الشريط الأخباري

ذاكرة لا تصدأ لـ”الإعلام”…. الكفرين تُودع عميدها الجمّال..

مدار نيوز، نشر بـ 2018/11/28 الساعة 7:11 مساءً

طوباس-مدار نيوز: ودع مخيم الفارعة المعمر محمد كايد إبراهيم سرحان، الذي غيبه الموت الأربعاء، عن عمر  تجاوز مئة عام، فيما ظل حنينه مشتعلًا لمسقط رأسه  في الكفرين جنوب شرق حيفا، حتى أنفاسه الأخيرة.

وخصصت وزارة الإعلام في محافظة طوباس والأغوار الشمالية حلقتها (69) من سلسلة (ذاكرة لا تصدأ) بالتعاون مع  اللجنة الشعبية للخدمات لسيرة الراحل، الذي وثقتها قبل رحيله.

وظل سرحان محتفظًا ببطاقة هوية برتقالية، تؤكد أنه ولد عام 1917 أو سنة وعد بلفور اللئيم كما أسماه، فيما قال أولاده وأحفاده إنها تقديرات عشوائية، فوالدهم وجدهم تجاوز القرن منذ زمن، إذ أبصر النور كما قالت وثيقة عثروا عليها عام 1911. واللافت أن البطاقة، تفيد أنه ولد في إسرائيل المُقامة عقب نكبة 1948!

وسرد الراحل: أنا أكبر من الإنجليزي بلفور، الذي سرق بلادنا وأرضنا وأعطاها لليهود. ويوم خرجت من بلدنا كان عندي 5 أولاد أطول مني، ولو أبني راشد عايش كان اليوم عمره 91 سنة. وعملت في أراضي والدي، وأذكر حقول: أم اليتامي، وأم العبران، ووادي العرايس، والطويل، وعين الكفرين، والحواكير، والمرشقة، وتلة الزعترة، وأم القرامي، وطريق العرب الذي كان يربط بلدنا بمرج ابن عامر ويافا، والبيادر، وبئر خميس، ووادي البزاري، وعين البلد، ووادي العرائس، ووادي الحنانة.

ثورة وكفرين

وقال قبل أشهر من وفاته: كنت شاباً قبل أن نخرج من الكفرين، وسمعنا عن 17 مقاتلاً صمدوا في جبال أم الفحم، أيام الثورة، لكن الدواسيس (العملاء) أوشوا بهم، وضربتهم الطائرات بالنار، واستشهدوا. ثم جاء الإنجليز بجثثهم إلى ساحة البلدة، بعد جرها بالخيول.

سمع سرحان برجال الثورة: يوسف أبو درة، ويوسف الحمران، والشيخ عطية، ومصطفى الأسمر، وأبو جلدة، والشيخ عز الدين القسّام. وكان يمضي معظم وقته في الحقول. ولا تسقط من ذاكرته هجمات الجيش البريطاني على الكفرين، فقد كانوا يختارون وقت الظهيرة لاقتحامها، ويجبرون الأهالي على التجمع في ساحة البيادر، ويحضرون المختار، ويجلس قائدهم وراء طاولة، ثم يبدأ باختيار الشبان الذين سينكلون بهم، وينهبون القمح، ويخلطون كل ما يجدونه في البيوت معاً.

وقصّ: كان الإنجليز يضربون الناس بالعصي والأيدي على الوجه، ويربطون الثوار بالجنازير بعد استشهادهم، ويجرونهم إلى بلدانهم، ومن يعثروا عنده على “فتشتشه” (رصاصة)، أو بارودة يحكمون عليه بالإعدام، واستخدموا كثيراً الخيول للوصول إلى بلدنا.

سلاح وقشّ

مما ظل سرحان يردده، نجاح أحد شبان قريته فترة طويلة في تهريب الأسلحة للثوار، فيومها كان يضع القش على دابته، ويخفي الرصاص والسلاح  بينه، إلى أن أمسك به الإنجليزي، وأعدموه أمام الأهالي.

