الشريط الأخباري

فلسطين، دروس التاريخ، اقدار الجغرافيا، واحلام المستقبل د.نهاد خنف

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/18 الساعة 7:48 مساءً

لا أحب ان اضع نفسي في خانة الدعاة، او المبشرين، او حتى المحللين. لكن ربما، من المناسب أحيانا ان نبحر قليلا في أعماق التاريخ، ومن اشرعة سفنه وصواريه نتاخم الجغرافيا بقدريتها المميتة أحيانا، ونتلمس قليلا بعضا من رغائب احلامنا المسكونة بالأمل، والرخاء، وكثير من الرفاه. في سنة 1258 سقطت بغداد في براثن الغزاة التتار القادمين من أعمق أعماق الأرض، ومن بقاع ظن العرب/المسلمين حينها بأنهم بمنأى عنها لبضعة قرون.

اقدار الجغرافيا حينها، لم تمنع أولئك التتار ان يحطموا أحلام الأغنياء وذوي السلطان كما عاثوا في أحلام المساكين الفقراء على حد سواء. كان العرب كأمة، قد تفسخت الى أشلاء متناثرة مبعثرة، مسكونة بالسقوط والاستقرار في قاع الأمم على كل المستويات. كانوا أقرب الى غبار على هامش التاريخ، وتفصيل وضيع من تفاصيله المتضائلة يوما بعد يوم. أمة قد ذادت انانيتها عنها كل ذو صوت حر او نافذ بصيرة.

تمزقت، كما نحن الان، تماما، كما يشبه خصام الأمعاء مع ذاتها، وكما يتوافق مع صورة عقل ينازع ذاته، وينقلب عليها، ولا يصل في ذلك الى نتيجة الا بمزيد من الانفساخ عن الذات، والانسلاخ عن المحيط، والتركيز فقط على ما يشحن الانكفاء على النفس دون محيطها، والحفاظ على السلطان وكراسيه الباذخة باي ثمن.

كانت دويلات العرب والمسلمين، قبل ان يحين موعد قطافهم المغولي، في صراع دائم ومستمر اكل منهم اخضر دينهم وايمانهم وثقافتهم وعلمهم وحضارتهم، وأكمل على يابس أموالهم وثرواتهم وما تبقى من صلاحيتهم كبشر. كانوا يشبهوننا الى حد ما في أيامنا هذه، ينازعون بعضهم على قطمير بلحة لا يسمن حتى ارياق شفاههم، وعلى فتيل تمرة لا يشد من ازر ضعفهم، وعلى نقير نواة لا تقوي من عزائمهم.

نعم، هو ذلك الظلام الذي لف به العرب أنفسهم، بعد ان ركبوا خيول الحضارة وشدوا عليها سروج العزة والسؤدد. وهكذا غاصوا في وحل خيانتهم المتراكمة، وعمالتهم للقوى الأجنبية، ومعاونتها على تدمير الحصون العربية من داخلها، بل ودفع الاتاوات لكل أجنبي يلوح بالسيف والحصار. لم يختلفوا عنا، ولم نختلف نحن أيضا عنهم.

كانت اقدار الجغرافيا تحبسهم في سجون أنفسهم، فحولتهم الى مرضى خائفين ومنفصمين، الحال يشبه غزة، والحالة تشبه شقيقتها في الضفة، ولا يختلف حالهما عن عمان، وبغداد، ودمشق، ولا عواصم أقرب منهما أو ابعد. او كما قيل، فكلنا في الهم شرق.

القدس أيضا سقطت في براثن الصليبيين ما يقارب التسعين عاما، ضعفت، تهاوت، وظنوا بان التاريخ هناك قد وقف. عادت القدس، وحلق الاذان في مساجدها، وقرعت أجراس كنائسها، وجر عتاة الصليبيين ذيولهم بين اقدامهم ولا تعلو رؤوسهم الا رايات بيضاء، اوحت بكتابة تاريخ ناصع أعاد البريق والزفير والشهيق لأنفاس القدس، واعادها الى حضن التاريخ منارة للإنسانية جمعاء. القدس الان، ليست بأسوأ حالا مما كنت حينئذ، وسيبقى العمل والنضال والكفاح والصبر حتى تعود كما كانت بعدئذ.

بعيدا عن البيديغوجيا، والابستمولوجيا، والميثولوجيا الدينية وما أقحم في بنيتها من اساطير تاريخية معفرة الوجه والرؤية، تلك التي تتجذر في دهاليز العقل ويُتَعَبَدُ بمناسكها في محاريب ليس للرب فيها نصيب.

ستنتصر إنسانية القدس على مظالم الاحتلال، ووعودات الاستعمار، مهما تمادى الاحتلال في ايقنتها (من ايقونة) والحفر في سراديب تاريخها الملبد برمزية الانتصار للإنسان.

اما احلامنا، تلك التي ربما لن نعيشها متحققة ومترجمة الى وقائع، الا اننا يجب ان ندافع عنها، كجزء من الدفاع عن انسانيتنا، كأساس لما نريد ان نرى عليه وطننا، واجيالنا القادمة. هذا الوطن، الذي وان أغرق في وحل الفساد، الا انه سينهض من جديد.

سينهض تماما، كما نهضت بغداد بعد السقوط التتاري الكبير، وكما انتشت القاهرة بهزيمة الشر وقهر الارتزاق ومفاسدة التاريخ على سواء، سينهض فيها صوت الإنسانية رغما عن هؤلاء المارقين على هوامش تاريخه الذي لا زال موسوما بكل قصص المجد وحكايات الكرامة.

سيرتقي الوطن رغما عمن قبلوا ان يسكنوا في قاع الأمم. سيرتفع سقف الوطن بنا نحن، لا بغيرنا ولا بمجرمي اقدار الجغرافيا وخائني التاريخ. الاحلام، يوما ما، ستنتصر لنفسها حتى لو صادر بعض الافاقين النوم منا. سيصمد الشباب، وسينهضون، وسيفتحون أبواب قلوبهم على إنجازات ورؤى ويعتصرون الامل حتى بغياب الغيم وعلو كعب الضباب.

نحن شعب حي، ربما اننا مخدرون بحكم الذين فقدوا الامل بالعلاج، بحكم الذين فرضوا علينا المرض، ولكن اصرارنا على ان يكون التاريخ جزءً منا، وان لا نكتفي ان نكون جزءً منه، هو الذي سيبعث روح القيامة من جديد. شبابنا، بطموحهم، بعنادهم، بأحلامهم، لن يسمحوا للتاريخ ان يصلب في وطننا من جديد، مهما بلغت خيانة الواشين، والمتصالحين على الفتات.

قال لي صديقي الستيني، بأنه لن يفقد الامل، وبأن انتصارنا هو صوتنا العالي الذي يجب ان لا ينخفض ابدا، وهكذا هي الحكاية، صهيل الخيول لن يخفت، وشعلة القنديل في القدس لن تطفأ، ستبقى شعلة الحلم متقدة كما بدأها ظاهر العمر في قناديل ملك الجليل.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=75977

هذا المقال يعبر عن رأي صاحبه فقط.

تعليقات

آخر الأخبار

حالة الطقس: أجواء ربيعية معتدلة

الثلاثاء 2026/04/21 7:36 صباحًا