الانتخابات في ظل الانقسام الفلسطيني على المشهد العام للحياة اليومية برمته، ويتبين ذلك من خلال تأطير المناخ العام بمؤشرات تدلل على مجمل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية،التي نستطيع من خلالها إدراك الحاجة الملحة إلى انتخابات وطنية – ديمقراطية، لكونها أداة مهمة من أدواترتق عيوب البنى الاقتصادية والسياسية الحالية،بدرجة لا تقل أهمية عن خلق توليفة وطنية مُعبر عنها بالحد الأدنى من الاتفاق على قواعد اللعبةبين فصائل العمل الوطني.

يكتنف المشهد الفلسطيني العديد من التعقيدات التي باتت متأصلة في تفاصيل الحياة اليومية، ولا سيما أبرزها مآلات الانقسام الفلسطيني على انتقال المواطن من ما هو وطني مقدس، إلى ما هو حزبي. إلى جانب الواقع الاقتصادي – السياسي وانعكاساته على الاستراتيجيا الوطنية، والسياق الاجتماعي المؤطر بمستويات البطالة والفقر. ومستوى المشاركة السياسية للشباب الفلسطيني باعتبارهم القادرين على توليد ديناميات التغيير، وترميم سنوات الانقسام من خلال المشاركة في أي انتخابات برلمانية فلسطينية قادمة.

أولاً: الانتقال من الوطنية إلى الحزبية

أدى الانقسام السياسي الفلسطيني إلى طغيان الحزبي المقدس على حساب ما هو وطني، الأمر الذي قاد إلى ركاكة الفعل السياسي الفلسطيني، في ظل تفرد سلطتين في الحكم، إحداهما في الضفة الغربية، منشغلة بقضاياها وهمومها ومكاسبها، والأخرى في قطاع غزة، ولها ما لها من أولويات ومصالح.وتعزز ذلك في ظل وجود بيئتين منفصلتين جغرافياً ورمزياً، جعلت من الانقسام السياسي والثقافي والإعلامي أمراً سهلاً في الاستمرارية والاستدامة، في ظل معاناة مجتمع فلسطيني من مرارة الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي المعاش.

ثانياً: الواقع الاقتصادي – السياسي

تبين المراجعة الكرونولوجية والنقدية لخطط التنمية الوطنية الفلسطينية الأربع، والممتدة من عام 2008 حتى العام 2020، أنه لم يكن ثمة خطة حكومية شاملةتراعي الهموم الجمعية الفلسطينية على قائمة أولوياتها، مثل قضايا الانقسام، والبطالة والفقر، ولا سيما في ظل تركيزها على خطط قطاعية تمحورت حول قطاعات الحكم، والبنية التحيتة، والتنمية الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية. ولطالما غُلِفَتْ هذه القطاعات ببارادايم سياسات يعمل لصالح هندسة بنيوية جديدة للهياكل الاقتصادية والاجتماعية، من خلال ترشيد الإنفاق الحكومي بالتقشف، والتركيز على الأمن والمأسسة وجباية الضرائب، وبذلك أصبحت مقولة لاسويل”مَنْ يأخذ ماذا”، مقولة انتقائية للمستَقْبِل، ومحدودة بطبيعتها الإجرائية المتمثلة بالتقرير بالفعل، وفي ذلك تشويه صارخ لآليات صنع السياسات العامة في ظل الانقسام.

تأثر المجتمع بعموميته، ولا سيما الشباب الفلسطيني من سنوات الانقسام السياسي الفلسطيني، التي تزامنت معهاولادةبنى اقتصادية – سياسية نيوليبرالية جديدة، وفق مبادئ السوق الحرالتيعززت سطوة الاقتصاد على السياسة، وبالتالي ساد تقيم الفردانية واللاتسييس في سياق مجتمع فلسطيني ذو خصوصية ينبغي فيها أن يلتف الأجزاء ككل حول الهموم الجمعية، من أجل توحيد الهوية الوطنية. وبالتالي فإنَّ التغيرات الهيكلية\ البنيوية التي جاءت بعد العام 2007، وما رافقها من سياسات عامة، عززت من شرذمة المجتمع، وكثَّفت من ضبابية الاستراتيجيا الوطنية، وقادت إلى عملية تفقير جماعي.

ثالثاً: الاستراتيجية الوطنية

وُلدت الاستراتيجيا الوطنية الجديدة في كنف خطة الإصلاح والتنمية لعام 2008 في ظروف غامضة، ولم يشارك في صياغتها الشباب الذين يُشكلون نسبة 22% من المجتمع الفلسطيني، ولذلك أصبحت الاستراتيجيا الوطنية عاجزة على مواجهة تحديات الثالوث المدنس السابق، وكذلك بات هناك لاوضوح حولطبيعة الاستراتيجيا الوطنية الجديدة التي نحتاجها للاشتباك. سواء كانت هذه الاستراتيجيا تذهب تجاه المقاومة الشعبية الشاملة، أو نحو الخيارات الأخرى والمشروعة.

فقدت الاستراتيجيا الوطنية خلال سنوات الانقسام الفلسطيني حيويتها في مواجهة الاستعمار الاستيطاني، لأنها ارتكزت على ذاتالفكر القائم على بنود ما بعد إجماع واشنطن، أي على مبادئالتوسع الرأسمالي النيوليبرالي،وحركة الأمولة المعولمة.الأمر الذي قاد إلى خلق الجماعات الشابة الصامتة والغير فاعلة في الحقل السياسي\ الوطني،تلك الجماعات التي تتعايش مع الواقع وتستسيغه، دون أدنى محاولة حقيقة لتغييره بالمعنى الإجرائي، أو لمناهضة سياسات الاستعمار الاستيطاني.

حدَّ الانقسام من طبيعة الصراع\ التنافس الطبقي والنخبوي، وبالتاليشاخت النخب، وبقيت الرؤى النخبوية تراوح مكانها في ظل جمود العملية الديمقراطية، وتعززت معها شبكات المصالح التي تتغذى على استمرار الحالة الفلسطينية الموسومة بالانقسام، حتى أصبح هناكبرامجاً سياسية مختلفة، وأدوات عمل وطني متعددة، تُشرف عليها ائتلافاتٌ حزبية – دولية خارجية متناقضة، في ظل سياقات اجتماعية موسومة بالبطالة ومستويات المعيشة المتردية.

 

رابعاً: البطالة والفقر

تُعَدُّ مشاكل البطالة والفقر من أكثر المشاكل فتكاً ببنية المجتمع، إذ تُهدّد تماسكه واستقراره، لأنَّها تَنْتُجُ عن صيرورة قوى الإنتاج داخل المجتمع. ومنذُ قيام السلطة الفلسطينية، وهي تخوض غمار محاولة خلق حلولٍ لمشكلات البطالة والفقر المُرتفعة في نسبها، إلَّا أنَّ تلك الحلول اصطدمت بكتلة صلبة من المُحددات الداخلية والخارجية المتعددة، ولا سيما أبرزها الواقع الاستعماري. وتعبر نسب البطالة والفقر عن عدم وجود سياسات عامة نابعة من قاعدة اجتماعية تُعبر عن روح التمثيل وعملية المداولة داخل البرلمان، بالتزامن مع خلل في طبيعة ورؤية استراتيجيا التنمية الوطنية العمليةوالقائمة نظرياً على مرتكزات الصمود والاعتماد على الذات. حيث وصلت نسبة البطالة في عام 2019 إلى قرابة 30%، في حين اعتبر ثلث المجتمع الفلسطيني فقير، أي أن نسبة الفقر وصلت إلى حوالي 29%.

