ما أوخذ بالمؤامرة يسترد بمثلها .. علي دراغمة
نابلس \ مدار نيوز \
كيف لي ان اصف لـ أمي وستي قطار عكا وبحر حيفا .. كنت اعتقد ان أمي وستي لم تشاهدا القطار ولا البحر في حياتهما .
بدا لي القطار ذاته الذي كان يظهر في الافلام المصرية التي كنا ننتظرها مساء كل يوم جمعة على التلفزيون الإسرائيلي .
كنا نادرا ما نسافر خارج القرية واذا ما تغير روتين يومنا نسافر للمدينة القريبة للعلاج او قضاء حاجه وسرعان ما نعود لنفس الروتين اليومي .
توجهنا في رحلة مدرسية مررنا من الاغوار نحو بيسان وطبيريا ومن ثم الى حيفا وعكا حتى بلغنا راس الناقورة .
شاهدت القطار والبحر وكان حلم تحقق لطفل لم يتجاوز عمر الـ 12 عاما ..ولا زالت تلك الرحلة عالقة في خيالي حتى يومنا هذا .
قبل ان تبدأ رحلة العودة كنت انظم الافكار بداخلي و كيف سأصف لعائلتي بحر حيفا وقطار عكا الذي يسير على سكك من حديد .
قلت في ذاتي سأقول لهم انه باص كبير مثل باص الحج يوسف الذي كان يسير في قريتنا صباحا ومساءا ..ثم راودتني فكرة اخرى ..قلت انه عدد من الباصات المتشابكة مع بعضها وليس له عجلات يسير على طريق خاصة به .
ولكن كيف اصف البحر …راودتني عدة افكار وكانت كلها صحيحة ولكن اردت ان احدث أمي وستي عن التفاصيل والنساء والرجال شبه عراة وبعضهم يتبادلون القبل على شاطئ البحر.
وقبل انتهاء مشوار العودة شاهدت انثى جميلة لا ترتدي الكثير من الملابس على جسدا منحوت ..بدت كأنها سمكة بوري طويلة قليلة الدهون ..بدت لي انها من عالم اخر وكانت تبيع بطاقات معايدة وعليها صور ..وهكذا انتهت مشكلة الوصف ..اشتريت منها عدد من البطاقات عليها صور للبحر وصور للقطار .
وعندما عدت فرحا بما حملت ذاكرتي من مشاهد غير عادية ..بدأت اخرج البطاقات واحدث امي وستي دون انقطاع عن رحلتي الى بحر حيفا وقطار عكا .
كانت المفاجئة عندما بدأت ستي ووالدتي تتبادلان الحديث عن زيارات حيفا وعكا في سنوات ما قبل النكبة ..فبدأ شغفي بالتهاوي وتحولت من متحدث الى مستمع .
انهت ستي الحديث بالقول ” الله يكسرهم الحكام ، ضيعوا فلسطين” .
منذ قالت ستي مقولتها تلك لم اعد اثق بحاكم عربي ولم تعد احلامي كما كانت قبل الرحلة المدرسية الى شمال فلسطين الطبيعية ..منذ ذلك التاريخ وانا احلم ان نعود الى بحر فلسطين وان يكون لدينا قطار ، وصارت ستي مرجعي الاول كلما سمعت او قرأت كتاب.
تعددت الرحل ولم اكن افوت اي رحلة مدرسية الى داخل فلسطين، وهكذا حملت ذاكرتي كل الطرق السريعة والبنايات المرتفعة والبحر والقطار والغابات الممتدة والسهول الخضراء .
فلسطين في ذاكرتي اجمل من العديد من الدول التي زرتها في حياتي، ولا يوازيها حب لاي مكان اخر .
اليوم ونحن نكافح مشروع اسرائيلي جديد اسمه ” التهجير والضم” يذكرنا بـ احداث النكبة والنكسة ..وكلاها مسميات لأحداث شريرة حصلت لشعبنا ولكنها مكونة من كلمة واحدة ملطفة كبديل عن الهزيمة والخسارة .
فهل يريدون لنا اليوم ان نقصر الذاكرة والمطالبة فقط بـ الاغوار وننسى النكبة والنكسة ؟ ستي توفاها الله منذ 30 عاما ولكنها دائما كانت تقول ” ما بضيع حق وراه مطالب” .
منذ 75 عامل يا ستي ونحن نطالب .. الحرامي يا ستي بده حرامي ليستطيع التعامل معه .
رابط قصير:
https://madar.news/?p=308817



