كأنني لم أذرع شوارع المخيم ذات نهار … عادل الأسطة
في المخيم الأخير ولدت وعشت حتى العام 1978 ثم انتقلت إلى حي مجاور. كنت في الرابعة والعشرين من عمري يومها وقد ضاق البيت بسكانه.
لم انقطع عن زيارة المخيم، فقد ظللت أتردد على مركز الشباب الاجتماعي حتى العام 1982 وكنت فاعلاً فيه، أهتم بالشأن الثقافي: أسهم في إقامة معرض كتاب أو أنظم ندوة أدبية أو شعرية أو أحرر مجلة الحائط وفوق هذا وذاك ألتقي أصدقائي الذين ظلوا في المخيم.
بعد العام 1982، أخذ ترددي على المخيم يقل واقتصر غالباً على المناسبات الاجتماعية وبعد 1991 انحصر في مناسبتي العيد تقريبا.
ما بين 1978 و2017 اختلف المخيم كليا. أصبح عالما آخر، فلم يعد بيوت صفيح مع بعض بيوت من الطوب وحسب.
حتى بداية 80 ق20 لم يكن هناك طوابق في المخيم. كان البناء يتكون من بناء أرضي، وكانت هناك مساحات واسعة بين البيوت تصلح لأن تكون ملاعب كرة سلة أو كرة طائرة، وقد يجعل منها الأطفال ملعب كرة قدم متواضعاً. وبين البيوت كانت الأزقة واسعة تسمح بمرور عربة، وكانت ثمة مساحة لزراعة بعض أشجار. ببساطة لم تكن بعض البيوت، إن لم أكثرها، تخلو من شبه حديقة وفي هذه المساحات الخضراء المزروعة عرفنا أشجار تين وتوت وكينا وخروب وحامض وعرفنا الدوالي والعنب، بل وبعض أشجار برتقال، أما النباتات المتسلقة فحدث ولا حرج. ولا أنسى حديقة أبي عوض وأشجار السرو في مبنى مدير المخيم.
هل بقي من هذا كله شيء؟
في العيد الأخير، عيد الأضحى، زرت مخيمي بلاطة وعسكر الجديد. لم أجد جديدا على ما شاهدته فيها من عشر سنوات. المشهد نفسه. المناظر نفسها. الأزقة نفسها. ربما تغير شيء ما في رائحة المكان وفي جدرانه. ربما. ربما تغير شيء ما أو أن عيني رأت شيئا لم تره من قبل. ربما أو أن أنفي غدا أكثر حساسية.
في 80 ق20 خربشت مقالة عن صورة المخيم في الأدب الفلسطيني. توقفت أمام رواية غسان كنفاني “أم سعد” 1969 وقصيدة أحمد دحبور “راوية المخيم” التي غالبا ما أقتبس منها المقطع الذي منه: “-أسمع- ابيت اللعن -راوية المخيم /افتح له عينيك وافهم: هذي الصفائح والخرائب والبيوت/ فيها كبرت/ بها كبرت/ وفوضتني عن جهنم”.
ولا أنسى عبارات أم سعد عن بهدلة الحياة في المخيم بالشتاء وكان كنفاني صورها أيضا في قصته: “القميص المسروق”.
هل ما قاله أحمد دحبور يمكن أن يقال الآن؟
ما زال غسان كنفاني مؤثرا وما زالت عبارات شخوصه ترن في الأذن.
في العيد أخذت أتأمل أزقة المخيم كما لو أنني أزوره لأول مرة منذ 20 عاما.
الأزقة وروائحها والشبابيك والأبواب والبيوت من داخلها أيضا.
أيعود السبب إلى أنني في السنوات الأخيرة انشغلت بفكرة الكاتب والمكان الذي يكتب عنه. صلة الكاتب وعدمها بمكانه الروائي؟
لقد أرقني الموضوع وسبب لي إشكالات عديدة مع كتاب روائيين، وكان أرق من قبلي نقاداً وروائيين آخرين.