وقص: في إحدى المرات تجمع الثوار في بلدنا ومعهم عشرات الخيول، واقتحم الإنجليز الكفرين، فهربوا وأخفينا السروج في خوابي القمح، وآبار المياه، وحين سألونا عن سبب وجود هذا العدد من الخيول، قلنا لهم إننا نحرث ونزرع ونستعمل الخيول دائمًا، وبعد انسحابهم عاد الثوار لخيولهم.

من القصص التي سردها الراوي، الذي ضعُف سمعه وزادت أوجاعه قبل الممات، اختباء  ثلاثة ثوار داخل شجرة عُليّق، فحينها احتموا طوال النهار بقلب الشجرة، التي تجري المياه من تحتها، ولم يفلح الجنود في الوصول إليهم.

وقال: رعيت الأغنام في سن مبكرة،  بعد أن خرجت من المدرسة نهاية الصف الثالث الابتدائي. وشاهدت الشيّالين ( استعملوا الجمال في نقل البضائع)، وكانت بلدنا قليلة الزيتون، وكثيرة القمح والعدس والسمسم والكرسنة والخضروات، وأرضها سهلية. وحين كانت تثلج الدنيا كنا نتخيل أن الجبال ستقع علينا، وكان المطر وفيراً، ولم نر الشمس في المربعانية إلا في المناسبات.

وصمدت في ذاكرة الراوي أسماء عائلات قريته التي اشتهرت بمزارعها ومواشيها، فعدد بعضها: سرحان، والغول، وخليفة، والعسوس، ونعجة، وعبد الجواد، والحاج يوسف، وأبو لبّادة، وأبو سرّيس، أما مختار البلد فأديب أبو نجمة، الذي كان من حيفا، و أمام المسجد الشيخ عبد الله الأحمد، ونعيم دروزة مدير المدرسة ومعلمها الوحيد، أما النجار فاسمه جبر.

بحر وحجارة

ووفق شهادة الراحل، كان التنقل إلى حيفا بالباص، والأجرة 4 قروش في الذهاب والعودة، والصعود من وادي الجعارة، وكان يزور أخواله وجده برفقة أمه يسرى في حيفا، وشاهده القطار، والبحر، ولا ينسى كيف كانت وكانت أمواج البحر تضرب مركز البوليس (الشرطة). وراجت في الكفرين مهنة نقل القش والبضائع  والحجارة على الجمال، واكتسبت بعض عائلاتها الاسم من هذه المهنة. وتستقر في ذاكرته ما كان يسمعه من توجه المرضى من بلدته إلى حيفا، ودفع أجور المدرسين بالبيض أو القمح  أو الكرّسنة.

تنقل سرحان بين أم الفحم وعانين واستقر به المقام في مخيم الفارعة، وسبق أن تعرض لحادث عمل أصاب يده من قلع الحجارة وتكسيرها، فأضطر لعلاج نفسه بنفسه بطريقة شعبية، وظل أثر الحادث على جلده حتى وفاته.

ووفق السارد، فإن أكثر الأمراض التي تسري اليوم هي العمى والصمم؛ لهول ما شاهدوه وسمعوه من أخبار مؤلمة، وحسرتهم على بلادهم.

تزوج سرحان مرتين: علياء قبل النكبة، وجميلة بعد سقوط البلاد، وأنجب 6 أبناء و7 بنات، ولديه نحو 250 من الأحفاد وأحفاد الأحفاد. وولده البكر اقترب من التسعين، وابنته الكبرى شمسة في الثمانين (لها أحفاد الأحفاد أيضا).

وقال:  تزوجت وأنا ابن 20 سنة، وكان مهر العروس 50 جنيهًا، وبعضهن 70، وكنا نشتري دونم الأرض بجنيهين، وشاهدت جارنا محمود أبو نهية، الذي سرق اليهود 200 رأس غنم منه،  فمات حسرة عليها.

فيما أشار رائد جعايصة، المنحدر من القرية ذاتها أن الراحل سرحان ظل بذاكرة جيدة حتى أيامه الأخيرة، رغم تجاوزه القرن، وبقي يردد طوال حياته شوقه لمسقط رأسه، وقص مراراً لأحفاده سيرة الكفرين الجميلة.  وقد خسر اليوم مخيمنا أحد أعمدته الصلبة، والشاهد الأكبر على وجعنا وجرحنا المفتوح، فقد كان بحق العميد.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=113303

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار