ماتت ريتا حبيبة الدرويش دونما بندقيتها العسلية ..بقلم : حمدي فراج
مدار نيوز \
بضع كلمات ، في محيطات الكتابة و القراءة و الشعراء و الأدب و المشاعر ، صاغها محمود درويش عن حبيبته اليهودية “ريتا” ، في مطلع الحياة و الصبا قبل نحو ستين سنة ، جعلت منها ، أشهر امرأة إسرائيلية فلسطينية لبنانية ، و ما تيسر من أردنيين و مصريين و فرنسيين و ألمان ؛ إسرائيلية بحكم دينها اليهودي و صهيونيتها في الجيش و البعض يقول في الموساد ، و فلسطينية بحكم حبيبها و البعض يقول زوجها الفلسطيني الذي أصبح ابرز شعراء فلسطين و العروبة ، و لبنانية بحكم من حوّل الكلمات الى خبز و نبيذ كعشاء أخير على مائدة فقيرة لا تغيب ، مارسيل خليفة لحنا و كلمات ، و أردنيين بحكم غالبية فلسطينية ما زالت تنظر النهر المقدس ان يفي بوعوده السرمدية ان يحمل عودتهم الطائلة ، و المصريين بحكم انهم مذود الفن و الشعر و الأغنيات و فرنسيين بحكم ان الشاعر عاش هناك ردحا طويلا من عمره القصير ، و ألمانيا بحكم انها -ريتا- لفظت أنفاسها الأخيرة على أرضها رغم الافران التي أكلت أهلها و شعبها ، فجاءوا ليفتحوا أفرانهم الخاصة كما لو أنها علامة مسجلة . لم تكن الكلمات دررا أثيرة ، كما المتنبي أو البحتري ، و لا الأفكار التي حملتها القصيدة ، كما المعري أو الشابي ، ربما لأنه كان ما يزال غضا ، مطلع العشرينات ، لكن هذا “الحب” بين عدوين ، بين فلسطيني و إسرائيلية ، بين عربي و صهيونية ، بين مسلم و يهودية ، بين مناضل و مقاتل حرية ، و بين مستعمر لا ترى في عيونه “العسلية” غير الشر و السم الزعاف يستهدف اهم ما يستهدف مربض الحب ، القلب . و لهذا حضرت “البندقية” بشكل لافت لقتل هذه العيون العسلية و الفؤاد الغض و العصافير و المدينة و المواعيد الغفيرة ، لا تعرف بندقية من ، لكنها واحدة من كل هذه البنادق المحدقة ، و في مكان ما ، ربما كانت هي بندقيتها العسلية ، فقد نقل عن الشاعر قوله : انك تستهدفين قلبي “ﺭُﺑﻤﺎ ﻟﻢ ﻳﻜﻦ شيئًا ﻣﻬﻤًﺎ ﺑﺎﻟﻨﺴﺒﺔ ﻟﻚ يا ريتا، ﻟﻜﻨﻪُ ﻛﺎﻥ ﻗﻠﺒﻲ” . ألآن كلاهما تحت التراب ، الشاعر و الحبيبة ، و بإصرار غريب ، كما لو انه مطر سينفجر ، و هزيم رعد ، يقرر أن يأخذها معه الى حيث لا يذهب الا مخلدون ، انبياء و قساوسة و عباقرة و عمالقة و فقراء و عشاق و أطفال ، و كأن الشاعر الغض قد أوصل ريتته الى حيث أراد ، ان لا تلفظ أنفاسها الأخيرة في اسرائيلها ، و ان توصي بتعميم قصيدته الإنسانية العالمية الأممية “فكّر بغيرك” ، التي يحفظها الممثل الأمريكي العالمي ريتشارد غير عن ظهر قلب . بين “ريتا و عيوني بندقية / و الذي يعرف ريتا ينحني و يصلي لإله في العيون العسلية” و بين ” وأنت تعد فطورك ، فكّر بغيرك / لا تنس قوت الحمام / وأنت تخوض حروبك ، فكّر بغيرك / لا تنس من يطلبون السلام / وأنت تعود إلى البيت / فكّر بغيرك ، لا تنس شعب الخيام / وأنت تفكر بالآخرين البعيدين ، فكّر بنفسك / قل : ليتني شمعة في الظلام” . بين القصيدتين نحو خمسين سنة ، و نحو خمسين ألف طفل مع أمهاتهم قتلتهم بندقية “ريتا العسلية” و هم نيام في الخيام .
رابط قصير:
https://madar.news/?p=354749



