الشريط الأخباري

تحقيق استقصائي :جيش من المنظمات غير الحكومية الفلسطينية منظمة لكل ألف شخص والمخفي أعظم

مدار نيوز، نشر بـ 2017/06/06 الساعة 9:11 مساءً

مدار نيوز – تحقيق: ليندا الشويكي

تشير الأرقام الرسمية إلى أن فلسطين تمتلك جيشاً من المنظمات غير الحكومية، وتبلغ نسبتها منظمة واحد لكل ألف مواطن؛ لكن الكثير من هذه المنظمات لا تخدم سوى أصحابها…

يكشف هذا التحقيق الكثير من الثغرات وسوء الإدارة والفساد في الكثير من المؤسسات غير الحكومية، مثل تزوير الفواتير، وتوظيف الأقرباء وأفراد العائلة، واستغلال الموظفين والمتطوعين؛ بخلاف القانون…

شهادات عاملين في المؤسسات:

اكتشفت أثناء التحقيق أن هناك علاقات قرابة وعلاقات أسرية بين القائمين على الكثير من المؤسسات، وهو أمر يمنعه قانون الجمعيات، حيث تنص المادة (16) من القانون على “أن يكون لكل جمعية أو هيئة مجلس إدارة يتكون من عدد لا يقل عن سبعة أعضاء، ولا يزيد على ثلاثة عشر عضواً، وتحدد طريقة تشكيله وكيفية اختيار أعضائه وإنهاء عضويتهم في النظام الأساسي للجمعية أو الهيئة، وأنه لا يجوز أن يضم مجلس الإدارة عضوين أو أكثر يجمع بينهما صلة قرابة من الدرجتين الأولى والثانية”؛ إلا أن  كثيراً من الأشخاص المؤسسين للمؤسسة استغلوا هذه القرابة التي تجمعههم كمصدر للرزق و الكسب غير المشروع.

ويحظر قانون الجمعيات على من هم في اللجنة الإدارية إلقاء محاضرات أو عقد لقاءات مقابل أجر مادي، وتقول السيدة أحلام (اسم مستعار) من مدينة الخليل، أن القائمين على المؤسسة التي عملت بها كانوا جميعاً أقرباء من المدير التنفيذي إلى منسق المشاريع والمدربين والميسرين للمشاريع…

وتوضح  أحلام أن أعضاء الهيئة الإدارية في المؤسسة التي عملت بها كانوا يقدمون محاضرات، وتصدر شيكات بأسماء أخرى (لأن الهيئة الإدارية ممنوعة من إعطاء المحاضرات حسب المادة “20” من قانون الجمعيات التي تنص أنه لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الإدارة والعمل في الجمعية أو الهيئة بأجر)، ويتقاضون رواتب شهريه وحصة من كل مشروع.

وأضافت: “كان أعضاء في الهيئة الإدارية يعطون محاضرات ويتقاضون عليها مبالغ مالية مخصصة من دعم المشروع”، علماً أن هذا الأمر مخالف لما ينص عليه القانون في المادة “20” بأنه لا يجوز الجمع بين عضوية مجلس الإدارة والعمل في الجمعية أو الهيئة بأجر”.

وأشارت إلى أن هناك تلاعب بالفواتير عن طريق زيادة المبلغ وذلك  بإحضار فواتير فارغة واستغلال إسم الجمعية بأنها خيرية.

عملت السيدة أحلام لمدة 5 سنوات في مؤسسة معنية بالمرأة وإرشاد وتطوير المجتمع، منذ عام 2010 حتى عام 2015.

و تضيف: “كثيرَ من الشيكات التي كانوا يكتبونها في المؤسسة التي كنت أعمل بها كانت تكتب بإسمي، وكنت أذهب مع مدير الجمعية لصرف الشيك، وبعد ذلك كان يأخد المبلغ مني ويضعه في حساباتهم البنكية”.

ويقول الدكتور عبد الله النجار مسؤول نقابة الأطباء النفسين في مدينة الخليل، وهو من مؤسسي إحدى المؤسسات غير الحكومية التي غادرها لاحقاً: “أهداف المؤسسة بدأت تتغير سريعاً، وانحرفت عن المسار الإنساني الذي كان من المفروض أن تسير عليه، وكل ذلك الأمر جاء بعد أن بدأت المؤسسة تحصل على دعم مالي لمشاريعها”.

ويضيف النجار: “عند ملاحظتي لتغير أهداف المؤسسة وتحولها من أهداف إنسانية إلى تجارية بدأت أنسحب منها شيئا فشيئا”.

