الشريط الأخباري

عبد اللطيف عقل: فكيف أخون نبض دمي؟.. عادل الأسطة

مدار نيوز، نشر بـ 2017/08/27 الساعة 7:44 صباحًا
مدار نيوز : في كتابي “سؤال الهوية: فلسطينية الأدب والأديب” (2000) أعدتُ نشر دراسة مكثفة عنوانها “جدلية الموقع والموقف في الأدب الفلسطيني”، شكلت ركناً أساساً لأطروحة الدكتوراه الخاصة بالكاتب خضر محجز “إميل حبيبي بين الوهم والواقع”، حيث نشر جزءاً كبيراً من المقالة كملحق في كتابه الذي صدر عن دار قدمس في دمشق في العام 2006.

في تلك الدراسة، أثرتُ أسئلة حول إشكالات عديدة، منها تشابه الكتابة في حالة تشابه التجربة، وهو ما أعدتُ الإشارة إليه متكئاً على رأي محمود درويش في أشعاره وأشعار زملائه من شعراء المقاومة في الأرض المحتلة قبل هجرته في 1970.

تتشابه الكتابة فتتشابه التجربة، ويتشابه الموقف فتتكرر الأفكار نفسها.

وكنت توقفت أمام فكرة البقاء والصمود والحث على رفض الرحيل في الأدب الفلسطيني، وتساءلت إن كان غسان كنفاني أول من حث على فكرة البقاء والصمود في روايته “رجال في الشمس” 1963. وسأرى أنه في قصته “ثلاث أوراق من فلسطين ” -ورقة من غزة- 1956 كان أتى على الفكرة التي ستحضر حضوراً لافتاً في 60 ق20 وستظل تحضر إلى الآن.

في العام 1980، ينشر عبد اللطيف عقل قصيدة عنوانها “رسالة إلى صديق قديم” تأتي على الفكرة نفسها التي حضرت في نصوص غسان ومحمود وسميح وأميل حبيبي. والسؤال الذي يثيره قارئ الأدب الفلسطيني، بعد أن يقرأ قصيدة عقل هو: هل كانت قصيدة سميح القاسم “إليك هناك حيث تموت” حاضرة في ذهن عبد اللطيف عقل وهو يكتب قصيدته أم أن تجربته تشابهت مع تجربة سميح القاسم، فكانت الكتابة من باب “تشابه التجربة …تشابه الكتابة” لا من باب التأثر والتقليد فالمحاكاة؟
الرسالة التي وصلت إلى سميح في 1968 من بيروت تشبهها رسالة وصلت إلى عقل في 1980 من الخليج. وتتشابه نغمة كاتبي الرسالتين في أنهما يحببان المرسل إليه في مكان إقامتهما وتنفيره من مكان إقامته وحثه من ثم على ترك الوطن والهجرة، فماذا يوجد فيها حيفا أو الضفة؟
يقرع كلا الشاعرين المرسل ويرفض صاحب الرد الاستجابة ويصر على البقاء في أرضه ووطنه.
يفتتح عقل قصيدته بقوله: “كتب إلي أن أوافيه في الخليج فقد وجد لي عملاً”.
وينهيها بقوله:
“تزين لي الرحيل
كأن لا يكفيك من رحلوا
وتغريني بأني
إن أتيت إليك
مثل البدر أكتمل
فشكراً يا صديق طفولتي
اختلفت بنا السبل
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟”
ولطالما كرر بعض أصدقاء عقل البيت الأخير لمداعبته وممازحته.
في مثل هذا الشهر من العام 1993، فارق الشاعر الحياة وكان في حياته شغل الناس. في ملابسه وشكله الخارجي وفي مقالاته الساخرة “شالوم عليكم” وفي التزامه وعدم التزامه بما يقول، وفي موقفه من المدينة وهو الريفي المثقف القادم من دمشق إلى نابلس تحت الاحتلال، حيث الموات الثقافي قياساً إلى دمشق وبيروت، فمدينته هذه يفتخر أهلها بأنهم ما ارتكبوا جريمة التفكير مرة، مدينته التي أقام فيها دون أن ينسجم معها فآثر مغادرتها إلى مدينة أرحب هي رام الله.
نعم لقد كرر بعض أصدقاء عقل البيت الأخير لمداعبته وممازحته أكثر من مرة، فالشاعر كان ترك فلسطين إلى أميركا ليكمل الدكتوراه وعاد ولم تكن القصيدة كتبت واشتهرت، وكان ترك فلسطين في أثناء انتفاضة 1987 ليقيم في الأردن بعيداً عن أجواء المواجهات، وليعود إلى نابلس بنهاية الانتفاضة في 1991/1992.
في ذينك العامين، اجتمع الأدباء الفلسطينيون في القدس وكنت واحداً من الحضور وكان عقل والقاسم أيضاً من الحضور. ما إن دخل الشاعر إلى القاعة حتى رحب به بعض أصدقائه مكررين على مسمعه:
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟
هل تذكرت يومها أفلاطون وجمهوريته؟
إحدى إشكالاتي مع عقل والقاسم وأيضاً مع محمود درويش تكمن في تتبعي ما يكتبون وملاحظة مدى التزامهم بما كتبوا، ولم يرق هذا لهم الثلاثة، ولذلك لم تكن علاقتي بهم سمناً على عسل، ولم يمنع هذا من مواصلة الكتابة عنهم والاحتفال، بعد رحيلهم، بذكراهم، بل ولم يقلل من تقديري لهم ولأشعارهم.
وعودة إلى أفلاطون وجمهوريته. كان الفيلسوف وضع الشعراء في مرتبة متأخرة، بل وأراد طردهم من جمهوريته والسبب؟
الشعراء ينافقون الحكام ويمالئون الجمهور. هذه هي وجهة نظر أفلاطون التي تفتح وعيي عليها في بدايات 70 ق20.
كنت أقرأ في مجلة “الثقافة العربية” الليبية عن الشعراء وعبد الناصر، وقد افتتح صاحب المقالة مقالته بعبارة أفلاطون، فبعض من مدح عبد الناصر في حياته تساءل بعد موته: “كيف أعرف أن الذي بايعته المدينة غير الذي وعدته السماء؟”.
في شهر آب 1993، غادرنا الشاعر عبد اللطيف عقل. سينسى كثيرون أنه فعل عكس ما كتب وسيتذكرون أشعاره التي حثت على البقاء والصمود وسيكرر قسم منا:
أنا نبض التراب دمي
فكيف أخون نبض دمي وأرتحل؟
وقد يكرر قسم آخر البيت ساخراً، لا من عقل نفسه، وإنما مما يدفعه إلى البقاء والصمود في زمن أخذت فيه مقومات البقاء والصمود تضعف كثيراً.
في ذكرى رحيل عقل، ليس لنا إلا أن ننشد له الراحة في تراب وطنه، حيث نبض دمه الذي…. إلخ. إلخ.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=53257

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار