كما لو أنني أشاهد فصلا من مسرحية… عادل الاسطة
مدار نيوز : أمس ،مساء الجمعة ،افرطت في الطعام ،وحين افرط في الأكل اخرج من البيت كي أحرق السكر في دمي ،فغالبا ما ترتفع نسبته في أيام العطل ، وربما لهذا أخذت أحد مبررا لمن يواصل ،في بلادنا ،العمل بعد الخامسة والستين ،على الرغم من نسبة البطالة المرتفعة بين الشباب.
نحن لسنا في اوروبة ،فلا أماكن لكبار السن ينفقون فيها أوقات فراغهم ولا تفهم لحرية الآخرين الشخصية ،ولهذا غالبا ما نحشر أنفسنا فيما لا يخصنا حين نجلس في المنزل.
غالبا ما اخرج مساء الجمعة إلى الشارع أتمشى ،وكنت من قبل أذهب إلى شقتي في المدينة أو إلى ال (مول ) اتبضع. أمس مساء فكرت في هذين المكانين: شقتي وال (مول) ثم لم أنفذ هذا ولو كان ابن أخي في منزله لربما أصر على أن اصطحبه إلى الشقة ليجلس على الشرفة ويشرب الشاي.
ابن أخي لم يتجاوز العاشرة لكنه يصر على أن اصطحبه معي. علام قر قراري؟ قلت أمشي كيفما اتفق. أمر من أمام بيت أبي رياض و أنظر في شجرة التين لعلني أجد بعض حبات ناضجة فاتناولها.
هكذا أفعل أحيانا ،لا لأنني من بخلاء الجاحظ وإنما لأن تناول التين من على الشجرة مباشرة له طعم مختلف وهذا ما خبرته قبل أربعين عاما وعامين أو و أربعة أعوام.
لم نكن نشتري التين فقد كنا نأكله عن الشجرة مباشرة بعلم أصحابها أو بمغافلتهم كما لو أننا لصوص أو طيور.
ليعتبرنا أهالي الكرم أو الشجرة طيورا. نسيت أنني أتمشى لحرق فائض السكر في دمي واقتربت من شجرة جارنا وتناولت خمس حبات تين سودا- في روايتي “الوطن عندما يخون ” كنت أرى الفتيات اللاتي عرفتهن حبات تين سودا اقطفهن من الشجرة مباشرة- تركت الشجرة ولم اقطف المزيد ولكني لاحظت آثار الطير على حبات تين عديدات.
قلت: إن لامني أهل المنزل على فعلتي فسوف أجيب: اعتبروني طيرا. وتذكرت قصيدة مظفر النواب التي يحن فيها إلى وطنه والإقامة فيه ولو كان نصيبه في هذه الدنيا كنصيب الطير. -أعني قصيدة “ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة “.
واصلت سيري وبدلا من أن أذهب إلى المدينة لأجلس في شقتي أو لاتسوق من ال (مول ) وجدتني أجلس في محل يبيع البوظة والبشار وال (كوكتيل ).
وهفت نفسي على البوظة ولم أقاوم نفسي وكنت أعرف أن البوظة ترفع السكر. يا لنفس المصاب بداء السكري كم هي إمارة بالسوء! تناولت قرطوسا من البوظة وجلست على الرصيف أتأمل المشاة والسيارات والفضاء.
فجأة اقتربت مني طفلة صغيرة بيضاء بصحبة طفل صغير أسمر البشرة سمرة داكنة- كما لو أنهما بوظة بلونين هما اللون الأبيض والكاكاو.
همست لي الفتاة التي تكبر الطفل بعام أو بعامين: -أخي أضاع النقود ويريد أن يشتري بوظة.
قلت لها: ادخلي إلى المحل وقولي هذا لصاحبه فلعله يعطيك. -لقد قلت له هذا ولكنه طردني وأخي يبكي. سألتها عن اسم عائلتها فأخبرتني.