قانون المنظمات غير الحكومية رقم 1 لسنة 2000 يعرف المنظمة غير الحكومية حسب المادة الثانية في الفصل الأول فيه: “بأنها هيئة شخصية معنوية مستقلة تنشأ بموجب اتفاق بين عدد لا يقل عن سبعة أشخاص لتحقيق أهداف مشروعة تهم الصالح العام دون استهداف جني الربح المالي بهدف اقتسامه بين الأعضاء أو لتحقيق منفعة شخصية”.

لا يقتصر الفساد في بعض المؤسسات غير الحكومية على تزوير الشيكات وإعطاء أعضاء الهيئات الإدارية محاضرات مدفوعة الأجر، وأن يكونوا أقرباء، بل  أن معدلات الأجور التي يتلقاها العاملون في المؤسسات كانت تحت الحد الأدني للأجور مقارنة مع الدعم الذي تتلقاه تلك المؤسسات.

هذا ما حصل مع أربعة موظفين، من ضمنهم ثلاثة فتيات، عملوا في إحدى مراكز التنمية المستدامة، حيث تفاجأ هؤلاء الموظفين بطردهم التعسفي من المركز دون سبق إنذار مع العلم أن أجورهم لم تتجازوز 150 دولار شهرياُ.

براءة أحمد (اسم مستعار) إحدى العاملات في المركز بدأت عملها في العام  2009 كسيدة تشرف على تدريب الفتيات في عملية تصنيع الشموع ضمن المشروع، وكل هذا ضمن اتفاق شفوي لاحتساب نسبة من الإرباح لها لقاء عملية التدريب والإشراف، ومتابعة هذا القسم؛ إلا أن المركز لم يعطيها أي نسبة من هذه الأرباح.

وتذكر السيدة براءة، أن المركز لم يدفع لها سوى 150 دولار شهرياً، في الوقت الذي كانت تجمع أموالها الخاصة لتوفير مستلزمات عملية التصنيع والتدريب في ظل وضعها الاقتصادي الصعب، حيث تركت عملها في المركز لمدة ثلاثة شهور لتعود بعدها إلى العمل، بعد الضغط عليها من إدارة المركز، التي أوهمتها مرة أخرى بأنها لا زالت على سلم التوظيف، وعقدها ساري المفعول، وأن حصولها على وظيفية بشكل رسمي بات قريباً.

لكنها تركت عملها في عام 2013 بعد سنوات من الوعود، تلقت خلالها مبالغ مالية لم تتعدى 200 دولار في أحسن الأحوال، لتتفاجأ بطردها من المؤسسة، حيث أنها رفعت قضية على المركز ويتم متابعتها قضائياً.

وتضيف براءة : “وفي ظل المطالبة القانونية لحقوقي، قامت إدارة المؤسسة بالاتصال علي بهدف توظيفي بالمركز براتب يفوق 1000 دولار شهرياً، وإعطائي نسبة كبيرة من إرباح قسم الشموع مقابل التنازل عن القضية”.

آيات موسى (اسم مستعار) كانت مسؤولة عن غرفة الخياطة والمطرزات عملت براتب 100 دولار شهري، ولم يتم الإيفاء بكل الشهور بحجة الوضع المالي للمؤسسة، حيث أنها تقدمت لمشروع ضمن المشاريع الممولة بالشراكة مع المركز لمساعدة الأسر الفقيرة، وحصلت على الموافقة ضمن المعايير التي وضعها المانحين وتم التوقيع والموافقة عليه إلا أن المشروع لم يسلم لها، ولم تعرف أين ذهبت موازنته المالية.

وبعد عملية بحثها وسؤالها عن المشروع ومطالبتها بحقوقها المالية تم تسليمها قرار فصلها من المؤسسة في أواخر العام 2015.

السيدة مها والتي كانت شاهدة في المحكمة على طرد هؤلاء الأشخاص، وعملت أيضاً متطوعة في المركز في المجال الإعلامي، توضح أنه خلال عملها كمتطوعة لسنتين كانت تلاحظ أن دوام العاملين في المؤسسة، يبدأ من الساعة الثامنة صباحاً وحتى الخامسة مساءً، إضافةً إلى أن الراتب لم يكن كافياً، وأن الأجور لم تصل للحد الأدني المعروف في فلسطين .

وتقول: “جاء قرار من المؤسسة بطرد هؤلاء الموظفين طرداً تعسفياً، الموظفون لم يسكتوا عن حقهم؛ بل رفعوا قضية على المؤسسة في المحكمة، تم الاكتشاف فيما بعد أن هناك فساد مالي أدى إلى هذا الطرد التعسفي، والمشاريع التي كانت تأتي للمؤسسة لم يتم العمل بها، وتم الاكتشاف فيما بعد أنه لا يوجد أي مشروع من المشاريع التي تأتي لهم قد تم العمل بها ومصاريف المشاريع لا يعرف أين ذهبت “.

