عدو إسرائيل المنتظر: “محور سني” بقيادة تركيا أو باكستان
مدار نيوز \
يشعل الثالوث المتشكل من تركيا ومصر وباكستان، المدفوع بهاجس تمدد إسرائيل وطموحها في الهيمنة على المنطقة، لمساعي وقف الحرب، أكثر من ضوء أحمر في مراكز البحث الاستراتيجي ودوائر اتخاذ القرار الإسرائيلية، التي بدأ بعضها يتحدث صراحة عما يسمونه “محور سني” يستعد للحلول محل “المحور الشيعي” كعدو محتمل ربما يكون أشد وطأة على إسرائيل من سابقه.
في هذا السياق يتحدث د. بوعاز جولاني، وهو بروفيسور في كلية المعلومات والقرارات في التخنيون، أن منافسة تدور بين باكستان وتركيا على قيادة هذا المحور ولعب دور العدو الأول لإسرائيل في المنطقة، وهو الدور الذي تعاقبت على تصدره في العقود الأخيرة مصر والعراق وإيران. تركيا، البالغ عدد سكانها 85 مليون نسمة، وباكستان التي تعد 240 مليونًا، كلاهما دولتان سنيتان كبيرتان، على حد تعبيره، تحكمهما أنظمة صارمة تستند إلى حراب العسكر، وتمتلكان جيوشًا قوية بشكل لافت، وتربطهما علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، حليف إسرائيل الرئيسي.
الباحث الإسرائيلي يشير في مقال نشرته صحيفة “معاريف” إلى دالة تنازلية في العلاقات التركية الإسرائيلية منذ استلام أردوغان للحكم قبل 25 عامًا، وصلت إلى حالة من التردي عقب عملية مرمرة عام 2010، التي أدت بدورها إلى سحب السفير التركي من إسرائيل، وإلى فترة جمود استمرت حتى عام 2018، حيث شهدت تحسنًا طفيفًا لعدة سنوات قبل أن يعلن أردوغان عن حظر اقتصادي شامل على إسرائيل ويهدد باجتياحها عسكريًا خلال الحرب على غزة.
أما باكستان فإنها لم تقم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل أبدًا كما يقول، واختارت الوقوف مع أعدائها في الساحة الدولية، وهي شريكة رئيسية للصين في تطوير برنامج “الحزام والطريق”، الذي يهدف إلى تعزيز مكانة الأخيرة كقوة عظمى عالمية رائدة. كما ينوه إلى أن الموقف الباكستاني من إسرائيل يمكن اختصاره بما جاء على لسان وزير الدفاع مؤخرًا، الذي اعتبر إسرائيل “لعنة على البشرية” وتمنى للذين أقاموا هذه “الدولة السرطانية على أرض فلسطين” الاحتراق في جهنم، كما يقتبس.
وكما هو معروف تاريخيًا، فإن اصطدام دول المنطقة، ابتداء من مصر إلى العراق وحتى إيران، مع إسرائيل لم يرتبط بالقضية الفلسطينية وشعار تحرير فلسطين فقط، بل كان وما زال ينبع من طبيعة دورها الوظيفي الاستعماري الذي يهدف إلى لجم طموح شعوب المنطقة في بناء ذاتها القومية وتأسيس دولها الوطنية المستقلة القادرة على السيطرة والتحكم بمقدراتها دون أي تدخل أجنبي. ومعلوم أيضًا أن ما فجّر المواجهة مع مصر، التي قادت إلى ثلاث حروب إقليمية دموية مع إسرائيل، كان قرار الرئيس جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، الذي تسبب بعدوان ثلاثي كانت إسرائيل عرابته على مصر، وأن ما أشعل فتيل المواجهة مع العراق هو قيام إسرائيل بقصف وتدمير المفاعل النووي العراقي عام 1981.
وما إصرار إسرائيل اليوم على منع إيران من امتلاك برنامج نووي سلمي، وما كشفت عنه الحرب الحالية عن دفع أميركا ومشاركتها في تدمير القدرات الاستراتيجية والمقدرات الاقتصادية الإيرانية، إلا دليل واضح على اصطدام طموح إيران في تعزيز مكانتها الإقليمية مع محاولات إسرائيل، النابعة من دورها الاستعماري الوظيفي، في لجم وإجهاض أي نهوض لدول المنطقة يخرجها من مظلة التبعية نحو فضاء الاستقلال الاقتصادي والسياسي الوطني، وهو دور تعاظم في عهد حكم اليمين الديني الاستيطاني الذي يقوده نتنياهو، وصولًا إلى لعب دور القوة الإقليمية المهيمنة في المنطقة.
ولعل تخوف دول المنطقة من هذا التغول الإسرائيلي هو الذي جعل حتى دول الخليج، التي كانت تُقصف من إيران وعلى رأسها السعودية، تدرك، وهي التي لمست آثار تدمير العراق وتحييده، أن تحييد إيران الذي تسعى إليه إسرائيل بواسطة أميركا إنما يصب في مصلحة هيمنة إسرائيل بشكل مطلق على المنطقة، وهو ما حدا بالسعودية إلى الارتباط بالمحور الثلاثي آنف الذكر ودعم جهوده لوقف الحرب.
د. العاد جلعادي، المحاضر في قسم الشرق الأوسط والإسلام بجامعة حيفا، والباحث في معهد “عزري” لدراسات إيران والخليج، والذي تطرق في مقال نشرته “هآرتس” إلى التحالف الثلاثي أو الرباعي سالف الذكر، لفت إلى أنه في وقت يتركز الاهتمام بالجبهة العسكرية التي فتحتها إسرائيل وأميركا ضد إيران، فإن دول الخليج تبحث في الرياض مع حلفاء محتملين في المنطقة، ليس في كيفية الرد على الحرب بل في كيفية الاستعداد لما بعدها، وخصوصًا لإمكانية نشوء نظام أمني إقليمي لا يعتمد على الولايات المتحدة بشكل كامل.
المبادرة التركية لخلق إطار تعاون أمني مشترك مع السعودية ومصر وباكستان تعكس فهمًا مشتركًا، بالذات من السعودية، بأن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد كافيًا، وهو ما صاغه وزير الخارجية التركي بقوله: إما أن تتوحد دول المنطقة وتتعلم كيف تحل مشاكلها بنفسها، وإما أن تأتي قوة خارجية وتفرض عليها حلولًا تخدم مصالحها هي، كما يقتبس الباحث الإسرائيلي.
ومن الواضح، والحديث لنا، أن هذا التعبير يعكس تخوفًا تركيًا وإقليميًا من حلول إسرائيلية أميركية يتم فرضها على المنطقة، ورغبة في الخروج من مظلة الهيمنة الأميركية، خاصة بعد أن أصبحت إسرائيل هي من يهيمن على قرارات إدارتها، فيما يعبر اجتماع القوى الأربع عن السعي لتشكيل قطب وازن يحفظ مصالح دول المنطقة ويحول دون هيمنة إسرائيل.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=357455



