الشريط الأخباري

قراءة في تقرير البنك الدولي الخاص بأداء الهيئات المحلية الفلسطينية

مدار نيوز، نشر بـ 2018/02/21 الساعة 1:17 مساءً

 

مدار نيوز – خاص – كتب الدكتور عماد دواس: انشغلت وسائل الإعلام المحلي ووسائل التواصل الاجتماعي خلال الأسبوع الأخير بالجدل حول تقرير البنك الدولي الخاص بأداء الهيئات المحلية في الضفة الغربية وغزة. وكان جُل إن لم يكن كُل النقاش يتمركز حول ترتيب البلديات من حيث قيمة معامل أداء (Performance Index) قام معدو الدراسة بحسابه من خلال عدة مؤشرات ارتكزت بشكل أساسي على بيانات تم جمعها من خلال مقابلات مع سكان الهيئات المحلية. ومما أثار الجدل حول نتائج التقرير هو وجود بلديات عريقة لمدن مركزية في ذيل الترتيب وأوسطه، في حين أن أربعة مجالس قروية صغيرة كانت من بين المراكز العشرة الأولى.

وقبل أن أخوض كمن خاضوا في موضوع مدى دقة الترتيب ومنطقيته وجدواه، أود أن أنوه إلى نقطة مهمة قد تبدو مفاجئة لكثيرين ممن تابعوا الموضوع عبر وسائل الإعلام ولم يطلعوا على التقرير نفسه أو ممن أطلعوا على التقرير بشكل سريع وهو أن الترتيب بحد ذاته لم يكن هدفاً من أهداف التقرير ولم يكن محوراً مركزياً فيه وقد تم وضعه في ملحق رقم (7) على شكل جدول في نهاية التقرير. ولكن تركز اهتمام الباحثين في الدراسة على تحليل أسباب التباين في قيمة مؤشر الأداء ومحاولة استكشاف أسبابها. ومن ناحية أخرى، وتأكيداً لهذا الكلام، فإن هذا الترتيب لا يعتبر تصنيفاً للهيئات المحلية ولا بشكل من الأشكال ولم يقم التقرير بتصنيف الهيئات بناءاً على نتيجة معامل الأداء بل اكتفوا بترتيبها بناءاً على قيمة المعامل والذي سأقوم بنقاش كيفية الحصول عليه في هذا المقال.

لقد تم ترتيب الهيئات المحلية بناء على قيمة معامل أداء تم الحصول عليه من خلال الإجابة عن مجموعة من الأسئلة يمكن أن أختصرها هنا بشكل شديد على شكل سؤال واحد وهو: إلى أي مدى أنت كمواطن راضٍ عن الخدمات التي تقدمها لك الهيئة المحلية؟ وكان مصدر المعلومات هنا عينة من المواطنين تم إجراء مقابلات شخصية معهم من قبل فريق من الباحثين. في حين أن السؤال الأهم والذي حاول التقرير الإجابة عليه وأحتل الجزء الأكبر من الدراسة من ناحية التشخيص والتحليل والتقييم وقد كان المحور الأساسي للتقرير هو سؤال: ما هي العوامل المؤثرة على قيمة المعامل سواء بالسلب أو بالإيجاب؟ وقد قامت الدراسة بتحليل شامل لجوانب مختلفة تم جمع معلومات عنها من دراسات سابقة للبنك الدولي ومركز الإحصاء الفلسطيني وتقارير دولية ومحلية وقد تضمنت حجم الهيئة وعدد السكان والكثافة السكانية، الموقع الجغرافي للهيئة، العوامل الجيوسياسية، وجود الهيئة ضمن مجلس خدمات مشترك أم لا ونوع هذا المجلس إن وجد، القدرة المالية (Fiscal Capacity) للهيئة، والحوكمة والمساءلة ومستوى المشاركة المجتمعية. وقد تركزت توصيات التقرير على هذا التحليل الخاص بالسؤال الثاني والتي جاءت على شكل مجموعة من المقترحات للمانحين على المستوى الدولي، وللحكومة الفلسطينية المركزية على المستوى الوطني، ولمجالس الخدمات المشتركة على المستوى الإقليمي (أو المناطقي)، وللهيئات المحلية وأصحاب العلاقة على المستوى المحلي، وللمواطنين على المستوى الفردي. وقد تعمدت أن أسرد بشكل مفصل الجهات المعنية بتوصيات التقرير للتنبيه لمدى التعقيدات المتعلقة بعمل الهيئات المحلية والتي أشار إليها التقرير بل وأشاد في أكثر من موقع بقدرة هذه الهيئات على العمل وتقديم الخدمة بالرغم من الظروف الصعبة والمعقدة التي تعمل فيها ومن أهمها الإحلال، وحالة عدم الاستقرار السياسي، والضائقة المالية التي عزى التقرير الجزء الأكبر منها الى سوء النظام المالي الرابط بين الجهات المركزية متمثلاً في الوزارات ذات العلاقة وبين الهيئات المحلية. وفي المقابل فقد أشار التقرير الى ثغرات في أداء الهيئات المحلية وعلاقتها بالمواطن ومتلقي الخدمة بقدر لا يمكن إغفاله ولا يتسع المقام لنقاشه في هذا المقال.

أما فيما يتعلق بترتيب الهيئات المحلية بناء على معامل الأداء فمن المهم أولاً تقديم شرح مختصر عن كيفية بناء هذا المعامل. فقد هدفت الدراسة الى تقييم أداء الهيئات المحلية في أربعة مجالات تقع ضمن اختصاص الهيئات وهي: خدمات المياه والصرف الصحي والنفايات الصلبة والطرق. وقد نوه معدو التقرير الى أنهم قاموا بجمع بيانات عن التعليم والصحة والكهرباء ولكنها لا تقع ضمن نطاق هذا التقرير وذلك لمحدودية دور الهيئات المحلية في هذه القطاعات (حسب توصيف التقرير). هذا بالنسبة للقطاعات التي تم تقييمها، أما بالنسبة لمصدر البيانات فقد اعتمدت الدراسة على عينة تم اختيارها من كل الهيئات المحلية بشكل يتناسب مع حجم الهيئة وتكونت من 11,970 مواطن. وقد برر التقرير اللجوء الى إجراء مقابلات مع المواطنين أنفسهم لقياس معامل الأداء بأن معظم دراسات قياس الأداء اعتمدت على المصادر الرسمية وعلى مزودي الخدمة (مجالس الخدمات المشتركة وشركات التوزيع والبلديات) ولم تعتمد على متلقي الخدمة (المواطن).

أما ما يتعلق بحساب مستوى الأداء فقد تم تصميم معامل أداء (Performance Index) يتكون من عشرة مؤشرات (Indicators). المؤشرات التي تم تعريفها تشمل مؤشر خاص بالطرق المحلية المعبدة داخل حدود الهيئة المحلية بالإضافة الى تسعة مؤشرات مثلت ثلاثة معايير مهمة لكل من خدمات المياه، الصرف الصحي والنفايات وتشمل: الإيصال أو الوصول (Access): مدى إيصال الخدمة للمواطن او وصول المواطن لها، والمعيار الثاني هو الجودة (Quality): جودة الخدمة الواصلة للمواطن، وأخيرا الاعتمادية (Reliability): مدى انتظام تقديم الخدمة وإمكانية الاعتماد عليها من قبل المواطنين. ومن خلال إجراء مقابلات طويلة وقصيرة مع المواطنين تم جمع بيانات عن هذه المؤشرات وإدخالها غالى نموذج رياضي لحساب معامل الأداء.

