الشريط الأخباري

حفيد الامام الكاظم: مظفر النواب \\ عماد الاصفر

مدار نيوز، نشر بـ 2022/05/21 الساعة 11:18 صباحًا

مدار نيوز \

مات موسى الكاظم، مسموما في عصر الرشيد، فهاجر اولاده ومن لاذ بهم الى الهند البعيد وأصبحوا حكاماً ونوابا لولايتي كشمير والبنجاب، وحازوا من يومها لقب النواب.
قاوموا المستعمر البريطاني فقرر نفيهم، وبين شتى البلدان خيرهم، فاختاروا البحث عن امجاد عفى عليها الزمان في بغداد، اليها نقلوا المقتنيات من ثروات وتحف ومجوهرات، وفيها تناسلوا جيلا بعد جيل فأطل على الدنيا الطفل مظفر عبد المجيد، كان ذاك عام اربعة وثلاثين من القرن العشرين، عامُ توحِد الشيوعيين في لجنة لمكافحة المستعمرين والمستثمرين، لجنة اصبحت فيما بعد الحزب الشيوعي للعراقيين، واليه انتسب الفتى مظفر بعد حين.
في بيت مولع بالرسم والموسيقى جاء كلام الفتى ملحنا على السليقة، وكانت عباراته لوحات تحاكي كل ما في الطبيعة. أفلس الاب بعد ثراء، واصبح الفتى شاعرا ينحاز للفقراء، وذات انقلاب عسكري للقوميين فقد وظيفة التدريس واصبح مطاردا للبوليس، الى موسكو دون جواز قرر السفر وفي الاحواز ادركه الخطر.
في معتقله سمع سجينا يقرأ اشعاره، لم يصبه الزهو، لكن حقيقة الحرية تعرت امامه، ومع رفاق الدرب في سجن الحلة حفر النفق، ومن هناك الى دمشق انطلق، ولسان حاله:
كنهر يهرب من وسخ البالوعات حزينا
احمل من وسخ الدنيا
ان النهر يظل لمجراه امينا
سيذكره البعض كافضل من يصنع مجدافين ولا يملك قارب، او كاسفنجة تمتص البارات ولا تسكر، او كبدوي يمعن في الهجرات ولا يتزود بقطرة ماء، او كاناء تحت شجيرات برية تفيح بدفء مراهقة بدوية، يكتظ حليب اللوز بنهديها، او كخط كوفي يتم صلاة الفجر ، او كعلي يتوضأ بالسيف، سيذكره البعض كلاعن كبير لانصاف اللوطيين ولاولاد القحبة وسوق التجار ، ولاصحاب الشحن السلبية والاحزاب فارغة البطارية، ومن قتلته الردة لانه حمل في الداخل ضده.
انا ساذكره فيمن حنى الدهر ظهرها فزاد عزمها وزارت في السجن وليدها لتنهاه عن البراءة من الحزب:
يا ابني خذني لعرض صدرك
واحسب الشيب اللي من عمرك جنيته
أبيض عيونك لبن صدري
وسواد عيونك الليل اللي عد مهدك بجيته
يا بني الكلب يرضع من حليبي
ولا ابن يشمر لي خبزه من البراءة
يستطيع العراقيون صناعة القصيدة الجميلة من اي مخلفات كلامية ملقاة على قارعة الطريق، ويستطيعون تلحين اي نص حتى لو كان كتاب جغرافيا، ولكن بستان ادبهم العامي اصبح غابة ساحرة بعد النواب. ترك البستان وركض في الغابة باحثا عن القمر بين الغيمات:
“آنه يعجبني أدوّر عالكَمر بالغيم.. ما أحب الكَمر كلّش كَمر”
كانت عاميته اقوى من فصحاه، كيف لا وقد انسابت بكل محبة واتساق كما الطين والماء، واستقرت مختمرة لتشكل الاهوار، كيف لا، وقد اصطلت بجوع الفقراء وتعب الفلاحين وتنهدات العشاق واشواق المنفيين وعذابات المناضلين في السجون، كانت حزينة ولكن لا تخلو نهاياتها من امل مفرح:
“ايام المزبن كضن ، تكضن يأيام اللف”
ورغم رحيله عن العراق وكون شعره ممنوعا وراسه مطلوبا للانظمة البعثية المتعاقبة ظل شعره وخاصة العامي حاضرا على السنة المغنين امثال فؤاد سالم وياس خضر ورياض احمد وغيرهم وكذلك ظلت طبعة ديوانه الاول “الريل وحمد” الاكثر طلبا حتى غلبت كتابات علي الوردي.
كان على مقاعد الدرجة الثالثة في القطار “الريل” المتجه الى البصرة مقابل فتاة ريفية سالت دموعها بغزارة حين مرت بمضارب حبيبها حمد وقريتها ام شامات وظل بعدها لعامين ينام واضعاً القلم والورقة تحت الوسادة ناهضاً ليلاً لتدوين بعض المقاطع في الظلمة.
مرينا بيكم حمد واحنا بقطار الليل
واسمعنا دق قهوة وشمينا ريحة هيل
يا ريل صيح بقهر صيحة عشق يا ريل
يا ريل جيم حزن اهل الهوى مجيميين
هودر هواهم ولك …. حدر السنابل كطة
“شيئ ما في داخلي كان يوقظني من نومي ، شيئ يريد مني ان انحته من الحلم والوجدان، شيء ما يريد ان يولد ويظهر للعالم الخارجي”.
يروي د. حسين سرمك حسن انه كان في جبهة الفاو التي ابتلعت 55 الف شهيد وكان احد نواب الضباط شابا عاشقا يحتفظ باوراق متفرقة تشكل في مجموعها صفحات هذا الديوان، كان ترتيب الصفحات مغلوطا.. ولوحات ” ضياء العزاوي ” غير ذات صلة بالسياق الإخراجي.. رتبت الديوان بطريقة معقولة وكبسته الى غلاف سميك تحسبا من الامن السياسي وسلمته للنائب ضابط العاشق للنواب وشعره، لكن هذا المحب الوله، وبحكم قانون المصادفة المهيب الأخرق، استشهد وأخليت جثته إلى وحدة الميدان الطبية التي كنت أعمل فيها، كطبيب. لم يكن ممكنا التعرف إلى وجه الشهيد، فقد كان مهشما تماما ، عرفته فقط من خلال ديوان ” للريل وحمد ” بغلافه الكرتوني البدائي الذي كبسته ونظمته بيدي ، وكان يضعه في عبّه تحت بدلة القتال قبل أن يُستشهد وهو يحتضن ديوان مظفر النواب، في الرحيل الأبدي..
دلوني على رواية او ديوان تستحق ان يحتفي المرء بها هذه الايام

رابط قصير:
https://madar.news/?p=241542

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار