الشريط الأخباري

“دمشق الصغرى” : نابلس ملكة فلسطين غير المتوجه…وعد أبو عصيدة

مدار نيوز، نشر بـ 2017/03/04 الساعة 1:38 مساءً

مدار نيوز – كتبت وعد ابو عصيدة : بروح الشباب وضحكات الأطفال وهمة الرجال , يبدأ الحاج الثمانيني وليد حلاوة ( أبو حسن ) يومه بنشاط غير معهود على من هو في مثل سنه , وفي كل صباح تسابق دراجة ( البسكليت ) الثمانيني وليد حلاوة الشمس في الوصول لأزقة وحارات البلدة القديمة في قلب دمشق الصغرى ” نابلس ” , ليلقي تحية الصباح على حاراتها حارة تلو الحارة , وزقاق تلو الزقاق , يتغنى بياسمينها مخاطباً حجارتها العتيقه التي تروي له حكايات ماضٍ لا زال بصمة عز وفخرعلى جبين كل من حظي بالعيش داخل تلك الأسوار, لتبقى البلدة القديمة بحجارتها الصلبة تاريخ ضارب في الأصالة , وحاضر زاخر بالبطولة , ومستقبل يتجدد يومياً بروح ساكنيها وعطر ياسمينها .

في صباح يوم الإثنين , الرابع عشر من شهر نوفمبر/ تشرين ثاني الجاري , كانت زيارتي الأولى للبلدة القديمة في نابلس , لم تخطئ قدماي أبداً في الوصول إلى حارة الياسمين , تلك الحارة العريقه بكل مافيها , وقرب منزل الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان وجدت نفسي أقف حائرة متناقضة المشاعر أمام غرفة صغيرة لا تتجاوز بضع مترات فقط , لها سقف عالٍ مقوس مزين بحبال من الورود وبعضاً من الفاكهه الملونة وجدران مغطاه بصور الأبيض والأسود , كل منها تروي تاريخاً يشدوا بعبق الزمان .

شدني للمكان أكثر صوت أم كلثوم تردد أجمل الكلمات ” الحب كله حبيته فيك ” فدخلت المكان لأجد الحاج وليد حلاوة يتناول فطوره المكون من الزيت والزيتون والزعتر وحبة واحدة من البندورة إلى جوار الخبز البلدي .

بإبتسامته العريضه وروحه المرحة ووجهه البشوش , هكذا استقبلني الحاج وليد حلاوة , حيث مكان عمله المتواضع .

الحاج وليد حلاوة ( 84 ) عاماً , من سكان مدينة نابلس , أقدم الحلاقين في المدينه , مواظب على مهنته بشغف لأكثر من 65 عاماً , له من الأولاد والبنات ثمانية , وله من الأحفاد ما له . اشتهر بين الناس بخفة دمه وصدقه وحبه الشديد لكل ركن وزاوية في البلدة القديمة , لاسيما لحارة الياسمين حيث سكن سابقاً ومكان عمله لأكثر من 60 عاماً . يعد الحاج حلاوة من أكبر وأقدم الأشخاص اللذين عاهدوا كل حدث داخل أسوار البلدة القديمة , ليبقى راوياً وشاهداً على الماضي والحاضر . بذاكرته القوية , بدأ الثمانيني حلاوة حديثه عن سكان البلدة وتاريخها العريق المتوارث جيلاً بعد جيل .

على كرسي خشبي تجاوز عمره النصف قرن جلست مصغيةً لحديثٍ أكثر ما شدني إليه هو لهفة الحاج حلاوة وبريق عيناه حين بدأ بالتحدث عن حارات البلدة القديمة وعلى رأسها حارة الياسمين التي كان يسكن ويعمل بها حيث صالون الحلاقة الخاص به , قبل أن يضطر آسفاً للخروج منها قاصداً للسكن المباني الجديدة التي لا تشبهه أبداً في أطراف مدينة نابلس تحديداً في منطقة المخفيه ” أنا يا بنتي , كنت عايش بغرفة وحده في هالحارة باكل وبشرب وبقعد وبنام وبتحمم فيها وكنت أحس حالي ملك وسلطان زماني , بس هالحياة يا بنتي أجبرتنا نترك هالغرفة لنطلع ونعيش في بيت كبير , بس صدقيني يا بنتي مع كبر هالبيت إلا إني بحسو علي صغير , وشو مشتاق أرجع لحارتي العتيقة ولجيرانها وناسها الطيبين”

هكذا عبر الحاج حلاوة عن اشتياقه لبيته القديم وذكرياته التي لا تغيب عن مخيلته أبداً , ليبقى صالون الحلاقه الذي يمتلكه هو المكان الوحيد الذي يربط روحه بذاك المكان ” هاد الصالون يلي واقفه فيه جزء مني , بشبهني كتير , وكل جزء فيه بحكي عني وعن حارتي وبلدي ” بلهفة المشتاق تابع ” ولايمكن أفرط فيه لوقت أموت ” وسكت .

الزائر للبلدة القديمة في نابلس يستشعر طيب روح ساكنيها ودفئ حجارتها بمجرد السير داخل أسواقها وأزقتها , لتشعر أن نبض قلبك يحملك إلى القدس العتيقة , فأسواق المدينة تشبه إلى حدٍ كبير أسواق مدينة القدس . وما أن تنظر لأحدهم صدفة حتى تراه يبتسم لك , وإذا ما اقتربت منه حتى يبدأ بنطق أجمل الكلمات النابلسية التي تجعلك تحب المكان أكثر ” هون بالبلد الكل بحب الكل , وأهل البلد بحبوا الضيف والزوار , وحجارة هالمكان علمتنا كيف نخاف على بعض لنبني هالبلد ” هذه هي الجملة الأخيرة التي قالها لي الحاج حلاوة قبل أن أودعه وأعده بزيارة ثانية ليحدثنا أكثر عن تاريخ نابلس القديمة.

زيارتي الثانية , اشتباك مسلح وطرد للزائرين

صباح يوم الأربعاء , السادس عشر من شهر نوفمبر / تشرين ثاني الجاري , لم تكن زيارتي الثانية للبلدة القديمة في نابلس تتقاطع مع الزيارة الأولى أو تشبهها في شيئ , فبمجرد أن وصلت لأحد مداخل البلدة القديمة حتى لاحظت تغيراً جذرياً في لمكان , امرأة تبلغ من العمر ( 39 ) عاماً تقتل , إصابات هنا وهناك , أبواب مغلقه وشوارع تخلوا من الماّره , وجماعات من الشباب يأمرون الناس بالمغادرة فوراً من أسواق البلدة , أحدهم يصرخ في وجه صاحب أحد المحلات التجارية الذي فتح أبوابه لطلب الرزق وكسب لقمة العيش ” إنت ابن هالبلد وغصب عنك بدك تسكر محلك , اليوم إضراب ” .

بصعوبة كبيرة وبعد محاولات متعددة للدخول للبلدة من أكثر من مدخل نجحت أخيراً في الوصول إلى حارة الياسمين مجدداً , لكنها لم تكن كما زرتها في المرة الأولى , فبائع الخس الذي كان يجلس على بابها قد رحل تاركاً مكانه الحجارة والرصاص الملقى على الأرض , وأبواب المحلات فيها مغلقه أو متواربه بعض الشيئ .

دخلت لصالون الحاج وليد حلاوة مرة أخرى ولكن الوضع هذه المرة مختلف , صمت لعين يعمُّ المكان , وإذا ما سمعت صوتاً كان صوت الرصاص أو الصراخ الوافد من ذاك الزقاق الضيق المظلم , حيث وقع الإشتباك المسلح بين رجال الأمن والمسلحين , أو كما يفضل البعض تسميتهم بـ ” الخارجين عن القانون ” , ومهما تعددت المسميات يبقى الواقع واقعاً والحزن أكبر من أن نلقي باللوم والعتب على أحدهم لنخرج أنفسنا من دائرة الشك والمسؤوليه .

ألقيت التحية وجلست على ذات الكرسي الخشبي من جديد , سألت الحاج حلاوة عن وضع البلد , فما كان منه إلا أن أسكتني مستهجناً والحزن يعتصر قلبه ويطفئ بريق عيناه قائلاً ” البلد ؟! أي بلد يا بنتي ؟! ما إنت شايفه وسامعه , خلص اقرأي الفاتحه على روح البلد , مات البلد ”

نابلس التاريخية , وشواهدها العمرانية

بين أحضان جبلي عيبال وجرزيم تقع مدينة نابلس , الشواهد العمرانية في البلدة القديمة وحسب أقدم السجلات الموجودة حالياً فهي تعود للفترة الفاطمية ثم الأيوبيه والمملوكية لتأتي بعدها الفترة العثمانية قبل مجيئ الإنتداب البريطاني ليحل مكانه الإحتلال الإسرائيلي لتتبع بعدها نابلس شأنها شأن سائر مدن الضفة الغربيه للإدارة الأردنية وصولاً للسلطة الفلسطينية .

البناء القديم في البلدة القديمة ورغم بساطة المكونات التي كان يتألف منها إلا أنه ومع مرور الوقت أثبت صموده وقوته رغم كل ما تعاقب على المدينة خصوصاً بعد الزلزالين المتعاقبين اللذين شهدتهما المدينة , الأول في عام 1837م والذي أسفر عن تدمير نطاق واسع من نابلس القديمة , ليكون الزلزال الثاني عام 1927 م والذي خلف دماراً أوسع أطاح بالعديد من المباني لتثبت الكثير من الشواهد العمرانية الأخرى صمودها وتحديها لكل العقبات التي توالت على المدينة .وهو ما أكده لنا رئيس قسم التاريخ سابقاً في جامعة النجاح الوطنية الدكتور أمين أبو بكر ” المواد التي كانت تبنى منها البيوت القديمة في نابلس هي مواد صلبة معمرة رغم بساطتها , الطين والحجارة والرماد هي العناصر الأساسية في البناء” . وتابع ” الطين هو ابن البيئة , ابن هذه الأرض الصلبة القوية , وهو ما أكدت عليه المابني الأثرية في هذه لبلدة المنيعه “.فالبيوت السكنية في نابلس القديمة ثلاثة أنواع حسب ما أوضحه لنا مدير اللجنه الأهلية في مدينة نابلس المهندس نصير عرفات ” النوع الأول من البيوت عرفت بالقصور النابلسية أو البيوت القلاعية وهي خاصة للحكام المحليين من إقطاعين وأصحاب السلطة والنفوذ , أما النوع الثاني هي بيوت غنية وأثرية جداً بطرازها المعماري عرفت باسم بيوت الأشراف وكبار التجار , والنوع الثالث من البيوت هي البيوت السكنية العادية لعامة الشعب وعددها ما يقارب 1350 بيتاً “.

يوجد في قلب نابلس القديمة 91 معلماً تراثياً يعود أصولها جميعها لعهد الدولة العثمانية , عدا مأذنة جامع الخضره التي تعود للفترة المملوكية , والجامع الكبير الذي يعود للفترة الرومانية , فيما عدا ذلك فكل ما يشاهد في البلدة القديمة من آثار فوق الأرض يعود للفترة العثمانية .

يوجد في البلدة القديمة أربعة قصور تعود ملكيتها لثلاث عائلات عريقه ومعروفه آنذاك وهي آل طوقان , آل عبد الهادي وآل نمر المعروفين بعهدهم بأنهم أصحاب السلطة والنفوذ وهو ما مكنهم من أن يكونوا أصحاب الثروات .

ولا تكمن أهمية نابلس القديمة فقط في قوتها الإقتصادية إنما تتعدى ذلك لموقعها الإستراتيجي فـ وادي نابلس كان الممر الرئيس لقوافل التجار الواصلة بين الشرق والغرب , وهو أيضاً ما مكن نابلس من أن تكون صاحبة السلطة في التحكم بالتجارة الخارجية في فلسطين وما بين البلدان المحيطه , وهو ما أشار إليه المهندس عرفات في حديثه ” عند الحديث عن قوة مال واقتصاد فهذا يرتبط بتمكين سياسي لبعض من أفراد عائلات نابلس واحتفظوا بهذا الدور , فالحديث عن قوة سياسية مجتمعه بإعتقادي أن مركزها كان في نابلس لفلسطين عبر التاريخ ” .

يوجد في نابلس القديمة خانين وهما خان هندية وخان التجار , وكذلك يوجد أربعة وكالات وهي الوكالة الفروخية والوكالة الغربيه أو كما يطلق عليها وكالة اليسر عرفات ووكالة الزبيب والوكالة الرابعه لم نتمكن من معرفة اسمها .

أما الأسواق في المدينة فهي كثيرة أيضاً وأغراضها متنوعه , فهناك سوق الحدادين الذي كان يسمى بسوق النحاسين سابقاً حين كان النحاس هو المادة الأساسيه للتصنيع , وسوق النجارين الذي يسمى حالياً بـ باب الساحة وتباع فيه البضاعه العتيقه , وسوق المنجدين وسوق الخضار وسوق البصل في المنطقة الغربية من البلدة , كذلك سوق الخان وهو السوق الخاص بالقماش .

بالإضافة لوجود العديد من الحمامات القديمة كحمام الشفاء الذي يعود للفترة العثمانية وحمام السمرة وغيرها من الحمامات التي لايزال يقصدها الكثيرين في العديد من المناسبات وعلى رأسها مناسبات الزفاف من داخل وخارج المدينة .

وإذا ما سألت عزيزي القارئ عن حارات البلدة القديمة والأحياء فيها , فهي عبارة عن أزقه متفرعه من الشوارع الرئيسية ومنها الأسواق الأزقة المتشابكة مع بعضها البعض , الحارة تتكون من عدد من الأزقة والأحواش , منها الواسع والضيق ومنها المسقوف وغير المسقوف , ومنها ما انحصرت داخل البلدة القديمة ومنها ما امتدت خارج أسوراها , ومن أهم حاراتها : حارة المسك , حارة العقبة , حارة القريون , حارة الغرب , وحارة الياسمين التي يرجح البعض سبب تسميتها بهذا الاسم لسببين ؛ الأول هو وجود نبتة الياسمين فيها بكثره والثاني هواحتمال أن الشخص الذي كان يمتلك أغلب مبانيها كان يسمى الياسمينه . بالإضافه للعديد من الحارت الأخرى .

 

” نابلس الهرمة , في رجالها العظمة , مهلكة الظلمة , ماؤها لا يغور , ونساؤها لا تبور “

هكذا وصفت البلدة القديمة في نابلس من أحد المارة في إحدى أزقتها , ليختصر الحكاية كلها , حكاية الماضي والحاضر , حكاية تاريخ أوجزه في سطر واحد .

طبيعة المباني في البلدة القديمة فرضت على ساكنيها كيفية التعامل مع بعضهم البعض , كذلك طبيعة العلاقات الإجتماعية بينهم شكلت لهم نمط المباني والعمران الذي انتهج كأسلوباً من العصور القديمة .

وأهم ما يميز العلاقات الإجتماعية بين السكان في تلك الحقبة من الزمن هي الإستجابة لمتطلبات التقاليد المحلية خاصة في موضوع الخصوصية . حيث اشتهرت العائلات الفلسطينية عبر التاريخ بمفهوم العائلة الممتددة والتي انعكست على نمط البناء في ذلك الوقت في نابلس القديمة .

عدد سكان البلدة القديمة حالياً وحسب الدراسات الحديثه حوالي 8500 نسمة , أما سابقاً فكان العدد أكبر من ذلك , فحالياً يوجد في البلدة القديمة حوال 150 منزلاً مهجوراً من أهله , وبالعودة إلى أسباب هجران البيوت من قبل أهلها يجيبنا المهندس عرفات ” 56 عائلة فقدت بيوتها بالكامل على إثر زلزال 1927 م ولصعوبة إمكانية إعادة البناء في البلدة من جديد ؛ لجأوا أهلها لما كان يسمى بـ خلة المنكوبين والمعروفة حالياً بـ خلة العامود , ومع تطور الحياة وسهولة فتح الشوارع في المرتفعات الجبلية والكثافة السكانية اضطر الناس للعيش خارج أسوار البلدة “.

وأضاف ” لا ننسى في فترة الإنتفاضتين الأولى والثانية الدور البارز والتصدي البطولي لأهل البلدة القديمة مما جعلها محط استهداف مباشر من قبل الإحتلال وهذا أيضاً كان سبباً رئسياً لهروب الناس من البلدة تاركين ورائهم بيوتهم عائدين لها يوماً ما “.

امتهن سكان البلدة القديمة في نابلس قديماً وحديثاً صناعة الصابون وصناعة الحلويات وعلى رأسها الكنافه النابلسية , بالإضافه لعملهم في التجارة وصناعة المنسوجات القطنية التي كانت تصدر لغالبية مدن فلسطين ولدول الخارج أيضاً .

يمتاز سكان البلدة القديمة في نابلس بـ ” التسامح الديني ” الذي يؤلف بينهم , فنابلس تحتضن داخلها المسلم والمسيحي والسامري في وقت واحد , لنجد نافذة المسجد تطل على ساحة الكنسية , جنباً إلى جنب دون أن يسجل التاريخ أي صراعات طائفية بين المذاهب الثلاث , وهو ما أكده د.أمين أبو بكر ” التاريخ يشهد على العديد من الصدامات الطائفية الحاصلة في بلاد الشام لبنان وسوريا تحديداً بين التكوينات الدينية الثلاث المسلم والمسيحي واليهودي , فلسطين فقط وتحديداً نابلس كون الطائفة السامرية فيها , لم يسجل لها التاريخ أي نوع من هذه الصدامات “.

بعيداً عن الحياة السياسية والإقتصادية للبلدة القديمة , نجد أن أهلها يتمتعون بعادات نابلسيه جميلة ينفردون بها وتميزهم عمن سواهم , ومن أهمها وأجملها ” الشعبونية ” وهي واحدة من أهم التقاليد النابلسية الأصل حيث يقوم كبير العائلة في شهر شعبان بدعوة أفراد العائلة جميعهم كبيراً وصغيراً رجلاً وامرأه على وليمة غداء أو ما شابه , تمكنهم من التجمع مع بعضهم البعض قبل شهر رمضان وما يرافق هذه الجمعات من طقوس خاصه تنحصر بأهل نابلس .

إضافة لإقامة الإحتفالات الدينية المرتبطة بالمولد النبوي الشريف أو احتفالات رأس السنة الهجرية والأعياد الإسلامية وما يرافقها من عادات جميلة كتزيين الشوارع والأزقة وإضائتها , عدا عن الأكلات والحلوى التي تصنع خصيصاً لمثل هذا النوع من الإحتفالات , وعلى رأس هذه الإحتفالات مشايخ الطريقة الصوفية الموجوده في نابلس وكان آخرهم الشيخ نضمي عوكل .

“شتوة العفنات , وكل من على دينو الله يعينو “

عرف في مدينة نابلس على مدار حقب مختلفه ما يسمى بـ ” شتوت العفنات ” أو ” شتوت السمرة ” كما يسميها البعض , وهي المطرة الأولى غالباً والتي تكون في شهر أيلول تحديداً من كل عام , وحسب الإعتقاد الذي كان سائداً ذاك الوقت هذه الشتوه هي التي تذكر المرأه بضرورة تجهيز منزلها لإستقبال فصل الشتاء من طلاء الجدران وتطينها وتحضير المونة من مأكل ومشرب , وهذه من الصفات التي تمتاز بها المرأه الحريصة على بيتها .

كذلك درج بين الناس في نابلس القديمة المثل القائل ” كل من على دينو , الله يعينو ” حيث كان هذا المثل يقال حين كان يتم النقاش بين مجموعة من الأشخاص مختلفوا الديانة لينتهي بهم الحديث بكل حب واحترام وتسامح ديني , ليفضوا مجلسهم بطريقة فكاهية مرددين هذا القول .

” ملكة فلسطين غير المتوجه “

أطلق على نابلس القديمة عبر حقب مختلفه العديد من الأسماء والألقاب التي لازالت تستخدم حتى وقتنا الحالي , وكان من أشهرها :
“جبل النار ” : تعود أصول هذا الاسم إلى فترة حكم نابليون بونابرات عندما جاء لإحتلال نابلس القديمة واختبئ جنوده في جبالها , ليقدم الثوار على حرق الأشجار كلها وبالتالي تقهقرت القوات الفرنسية في جبال نابلس المشتعله , ومن هنا كانت أصل التسمية .

” دمشق الصغرى ” : أطلق هذا اللقب أحد الرحالة المقدسيين في القرن الثالث عشر نتيجة تشابه أسواق وأزقة نابلس بدمشق , ولكن حجم منازل نابلس القديمة كان أصغر إلا أنه وكما أشار ذاك الرحالة في كتب التاريخ كانت بيوت نابلس القديمة أجمل وشوارعها أنظف من بيوت وشوارع دمشق .

” ملكة فلسطين غير المتوجه ” : توجت نابلس القديمة بهذا اللقلب كونها كانت عاصمة الإقتصاد الفلسطيني , وهي غير متوجه بأن تكون العاصمة كون أن القدس هي التاج الحقيقي لفلسطين التاريخيه .

” عش العلماء ” : في رواية هذا اللقب , نابلس أخرجت الكثير من علماء الدين فكان مفتي ” الأستانه ” وهي اسطنبول حالياً وهو منصب المفتي للدولة العثمانية من آل هاشم إحدى عائلات نابلس , فكانت الأمور المستعصية عليه والتي لم يجد لها فتوى للسلطان العثماني يرسلها للشيخ منيب هاشم في نابلس .
كذلك الكثير من الكتاب وعلما الدين وعلماء الأزهر الذين درسوا في نابلس القديمة في أربعة مدارس تدرس أربعة مذاهب مختلفه من مذاهب الدين الإسلامي .

 

” تراجع وإهمال واضح في أعمال الترميم في البلدة القديمة في نابلس “

استنكر المهندس عرفات التراجع الواضح من بلدية نابلس في الإهتمام بأعمال الترميم في البلدة القديمة قائلاً ” أسجل احتجاجي على سوء وعدم اهتمام وزارة السياحة والآثار في نابلس , فمنذ أن أنشأت وزارة السياحة والآثار في فلسطين لم تنجز أي مشروع ترميم لأي موقع أثري سوى ما تم إنجازه في شكيم الكنعانية , وفيما عدا ذلك لا شيئ منهم سوى رسوم , وادفع !! وعند الحفر ووجود الآثار يمنع الإنشاء والبناء , ولا يكون على أرض الواقع عمل فعلي للوزارة ”

وأضاف ” بلدية نابلس وعلى تعاقب رؤسائها ومجالسها كانت البلدة القديمة محل اهتمام خاصة في فترة المرحوم حافظ طوقان ومن تبعه أي غسان الشكعه وعدلي يعيش , أما الفترة الحالية فهناك تراجع واضح في الإهتمام في أعمال الترميم في البلدة القديمة “.

وأشاد عرفات بإهتمام أهالي البلدة  القديمة أنفسهم بأعمال الترميم على قدر إمكانياتهم والمساحة القانونية المتاحة لهم ” لا يوجد مشاريع ترميم مثل السابق , وربما اهتمام الناس أنفسهم في أعمال الترميم حاول أن يعوض بالجزء القليل خاصة في المساجد , واللجنه الأهلية قامت بترميم عدداً من بيوت المهمشين والأقل حظاً . كذلك مؤسسة التعاون التي قامت ببعض الأعمال في الترميم , ولكن كل هذه الأعمال إذا لم يكن هناك خطة استرتيجية لتنفيذها ويشترك فيها جميع أصحاب العلاقة بشكل متكامل فلا يمكن رؤية شكل إيجابي لها على المستوى البعيد كما يجب “.

كما وأعرب المهندس عرفات عن خالص شكره وامتنانه للصندوق العربي في الكويت لما يقدمه من دعم لإعادة ترميم البلدة القديمة ” كل الشكر والتقدير للصندوق العربي في الكويت الذي يعتبر الرافض الرئيس لأي تمويل يخص إعمار نابلس القديمة سواه ” .

وفي نهاية المقابلة , دعا عرفات سكان البلدة القديمة أنفسم للعمل بجد للمحافظة على هذا الإرث التاريخي ” نحن بحاجة لخوف أهل البلد على مدينتهم ومحافظتهم عليها قبل أن يسألوا عن المال من غيرهم , وبحاجة لتطوير قانون الإيجار والإستئجار في البلد , لأنه يقف عائقاً أمام ترميم أصحاب البيوت لبيوتها “.

صدق المشاعر وأناقة التعبير

” البلد القديمة هي القلب , ونابلس الجديدة هي الجسد , ولا أستطيع أن أتخيل أن ابن البلد يستطيع أن يعيش ويفتخر بإنتمائه لهذا البلد دون وجود البلدة القديمة , ولا أستطيع أن أتخيل أولاد البلد بعيدين عن مدينتهم القديمة , ليس فقط في أوقات الإحتفالات التي تقام هنا , وإنما على سبيل المثال للحصر أيام رمضان بعد العصر , فلا يمكن لأي فرد من أفراد الأسر النابلسة إلا وتجده في قلب البلد , إما للصلاة , وإما للكزدورة بعد العصر في رمضان ”
بهذه الكلمات الجميلة والمشاعر الراقية اختتم المهندس عرفات حديثه -للحدث , بمشاعر متناقضة مابين حبه للبلدة القديمة وما بين حزنه لما وصل إليه حالها .
ليؤكد على هذه المشاعر النبيلة الحاج حلاوة حين قال لي بحزم في الختام ” نابلس رح تبقى برجالها وعزها رح يدوم ولي شافته وعاشته هالحجارة العتيقه كان أكبر , إن شاء الله غيمة صيف وبتمر ”

رابط قصير:
https://madar.news/?p=32116

تعليقات

آخر الأخبار