وأضافت مها أن المبالغ التي تأتي للمشاريع بقيمة 50 ألف دولار تقريبا والقائمين عليها يكونوا 4 أو 5 أشخاص فقط .

وتشير مها إلى أن القضية التي رفعها الموظفون ما زالت في المحكمة آملين أن يأخذ القانون مجراه وترد لهم مستحقاتهم التي ضاعت هدراً في كل تلك السنين التي عملن بها في المؤسسة.

وَزَعت إستبانة على أشخاص لهم علاقات عمل مع مؤسسات أهلية وغير حكومية لفحص انطباعاتهم عن الفساد في مؤسساتهم، ضمت الإستبانة 25 مفردة، ووزعت على الذكور والإناث بطريقة عشوائية، وكانت نتيجة التالي :

• نسبة الأشخاص الذين أكدوا حصول مؤسساتهم على دعم مالي من ممولين 80%.

• نسبة الأشخاص الذين لم يحصلوا على أجور مواصلاتهم كمتطوعين مع وجود دعم للمشروع 64%.

• نسبة الأشخاص الذين تعرضوا لخداع ما، ولم يحصلوا على مستحقاتهم كاملة 52.6%.

• نسبة الأشخاص الذين أكدوا وجود تلاعب بالأموال 52.6%.

• نسبة الأشخاص الذين قالوا أن حجم الأجور في هذه المؤسسات ليست مناسبة لحجم الدعم الوارد من الممولين 76.2%.

• نسبة الأشخاص الذين لم يتقاضوا الأجر المناسب لطبيعة عملهم 90.5%.

الرقابة على هذه المؤسسات

أثناء بحثي عن الأسباب التي تدفع هذه المؤسسات للتصرف على هذه النحو، تبين أن غياب الرقابة هو العامل الأول.

يقول السيد عبد الرحيم أبو حديد  الذي عمل في مجموعة من المنظمات والمؤسسات لمدة 11 سنة، وكانت بدايات عمله الأولى كمتطوع وعمل بعدها مشرف ومدرب للمشاريع : ” لا توجد رقابة كافية على هذه المؤسسات، وأن هناك فقط رقابة تلقائية من خلال تقرير يتم تقديمه إلى الجهات المسؤولة، ولا يعد هذا كافيا”.

وأشار إلى أنه يجب أن تخضع كل مؤسسة إلى مدققين ومحاسبين ماليين يتابعون صرف الأموال المدعومة، وأن يكون المدقق داخلي وخارجي, لكن هذه المؤسسات وجدت طرق لحل مشكلة المدقيين فعلاقاتهم تكون جيدة مع كلا الطرفين سواء أكان المدقق داخلي أو خارجي.

وهذا الأمر أكدته أيضاً السيدة أحلام التي قالت أن موظفة المحاسبة كانت تعمل في مؤسسة أخرى، وكانت تسوي حسابات هذه المؤسسة سراً كي لا يكشف أمر عملها مع مؤسستين في آن واحد.

وأضافت: “موظفة المحاسبة كانت تلبي كل طلبات القائمين على المؤسسة وتغطي على تزويرهم للأوراق الرسمية والفواتير والشيكات المكتوبة بأضعاف ماتستحق، وبعد انتهائها من حساباتها في الجمعية كان مدير الجمعية يأخدها إلى مدقق حسابات فتكون الأوراق كلها صحيحة، ويوقع عليها المددق ويثبتها بالختم، حتى يعرضوها على الداخلية والشوؤن الاجتماعية”.

ويوضح الدكتور سمير أبو زنيد رئيس ديوان الرقابة المالية والادارية السابق أن هناك بالفعل قصور في الرقابة نفسها وفي المؤسسات نفسها، وأكد أهمية أن يكون هناك مدقق داخلي ومدقق خارجي للمؤسسة تابعين لرقابة معينة يراقبون كافة الأوراق والثبوتات المالية باستمرار, وهذا الأمرر غير مطبق فعلياً في المؤسسات.

وأشار أيضاً أنه من ضمن اختصاصات ديوان الرقابة أن يتابع الأداء في كثير من المؤسسات، وخصوصا الـNGO’s، وأن هذه المؤسسات تخضع لقوانين وأنظمة السلطة، والسبب الرئيسي في فسادها أن التمويل يأتي مباشرة لها دون المرور من خلال السلطة؛ وبالتالي السلطة ليس لها دور في الرقابة على هذه الأموال الداخلة، والشيء الثاني أن هذه الأموال التي تصرف بنسبة 68 % تذهب إلى الأشخاص العاملين فيها”.

وأضاف: “تم كشف العديد من الحالاث أثناء فترة رئاسته للرقابة, وأن هناك مؤسسات للأسف كانوا يستغلون أسماء الأشخاص العاملين معهم لصرف الشيكات بأسمائهم فيتفاجأ هذا الشخص أن هناك شيك صرف بإسمه, بالإضافة إلى عدم وجود نزاهة في العمل ووجود تلاعب في صرف الأموال والعطاءات, حتى المؤسسات الرسمية يتم التعاقد معها، فتذهب هذه المؤسسات لعمل نشاطات واتفاقيات تعاون معهم  ليغطوا على الفساد الموجود لديهم” .

وأقيل أبو زنيد من رئاسة ديوان الرقابة عام 2014، بعد احتجاجه على آليات عمل الجهات الحكومية.

توجهت إلى ديوان الرقابة المالية في رام الله لمقابلة الوزير إياد تيم؛ إلا أنه لم يتم استقبالي بعد ساعات من الانتظار أمام مكتب الوزير بعد معرفتهم بالموضوع القادمة لأجله وإعطائهم العديد من الحجج والتبريرات لعدم مقابلتي.

أما بالنسبة لهيئة مكافحة الفساد, والتي أنشئت بموجب القرار بقانون رقم (7) لسنة 2010 بشأن تعديل قانون الكسب غير المشروع رقم (1) لسنة 2005 كهيئة مستقلة إدارياً ومالياً، منحت من الاختصاصات والصلاحيات ما يمكنها من القيام بمهامها في مكافحة الفساد، حيث أن هذه الهيئة تتلقي التقارير والبلاغات والشكاوى بخصوص جرائم الفساد المقدمة لها ودراستها ومتابعتها، وملاحقة كل من يخالف احكام القانون، لذلك توجهت لها .

يشير الأستاذ المحامي مازن اللحام والذي يعمل في قسم الاستشارات القانونية في الهيئة, أنه تم ضبط حالات فساد وتزوير في هذه المؤسسات بناءً على شكاوى سواءً على جمعيات خيرية أو على منظمات أهلية، وقال ليس شرطاً أن كل بلاغ يصل إلى هذه الهيئة أو المنظمات يكون صحيحاً، فقد يكون هناك فساد لكن يكون فساد إداري أكثر من أنه مالي، وهذا الفساد الإدراي يولد فساد مالي، وقد يكون هناك خلل في عدم مراعاة الأنظمة الناظمة لعمل الجمعيات وفق قانون الجمعيات.

ويبين تقرير الهيئة لعام 2015  بشأن الجمعيات الخيرية والهيئات الأهلية النتائج التالية:

عدد البلاغات والشكاوى التي وجهت للهيئة بخصوص الجمعيات الخيرية والهيئات المحلية بلغ 16 شكوى أي بمعدل 3% .
أحالت الهيئة خلال العام 2015 ما مجموعه 48 ملف إلى النيابة العامة المنتدبة كان من ضمنها 3 ملفات لجمعيات خيرية و هيئات محلية.
لكن هناك منظمات غير حكومية فلسطينية تتمتع بمهنية لافتة

ويقول الدكتور عزمي الشعيبي مدير مؤسسة الأئتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” أن المؤسسة التي يديرها اعتمدت من قبل منظمة الشفافية العالمية لتوفر المعايير المهنية العالية في عملها، وأضاف: “هناك شروط دقيقة وقاسية، وعملية تقييم كل ثلاث سنوات من قبل المنظمة، وهذا التقيم شديد جداً فيما يخص الشفافية والنزاهة”.

ويوضح الشعيبي أن منظمة الشفافية العالمية تراقب مدى إلتزام “أمان” بشروط الاعتماد والعضوية.

ويشير إلى أن “أمان” تنشر الموزانات وقرارات مجلس الإدراة والعطاءات، ورواتب العاملين، مؤكداً أن الرقابة الداخلية ثابتة ودائمة في المؤسسة.

ويرجح الشعيبي أن سبب الفساد في المؤسسات الأهلية هو “ضعف هيئاتها العامة في الرقابة على المدراء التنفيذيين، إضافة إلى ضعف إمكانيات الوزارات المختصة، والتي تكون رقابتها شكلية وغير فعالة”.

منظمة لكل ألف مواطن:

تشير إحصاءات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني إلى أن عدد المنظمات غير الحكومية يبلغ 3800 مؤسسة، بمعدل منظمة لكل 1000 مواطن فلسطيني، وهناك 66 جمعية لوحدها في مدينة الخليل منضمة إلى اتحاد الجمعيات .

ولا يزيد عدد موظفي الرقابة عن عشرة موظفين لكل 5500 مؤسسة.

 

 

 

رابط قصير:
https://madar.news/?p=43793

تعليقات

آخر الأخبار