خامساً: المشاركة السياسية

أدت المعطيات السابقة إلى تقليل المشاركة السياسية للشباب، أي أصبحلا مبالاةسياسية لدى الفرد في دوره في تشكيل المشهد السياسي، أو الحياة السياسية التي من خلالهايتم المشاركة في صنع مصائر الأمم وأهدافهم العامة، سواء كانت برفض أو تأييد مخرجات نظام سياسي ما. ولهذا فإنَّ المشاركة السياسية للشباب الفلسطيني في الآونة الأخيرة أمست ضئيلة في ظل وجود الانقسام الفلسطيني، والواقع الاقتصادي – السياسي الذي قاد إلى وجود الجماعاتالشابة الصامتة،بذهنياتاجتماعية اعتادت على الاستهلاك الفخم، في ظل ارتفاع ملحوظ لمستويات البطالة والفقر، ولا سيما تحت وطأة قصور الاستراتيجيا الوطنية.

تُبرزُ تعقيدات المشهد الفلسطيني السابقة تساؤلات كثيرةومهمة حول أهمية الانتخابات، سواء كانت غاية أو وسيلة، وإذا ما كانت وسيلة فإنَّها إلى ماذاستفضي؟وأيهما يسبق الآخر، الانتخابات أم المصالحة؟ وما هي انعكاسات الانتخابات على المستوى الوطني (الماكرو)، وعلى المستوى السياساتي (المايكرو)؟

الانتخابات الفلسطينية:الوسيلة والشرط

ثمة استحضار لجدلية الانتخابات والمصالحة، انطلاقاً من أيهما يسبق الآخر، ولكل رأي جماعته التي تسوق حججها المنطقية، ويذهب البعض إلى اعتبار الانتخابات الفلسطينية ممراً آمناً نحو المصالحة.في حين يؤكد آخرون على أنالمصالحة الفلسطينية شرط مسبقللانتخابات، انطلاقاً من أنه لا يُمكن احترام نتائج الانتخابات ما دام الانقسام متجذراً في السياق الفلسطيني. ولكن عندما ينظر الشباب الفلسطينيإلى الانتخابات، فثمة قراءةمن منظور مختلفٍ،تتأتى من خيبات الأمل المُغَلِّفَةلمجمل الجهود الكبيرة والحثيثة التي بُذلت من أجلإنهاء الانقسام في ظل وجود فاعلين دوليين، الأمر الذي قاد إلى ضرورة وجود إرادة وطنية فلسطينية تتمثل في أنَّ الانتخابات ترياقاً للخلاص من الانقسام الفلسطيني. ولذلك فإنَّ هذه الورقة تتبنى الفرضية الأولى، على اعتبار أنَّ الانتخابات في السياقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية السابقة هي وسيلة من أجل الوصول إلى مصالحة وطنية، ورتق الهموم اليومية.

تعتبر الانتخابات الفلسطينية ممراً آمناً نحو المصالحةالوطنية، والاتفاق الفلسطيني على استراتيجية وطنية واحدة، سواء كانت تتمحور حول المقاومة الشعبية الشاملة، أو الكفاح المسلح، في حين تحتاج الاستراتيجتين إلى حد أدنى من التوافق على قواعد اللعبة، “وحتى الكفاح المسلح دون قيادة مركزية، يصبح أداة هدامة أكثر من كونه أداة بناءة”، وهذا ما قاله المفكر عزمي بشارة في تأطير السياق الفلسطيني.أي أنَّه لا يمكن الاستمرار في معركة النضال ضد الاستعمار الاستيطاني في ظل لاوضوحالبرنامجالوطني الواحد والقادر على المواجهة، انطلاقاً من الفعل والاشتباك، وليس من رد الفعل والانتظار.