أعرف عائلتها من خمسين عاما وأكثر. لاجئون مثلنا من المخيم وصاحب المحل أيضا لاجيء مثلنا ولكنه صاحب محل والعمال عمال يسألون في المساء عن الغلة حتى لا يخسر صاحب المحل.
هل يلام العمال على طردها؟ امعنت النظر في الفتاة وعادت بي الذاكرة إلى عقود خلت وإلى سنوات عديدة. مرة كنت في عمان المدينة ذاهبا إلى الزرقاء.
كان هذا في العام 1972. سألني طفل باكستاني بالإنجليزية عن إمكانية مساعدته باجرة الحافلة فهو من الزرقاء ولا يملك الأجرة للعودة إلى بيته. نقدته خمسة قروش ولم أعرض عليه أن يسير معي لادفع عنه الأجرة.
سرت ثم التفت خلفي فإذا به يكرر الطلب من شخص آخر ،فادركت آن الطفل يمتهن التسول وأنه يكذب ولم اكن يومها قرأت المقامة الساسانية لبديع الزمان الهمذاني.
هل الطفلة هذه تكرر فعلة ذلك الطفل الباكستاني؟ هل هي تفعل ما تفعله كلما هفت نفسها ونفس أخيها على البوظة؟ هل تمثل حقا؟ ناولت الطفلة شيكلا لتشتري لاخيها فطلبها اقتصر على تلبية حاجة أخيها.
لقد طلبت من أجله هو ولم تقل نريد أنا وهو. ذهبت الطفلة واشترت البوظة للطفل وجلسا على الكراسي حول الطاولة.
كان الطفل يأكل البوظة والطفلة تطلب منه أن يطعمها وكان يتردد ،فناديت عليها ومددت يدي لها بشيكل ثان وقلت لها: اشتر لك. ترددت الطفلة بكبرياء وانفة ولم يطل ترددها. تناولت الشيكل وذهبت لتشتري.
في هذه الأثناء تهاوش شابان معا.أحدهما غار على فتيات كان الشاب الثاني كما قال الشاب الأول ينظر إليهما. -هل ترغب في أن ينظر أحد إلى أخواتك؟ وانفض الأمر بسلام بعد أن نفى الثاني مزاعم الأول.
أخذت الفتاة بوظتها وامسكت بيد الطفل وسارت. الدنيا حكايات وهي دوارة ،وقد تذكرت روز وفائزة وفندق عمرة أو كراون بلازا في العام 2003.
كانت روز أنهت التوجيهي بنجاح لافت وحق لها أن تدرس في الجامعة. وكانت تقيم مع أقاربها وامها وهي الآن بحاجة إلى أقساط وتعليم مواز . ماذا سأفعل؟ كنت عرضت عليهما زيارتي في نابلس حتى اتكفل بتعليمها.
مدت روز ورقة تظهر مقدار الأقساط التي علي أن أدفعها وكانت لا تقل عن ألفي دينار في العام عدا أقساط الفصل الصيفي. وفي العام التالي سيتضاعف المبلغ ففائزة أيضا ستدرس في الجامعة.
كنت أنظر إلى الطفلة القادمة من المخيم بصحبة طفل صغير أسمر البشرة سمرة داكنة ووجدت نفسي أتناول شيكلا فشيكلا آخر. وأنا جالس أخذت أتابع الطفلين يسيران باتجاه المخيم واتابع نهاية المشكلة بين الشابين وفي المساء فحصت نسبة السكر في دمي. كانت نسبة مرتفعة قاربت 200 إلا قليلا.
بحثت في الشبكة العنكبوتية عن أغنية الأطلال وأغنية رباعيات الخيام وبدأت أفرك قدمي عل الأوجاع تقل ونسبة السكر تنخفض وتذكرت روايات المخيم وصورته فيها وبدأت أخطط لكتابة دراسة في الموضوع.
صباح السبت 9/9/2017
رابط قصير:
https://madar.news/?p=56119



