عن دعوى مكافحة الغلاء بالاستغناء \ جبريل محمد
مدار نيوز \
لست ضد الشعار في ظرفه، لكن سؤالي هو كيف يمكن الاستغناء بالجملة، ومن سيقود هذه النقلة الثقافية عند مستهلك صممته آلة النيوليبرالية والرأسمالية الطفيلية التابعة، والتي قايضت الكرامة الوطنية بارباح هي فتات ما تتحصل عليه الشركات الكبرى العالمية جراء تحويل شعب مكافح الى بالوعة استهلاك، هنا لم يكن الطلب قائما في السوق على الاحتياج، وانما نشأ بفعل قانون جانب العرض الذي صممته التاتشرية والريغانية وكان اول من حذر منه المفكر العربي المصري جلال امين، الذي ربط بعبقرية بين نظرية جانب العرض واصطياد من يمكن توريطهم في الدين من الحكومات كما بين بيركنز في الاغتيال الاقتصادي للامم (اعترافات قاتل اقتصادي).عند الدول المنتجة والمحققة للسيادة على غذائها لن يكون الغلاء فيها الا بفعل جشع الرأسمال، اما عند الدول التي كسرت محاريثها، وراحت تستجدي الياقة البيضاء ومنطق منظمة التجارة العالمية وقبلها الغات فان كل شيء ما دام غير منتج محليا ومن الموارد الوطنية سوف يكون غاليا حتى في ظل عدم وجود ازمات عالمية او ظروف طارئة كالوباء او حرب كالحرب الاوكرانية، فما بالك اذا شكل الظرف الطاريء فرصة لجشع حتى صغار التجار الذين يتاجرون بسلع غالبها وطني ومحلي؟
الغلاء لا يسحق الاغنياء، لان متوسط ما ينفقونه على معيشتهم لا يساوي عشر معشار ما يكدسونه كارصدة فائضة في البنوك، الغلاء يسحق الفقراء ويحطم ما يسمونه زورا بلحمة المجتمع وهي الطبقة الوسطى المعلقة في ارجوحة لا تستطيع ان تثبت قدميها في الارض ولا ان تطير الى عنان السماء حيث حلمها بالثراء والذي هو سراب .
الفقير مستغن اساسا وقبل الغلاء، وفي الغلاء يحاول ايضا ان يزنق نفسه كي يعيد انتاج ذاته المقهورة في كل ثانية، اما دعوى الاستغناء فهي شعار مثقفين يحاولون بشتى السبل استرضاء الطبقة او التحالف الطبقي المسيطر والممسك بعنق الاقتصاد الوطني يلويه انى شاءت مصالحه.
لذا لا بد من اعادة الثور الى التلم، بمعنى لا بد من تحديد المسؤول الاول عن ادارة السوق هل هي يد سميث الخفية وقطاعه الخاص المنفلت في شهوته الجامحة الى اقصى مدى من الربح ، ام حكومة آثرت ان تبني تحالفاتهات الاقتصادية بناء على موقعها السياسي التابع حيث هي حكومة نشأت بفضل الريع السياسي الذي كان عليه ان يخرب كل البنى الوطنية وهكذا فعل، ام منظمات العمل الاهلي التي نشأت من خلال تصيد الريع لا بناء على الحاجة المجتمعية لها وشكلت نموذجا في الترف الاستهلاكي والعمل غير المنتج؟
هنا لا بد من وضع الاصبع على الجرح، فالاستغناء يحتاج الى مبادرة تقول لا بد من ترشيد الاستيراد حكوميا، هذا الانفلات في الاستيراد جعل من الاراضي الفلسطينية مكبا لنفايات الدول الكبرى والمتوسطة والصغرى، فتجد من كل صنف عشرين مصدر استيراد تحت شعار التنافس يقلل من الكلفة، اذن لماذا لا تنوعوا مصادر استيراد النفط ومشتقاته؟ ام انه بروتوكول باريس ولعنته؟ ليست هذه الحجة يمكن استيراد نوع او نوعين من كل صنف وباتفاق مسبق مع المصدر، هذا سيؤدي الى انخفاض الاسعار بفعل التدخل في السوق من قبل الحكومة واعادة نقطة التوازن الى اقل مما كانت عليه فانخفاض الطلب يقلل من السعر، وتقليص العرض القائم على اتفاقات حصرية مع موردين تعطي ميزة للمستورد هنا وبالتالي فان الكرة في ملعب صاحب القرار السياسي دون وعظ او ارشاد.
النقطة الاخيرة التي طالما كررناها وهي الانتاج الوطني والحماية الشعبية لهذا الانتاج، ليس لدينا حتى الان رأسمالية زراعية متبلورة، واذا كان الفلاح لا يستطيع ان يقيم اوده من خلال الاستثمار في السلع الغذائية الاساسية كالقمح، فان على وزير الزراعة ان يشمر عن ساعده ويبذر سهل عرابة وميثلون وصانور وجبع وطوباس وطمون وغير بالقمح، بمعنى انه لا يمكن ترك مصير الشعب والوطن في يد جشعين تابعين غير منتجين يسميهم البنك الدولي بالقطاع الخاص ويعتبرهم محركا للتنمة وهي التنمية التي يريد لا التنمية التي نريد، لذا فالشعار يجب تمحيصه.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=243185