تتجاوز الانتخابات معناها الكلاسيكي لتكون وسليةً\ أداة فلسطينية من وسائل التغيير السياسي – الاقتصادي وحتى الاجتماعي. أي أن الانتخابات، ولا سيما تلك التي تُعيد الحيوية إلى السلطة التشريعية، تجعل من إدارة الشأن العام محتكمةً إلىقول مونتسكيو في”الفصل بين السلطات”، أي أن تكون السياسات العامة نابعة من رحم المجتمع، في ظل وجود ممثلين عن المجتمع داخل البرلمان، يتداولون فيما بينهم من أجل المصلحة الوطنية المتمثلة في إغلاق نافذة الانقسامالواسعة، التيشتَّتت الجهود الفلسطينية لسنوات طوال.

ينظر الشباب الفلسطيني إلى الانتخابات من منظور إدارج المورد البشري الشاب في الحقل السياسي – الوطني. مع الإشارة إلى أن الشباب هم الشريحة الأكثر حيوية وإنتاجاً، ويناط إليهم دور هام ورئيسي متمحور حول بناء الدولة\ الأمة، ولا سيما مهمة التعافي من الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والصحية، وهم من خلقوا تساؤلات الديمقراطية العربية من جديد إبان الموجة الأولى من ثورات الربيع العربي عام 2011، وهم ذاتهم من غلَّفوا الشارع الفلسطيني بشعاراتية “الشعب يريد إنهاء الانقسام”.ولذلك فإنَّ الشباب الفلسطيني قادر علىخلق رؤى متطورة وحديثة تليقبالحدث،وما فيه من متغيراتيواجهها المجتمع، عبر عقائد وفلسفات جديدة.

الانتخابات التي تقود إلى مصالحة: رؤية شبابية

ثمة ربط بين الانتخابات الفلسطينية المرتقبة والمصالحة الوطنية، انطلاقاً من سردية تاريخية تتمثل في أن الانتخابات الفلسطينية كانت واحدة من أدوات مواجهة التحديات. ولذلك، فإن الانتخابات بمعناها الإجرائي ليست كافية لمفهمة مهمتها في التغيير، أو لإدراك أهميتها في كونها ممراً آمناً نحو المصالحة، إلَّا إذا اعتبرناها بذرةمفاهيمية قابلة لإعادة النحت في سياقات مثل السياق الفلسطيني.وبالتالي فإنَّ الانتخابات تعتبر “عملية تنْشط بموجب رؤيةٍ استراتيجيّةٍ جديدة، تتوحّد حول نقاطٍ برنامجيّةٍ قادرةٍ على جمع فئات المجتمع حول هدفٍ واحد، وتلعببعضُ المكوِّنات الثقافيّة دوراً حاسماً في صياغة هذه العملية، ولا سيما في تعزيز التصالح والوحدة بين مكوّناتها وعناصرها”.

تأتي الانتخابات كعملية في ثلاثة مراحلٍ أساسية من أجل تحقيق المصالحة الوطنية، أو الارتقاء بمشروعها فيما بعد، ليكون وحدة وطنية، مع حفظ الفوارق المفاهيمية والرمزية والمادية لكلتيهما(المصالحة والوحدة)، وتتمثل الانتخابات المقصودة في المقاطع المرحلية التالية:

مرحلة ما قبل الانتخابات

تتمظهر المرحلة السابقة لعملية الانتخابات، باعتبارها مرحلة أساسية تمهيدية لبناء مشروع ديمقراطي ينطلق من بيئة مواتية لنجاح الانتخابات بحد ذاتها، وتأتي تلك البيئة في السياق الفلسطيني من خلالبناء خطاب ثقافوي فلسطيني موحد،وبمهمة وطنية جديدة، قائمة على التعددية الحزبية، وحرية التعبير عن الرأي، والتركيز على الوطني المقدس دون الحزبي، وتعزيز المشاركة الديمقراطية للشباب. وفي ظل معطيات المرحلة الحالية والموسومة بمرحلة اجتماع الفصائل الفلسطينية في تركيا وقطر، فإنَّه ثمة غموض في حيوية مرحلة ما قبل الانتخابات، الأمر الذي يُنظر إليه بالحذر البليغ من مخاوف انعكاسات قصور هذه المرحلة على طبيعة مرحلة الانتخابات، وما بعدها.