لمزيد من التوضيح أعرض هنا تفسيراً (وليس تبريراً) لبعض نتائج الترتيب فقط، فلا يتسع المقام لإجراء مراجعة تحليلية شاملة لكل محتويات وأجزاء التقرير. فقد أعتمد التقرير في قياس معامل الأداء على أربعة خدمات كما سلف ذكره هي الطرق والمياه والصرف الصحي والنفايات الصلبة بحيث يتم حساب معامل خاص لكل واحده من هذه الخدمات (أي أننا نحصل على أربع قيم للمعامل لكل خدمة معامل خاص بها) ومن ثم نأخذ الوسط الحسابي للقيم الأربعة. وهذا يعني أن غياب أحد الخدمات يحرم الهيئة المحلية من ربع العلامة (25 نقطة من 100 وهو المقياس الذي أعتمده التقرير). وللتوضيح أسرد هنا مثالاً مفصلاً لمدينة طوباس التي احتلت بلديتها المركز 144 حسب نتائج معامل الأداء حيث حصلت البلدية على معامل بلغت قيمته 55 نقطة. فبلدية طوباس تفتقر لخدمات الصرف الصحي (وان كان هناك مشروع حالي يجري تنفيذه إلا أن المواطنين لا يتلقون الخدمة بعد) وبسبب غياب خدمات الصرف الصحي خسرت البلدية 25 نقطة من قيمة معامل الأداء. أي أن الـ 55 نقطة التي حصلت عليها البلدية عكست مدى رضى السكان عن ثلاث خدمات تم تقييمها فعلياً وهذا يعني أن قيمة المعامل الفعلية هنا هي 75/55 (55 من 75) ولو حولناها الى علامة على مقياس من 100 نقطة وهو المقياس المستخدم في التقرير فإن النتيجة تكون 100/73 (73 من 100). بالتالي فإن ترتيب البلدية سيقفز الى المركز رقم 18 في الترتيب لو أهملنا الخدمة الغائبة. وهذا ما يفسر أيضاً أن خمس هيئات محلية تمثل قرى صغيرة (كتابا وزيتا وصرة وشيوخ العروب ودورا القرع) تحتل مراكز متقدمة في العشرة الأوائل حيث تتوفر فيها الخدمات الاربعة وتم حساب قيمة المعامل لمدى رضى المواطنين عن هذه الخدمات. إن هذا التوضيح إنما هو تفسير للنتائج أكثر مما هو تقليل من شأن الهيئات التي احتلت مراكز متقدمة أو تبرير لهيئات أخرى احتلت مراكز متأخرة.

وخلاصة المقال أن تقرير البنك الدولي لم يهدف الى ترتيب تصنيفي للهيئات كما هو متبع في صندوق إقراض وتطوير البلديات ولا يترتب على نتائج الترتيب أي فعل للهيئات التي إحتلت رأس القائمة ولا ذيلها، إنما كان الهدف الأساسي من التقرير هو تحليل أسباب التباين في قيم معامل الأداء بين الهيئات المحلية المختلفة، وهو ما يجب أن يكون شغل المسؤولين الشاغل على جميع المستويات الوطنية والإقليمية والمحلية بدلاً من الانشغال في ترتيب ليس له أي أهمية تذكر إذا ما قورن بما خلص إليه التقرير من توصيات تمس نظام إدارة الحكم المحلي في فلسطين. من هنا فإن على الهيئات التي حصلت على ترتيب متقدم ألا تركن إلى ذلك وعلى الهيئات التي حصلت على ترتيب متأخر ألا تهتز،وعلى الطرفين مواصلة العمل لتحقيق الأهداف الخدماتية والتنموية التي تقع في صلب اختصاصهم. كما أن على جميع الهيئات والقائمين عليها من رؤساء وأعضاء وموظفين عدم التقليل من رأي المواطنين وإيجاد سبل فعالة لإشراك المواطن في صنع القرار وتوفير قنوات للتغذية الراجعة من والى المواطنين. وبالمناسبة لم يختر معدو تقرير البنك الدولي (وهم من أعلام الإدارة والاقتصاد والتخطيط التنموي في العالم) المواطنين كمصدر لمعلوماتهم من فراغ. فهذا هو التوجه العالمي في التخطيط والتقييم ورسم السياسات وتحسين الأداء خاصة على المستوى المحلي بالرغم ما لذلك من محاذير وسلبيات فإن المواطن هو المتلقي للخدمات وهو الذي يدفع مقابلها فمن حقه أن يشعر بالرضا تجاه ما يتلقاه من خدمات ومن حقه أن يكون مركز الإهتمام ومصدر المعلومة وهو ما فعله التقرير.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=76341

تعليقات

آخر الأخبار