انشغلت بالبحث عن صورة القدس في الأدب العربي شعراً وقصة ورواية ولاحظت أن كثيرين أخذوا يكتبون عن المدينة حتى لو لم يزوروها في حياتهم وبدأت أمعن النظر في الأمر.
وأنا أسير في المخيم رأيت الطابق الأرضي من البنايات أشبه بسراديب كتلك التي كتب عنها إميل حبيبي في روايته المتشائل. سراديب مدينة عكا ومثلها الآن مبان كثيرة في نابلس بالبلدة القديمة تحديدا.
تلمست بعض الجدران فخرجت بعض مواد البناء بيدي. قلت لأخي: أنظر! هذه هي البنايات بعد 60 عاما. إنها تتحلل.
كان سبب قولي أن بيتنا في الحي المجاور للمخيم مر على إقامته 40 عاما وأريد أن أدفع لأخواتي مقابل حصصهم.
ما لفت نظري أيضا الأبواب المغلقة وغير المغلقة والشبابيك المسيجة بالأسلاك لحراسة البيت من غير أهله وذويه.
لماذا يسيج الناس الشبابيك؟ هل يخافون من لصوص مثلا؟ هل في البيوت هذه شبه المهجورة شيء يمكن أن يسرق أم أنه حرص الناس على بعض خصوصيات؟
ثمة أبواب تحكي تاريخ المكان. أبواب قديمة يعلوها الصدأ وثمة أبواب جديدة كما لو أنها تناسب مباني جديدة.
هل تصح المقولة الشهيرة: “اقرأ المكتوب من عنوانه” دائما؟
البيوت التي أبوابها جديدة بيوت مسكونة بخلاف أكثر البيوت التي أبوابها قديمة حيث يبدو قسم منها بيوتا مهجورة.
الصحيح أن تجاور الأبواب الجديدة والأبواب القديمة في الزقاق نفسه أعادتني إلى سيمياء العنوان في الأدب وخصائص العنوان الكلاسيكي والعنوان الحديث. العنوان في الرواية الحديثة قد لا يتطابق دائما مع المضمون الروائي. قد يخدع وقد يضلل وقد يقول شيئا آخر لا يقوله المضمون بالضرورة بخلاف العنوان الكلاسيكي الذي غالبا ما يلخص المضمون.
ثمة أبواب جديدة لبيوت قديمة تكاد تتداعى وسكانها لا يملكون خيارا آخر غير خيار الإقامة في المخيم ولهم أشياء تخصهم يريدون الحفاظ عليها.
في الأزقة تكاد رائحتها تعبّر- بل هي تعبر- عن بؤس المكان. أتذكر (جان جينيه) وما كتبه عن مخيمي صبرا وشاتيلا إثر المجزرة التي ارتكبت فيهما في العام 1982. مهما بدت الصورة صادمة فإنها لا تعبر عن الحقيقة. تنقص الصورة الرائحة وهكذا فإن الكتابة عن المكان تتطلب زيارته والإقامة فيه. (جان جينيه) محق في هذا.
الروائح التي تشمها وأنت تسير في شوارع المخيم- في أزقته فلم تعد ثمة شوارع حقا- تشعرك بالأسى وتجعلك تمدح أبناء العمومة ألف ألف مرة لأنهم جاؤوا بمشروعهم الاستعماري ليعمروا الشرق ولينقلوا أهله إلى مستوى حضاري يليق بالبشر. لو بعث (هرتسل) من قبره ليرى ويقرأ ما قاله لرشيد بك عن مشروعه. لو!
في الأزقة غالبا ما تطرح السلام على العابرين أو الجالسين على عتبات البيوت إن بقي من يجلس على عتبة بيته الآن. هذه عادة كانت شائعة ومعروفة في بدايات تأسيس المخيم، يوم كان المخيم يتشكل من طابق أرضي واحد تحيط غرفه القليلة مساحات مشجرة. الآن اختلف كل شيء.
-يا ساتر.
هذه العبارة التي يظل يكررها من يزور المخيم ويدخل إلى بيوته المتلاصق بعضها ببعض.
في العيد أخذت أتأمل الأزقة والأبواب و..و.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=54780