باتت العلاقة بين الشباب الفلسطينيوفصائل العمل الوطني تتصف بالكثير من التوتر، والقليل من المشاركة السياسية في ظل سنوات الانقسام، ولذلك تنبثقالحاجة  لكسر هذه الحلقة من خلال تكامل وظيفي بين طرفي المعادلة، أي ضرورة وجود مرونة من قبل فصائل العمل الوطني لإصلاح هياكلهاوبُناها القيادية التي أكل عليها الدهر وشرب. إلى جانب أهميةتطوير القدرات الشابة (Capacity Development)، لأنهم جزء أصيل من الحل، وليسوا جزءاً من المشكلة، باعتبارهم كتلة حرجة قادرة على التغيير، وبدون نشاط هذه الكتلة سيُعاد إنتاج ذات الحالة الفلسطينية الموسومة بشيخوخة النخب، وكلاسيكية الاستراتيجا الوطنية، وكذلك الانقسام الفلسطيني.

لا يُمكن أن نبقى نتناول موضوع الانتخابات من منطلقات حقوق الإنسان المدنية والسياسية فقط، وفق ما جاء بها الإعلان العالمي لحق الإنسان “في إدارة الشؤون العامة لبلاده، إما مباشرة، أو بواسطة ممثلين مُختارين”، بليحتمعلينا السياق الفلسطيني تجاوزنا حدود كلاسيكية الفهم للانتخاباتالقادمة، من خلال الربط الواعي والمقصود بينها وبينإدراكنا لحيثيات المصالحة الفلسطينية،أي عبر فهمنا للانتخابات باعتبارها عملية تنشط بموجب استراتيجية جديدة،ولها وظيفة التصالح على المستوى الوطني، ووظيفة الاشتباك على مستوى مناهضة الاستعمار الاستيطاني.

يصبح وجود جسم شبابي وطني يأخذ مهمته المتولدة من نموذج جماعات الضغط، له دور سامي من أجل أن يكون دافعاً نحو المشاركة العملية في توليد المصالحة من صندوق الاقتراع،ومهما وُسم هذا الجسم بأسماء كالملتقى الشبابي الموحد، تبقى له مهمة متابعة السلوك العملي لاستيعاب الشباب الفلسطيني كعنصر له حق المشاركة في التنظير والتأطير والحراكات الانتخابية، أو الرقابة على النظري البرنامجي لمجمل القوائم المشاركة، وفي حال لم تُلبِّ تطلعات الشباب فإنَّ قوة الضغط تُصبح فاعلة حتى مرحلة الانتخابات.

مرحلة الانتخابات

تحتاج مرحلة الانتخابات لبيئة مواتية لعمليتي الترشُّح والتصويت، ولا سيما من أجل تعزيز مشاركة الشباب في الحياة السياسية والمدنية. ولذلك يصبح للنظام الانتخابي المعمول به دور كبير في ذلك، إذ يتيح نظام التمثيل النسبي الكامل المتفق عليه بي فصائل العمل الوطنيهامشاً جيداً لمشاركة الشباب في الانتخابات، على العكس تماماً من نظام الدوائر (الأغلبية). إلَّا أنَّ ذات النظام لا يكفل المشاركة في ظل وجود قانون انتخابي فلسطيني ناظم لسن الترشح، بحيث لا يعطي أهلية الترشح للانتخابات النيابية لمن هو دون سن 28 عاماً، الأمر الذي يضعنا أمام تساؤلٍ حول الآلية التي يُمكن بها إدراج الشاب في الانتخابات القادمة باعتبارهم كتلة حرجة قادرة على التغيير في ظل القوانين الانتخابية المعمول بها.

ثمة فجوة كبيرة بين سن التصويت من جهة، وسن الترشح من جهة أخرى، فالتصويت في السياق الفلسطيني يحق لمن أتم الثامنة عشر من عمره يوم الاقتراع، بينما تصل أهلية الترشح إلى 28 عاماً، وهنا نسوق جدلية سحب سن الترشح إلى أدنى حدٍّ يقترب من سن الاقتراع، بهدف توحيد سن التصويت مع سن أهلية الترشح. وهذا كله يحتاج إلى ثقة المجتمع بالشباب من أجل تعزيز مشاركتهم.

يقود الحديث عن تعزيز مشاركة الشباب في أي انتخابات فلسطينية قادمة، إلى ميدان المرافعة ضد فكرة الحصص الانتخابية (الكوتا)، ودورها في إدراج الشباب في السياق الفلسطيني، إذ ثمة أصوات تُطالب بتخصيص حصة خاصة بالشباب كما الحصص النسائية في قوائم التمثيل النسبي، في حين تأتي “الكوتا” بمثابة ريع سياسي يسعى لترسيخ تقاليد الاستجداء السياسي، من خلال تشويه فكرة التمثيل، ومصادرة إرادة المجتمع في الاختيار، ونقل الشباب من الهوية الوطنية المشتركة، إلى اللاتجانس المتأتي من المنافسة الضيقةجداً والمحصورة في حصة الكوتا، بغض النظر عن البرنامج السياسي، أو حتى شكل وطبيعة القائمة المتشكلة سواء كانت قوائم فصائلية نقية، أو قوائم مشتركة.

كثر الحديث عن ماهية الانتخابات في الآونة الأخيرة، ولا سيما حول فعالية القائمة المشتركة الجامعة للفصائل الفلسطينية، وانقسم جمهور المتابعين بين مؤيدٍ ومعارض. وانطلق المعارض من نقطة محورية متأصلة في السياق الفلسطيني، ومفادها أنَّ القائمة المشتركة لن تؤدي إلى مصالحة فلسطينية، وإنما ستنتقل بالحالة الفلسطينية من الانقسام السياسي إلى التقاسم السياسي والوظيفي. في حين يسوق المؤيدون أن القائمة المشتركة ستكون مرحلة انتقالية تعزز من الاتفاق على الهدف الوطني العام.

رغم محددات نجاح القائمة المشتركة، والتعقيدات الموضوعية والذاتية التي تعصف بفرص تشكلها، إلَّا أنَّها تبقى محاولة كمرحلة انتقالية من أجل الذهاب إلى انتخابات وطنية – ديمقراطية بمعناها الدقيق، وليس إلى انتخابات حزبية – ديمقراطية تعيد إنتاج ذات الحالة الفلسطينية الموسومة بالانقسام. علاوة على أنَّ القائمة المشتركة من الممكن أن تقود إلى تشكيل حكومة وطنيةجامعة للعديد من ممثلي فصائل العمل الوطني، تعبر عن جوهر المصالحة الوطنية. ولذلك فإنَّ الاتفاق على قائمة وطنية مشتركة تعتبر واحدة من ضمانات المحافظة على البرنامج الوطني، مقابل التنازل عن الجسم السياسي. وهذا بحد ذاته من روافع استقرارمرحلة ما بعد الانتخابات.

مرحلة ما بعد الانتخابات

تأخذمرحلة ما بعد الانتخابات بُعداًديناميكياً في سياقات التحولات الديمقراطية على وجه التعميم، وفي السياق الفلسطيني على وجه التخصيص، إذ يكون النظام السياسي في هذه الفترة غير مستقر تماماً، ويواجه مخاض ولادة مظاهر جديدةللتغيير السياسي، والاقتصادي وربما الاجتماعي.وفي ذات الوقت، تكون مرحلةما بعد الانتخاباتأكثر المراحل عرضة للثورات المضادة، أو محاولات إجهاض الديمقراطية من خلال الانقلابات والسيطرة العسكرية. وثمة تجربة فلسطينية مُستمدة من سنوات الانقسام السياسي الفلسطيني في العام 2007، والتفرد بالسلطة في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة، الأمر الذي يقود إلى محاولة الوصول إلى تصور موضوعي يضمن نجاح الانتخابات كعملية تنشط بموجب رؤية استراتيجية جديدة، بالتزامن مع ضمانه لاستدامة أجواء المصالحة.

تحتاج مرحلة ما بعد الانتخابات لضمانات عديدة، وقد يتساؤل أحدٌ عن منطقية هذه النقطة، حيث تأتي الضمانات لتوفير الإشراط الكلاسيكي المتمحور حول استجابة الفصائل لاحترام نتيجة الانتخابات، فور ظهور منبه انتهاء مرحلة الانتخابات. لكن، وفي ظل تحليل الانتخابات كعملية، ربما لن تكتمل الصورة إلا إذا وضعنا سيناريو متشائم ومتمحور حول عزوف الشباب عن الانتخابات القادمة.

عزوف الشباب عن الانتخابات القادمة: سيناريو متشائم

هناك العديد من العقبات التي تحول دون مشاركة الشباب في الانتخابات القادمة، وبالتالي تُمسي فرصة الانتخابات كممر آمن نحو المصالحة الوطنية ضعيفة، ولا سيما في ظل إعادة إنتاج ذات النخب التي نشطت في سنوات الانقسام.

لعل العديد من الأسباب التي تجعل من الشباب الفلسطيني وقوداً للانتخابات القادمة، دون أن يكونوا فاعلين بالمعنى السياسي والوطني، مثل قانون الانتخابات الفلسطيني الذي لا يتيح الترشح لمن هو دون سن 28 عاماً، إلى جانب تكلسات النظام السياسي ثنائي القطبية، وعدم وجود حاضنة حقيقية للشباب في ظل ضعف الأحزاب، وانخفاض نسبة الشباب الذين ينتمون إليها إلى أقل من 1.5%، والدور الكلاسيكي جداً لفواعل المجتمع المدني، والبنية الاجتماعية والثقافة العشائرية ذات الأعراف الأبوية، وارتفاع نسب البطالة والفقر، وعدم وجود سيادة على كامل التراب الوطني الفلسطيني، والخطاب الثقافي بعد أوسلو والذي تمثل في التناقضات، وإثبات الأنا على حساب نفي الآخر، وقصور الحركات الطلابية في الجامعات.

يتولد مما سبق سيناريو متشائم، إذ أنَّ العزوف الواعيللشباب عن الانتخابات، أو لا مبالاتهم بأهمية تصويتهم وترشحهم فيها، يجعل الكتلة الحرجة فاقدة لحيويتها، وبالتالي يتم إعادة إنتاج ذات المنظومة السياسية الحالية، ويكون الشباب جزءاً منها، وليسوا جزءاً من عملية التغيير، لأن مشاركتهم تمسي وقوداً لبرامج غيرهم، وليست مُحركاً لإشراكهم في الحقل السياسي والوطني من جديد.

يقول الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة “كوفي عنان”، أنه “لا أحد يولد مواطناًصالحاً، ولا أمة تولد ديمقراطية، وإنما المواطنة والديمقراطية هما عمليات متواصلة التطور على امتداد الحياة، ويجب إشمال الشباب منذ ولادتهم، فالمجتمع الذي يقطع نفسه عن الشباب يقطع نفسه عن ما يمده بالحياة، ويكون مكتوباً عليه أن ينزف حتى الموت”. ولربما الشهور القليلة المقبلة ستكون حداً فاصلاً بين مقطعين زمنيين فلسطينيين، أو مأسسة واستدامة حقيقية للانقسام الفلسطيني.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=190033

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار