مسرحية “صاحب الصورة” مضمون فنتازي لشكل واقعي
مدار نيوز/بقلم الناقد المسرحي أ. سعيد سعادة/
تدور مسرحية “صاحب الصورة ” لكاتبها ومخرجها طاهر باكير، في موضوعها العام على محاكمة لثلاثة أطفال ـ فتاتان وولد ـ يراد منهم إنكار صاحب الصورة، والذي هو في حقيقة الأمر أبوهم، وذلك لكونه معاديا للحكومة والدولة، ما يجعله ذلك مجرما ومطلوبا لأجهزتها ورجال أمنها، ولعل ما يجسد هذا الفساد في الدولة هو أن المحكمة والمحاكمة أيضا، خارجتان عن نطاق المألوف والمعقول، حيث نرى هيأتها كلها، من قاض ومدع عام ومحامي الدفاع، يشربون الخمر في أثناء المحاكمة.
وهل هناك فساد أكبر من هذا، في مكان يمثل هيبة الدولة ومكانتها القضائية، وللإمعان أكثر في مسألة الفساد والظلم أن قاضي المحكمة ( السكير) ينصّب حاجب المحكمة وفراشها محام دفاع عن الأطفال، لكي يجرمهم بدل الدفاع عنهم، كون هذا الحاجب أحد أذناب القاضي الفاسدين والذي لا يختلف عن مدعي عام المحكمة، فهما ـ بفسادهما ـ يسعيان لتوريط الأطفال في جرائم لا يعرفون عنها شيئا. إذن مسرحية “صاحب الصورة” تحمل مضمونا فتنازيا قد تم وضعه في وعاء واقعي، والسؤال المطروح هنا : ما الرسالة التي أراد المخرج طاهر باكير ايصالها من عرضه هذا؟، وكذلك هل استطاع الوعاء الواقعي حمل هذا المضمون الفنتازي، والخارج عن المعقول والمألوف؟.
إن المسرحية ليس بها تعدد مكاني، ولا تكسّر زماني، بل هي تعرض مضمونها في مكان واحد، هو قاعة المحكة، وفي إطار زماني لا يتجاوز الساعة، وهو زمن المشاهدة، وهي، كما أسلفنا، عبارة عن محاكمة لأطفال، يتم من خلالها الضغط عليهم كي ينكروا أباهم، محاكمة يقوم بها رجال فاسدون يحتسون الخمر دون خجل أو تحفظ، حنى محام الدفاع بدلا من أن يقف ويدافع عنهم، نراه يقف ضدهم، لأنه، في حقيقة أمره، محسوبا على منظومة الفساد التي يمثلها كل من القاضي والمدعي العام، وحتى كذلك عندما يتعرف الأطفال على من يعرف أباهم ـ ويكون عمهم ـ ويطلبون شهادته، يقومون بتهديده بقطع رزقه، وملاحقته هو الآخر، إذا لم ينكر الشخص/ صاحب الصورة.
إن هذا المعطيات كلها، تضع المسرحية في بؤرة تركيز عالية جدا عند جمهور المشاهدين حول مضمونها، ما يجعل هذا الجمهور يشعل بالتعاطف الذي يصل حدّ الألم على هؤلاء الأطفال والمصير الذي سيؤلون إليه، لأنهم ومن خلال عملية التحقبق معهم نعلم أنه أطفال أبرياء ويدافع عن أبيهم، وهو أيضا نقي وبريء، على عكس رجال المحكمة الظلمة الفاسدين، ولعل من خلال هذا الطرح/ العرض، يدق طاهر باكير ناقوس خطر متوجها به إلى جميع الشرفاء وكل الأحرار ليفول لهم : أوقفوا المهازل والمهاترات التي يقوم بها كل المسؤلين الفاسدين في كل المواقع، وما جاء بالمحكمة بهذا الطرح الفنتازي إلا ليقول لنا، أيضا، إذا كانت المحكمة، والتي من المفترض أن تكون ذات هيبة ووقار تسعى إلى الحق وتطلبه، وهي تعد أهم جسم في الدولة، نراها بهذا الشكل الفاسد، فكيف إذن ببقية مؤسسات الدولة ودوائرها المختلفة.
وتجدر الإشارة إلى أن أداء الممثلين في المسرحية قد رسخ الهدف التي تريد ايصاله لجمهور المشاهدين، حيث أن هؤلاء الممثلين ـ عدنان بوبيلي، معتصم أبو الحسن، نور دولة، أمل تكروري، ديانا عاصي، ……. ، طاهر باكيرـ قد لفتوا أنظارنا بأدائهم الذي وصل حد الإبداع على مستوى الحوار، وكذلك على مستوى لغة الجسد، بحيث اتسم أداؤهم بالعفوية المبنية على حرفية ووعي في فن التكنيك التمثيلي وأسراره الفنية، بحيث لعبوا بقدراتهم وطاقاتهم على خلق تنائيات متناقضة ومتضادة، ثم قاموا بالمزج فيما بينها مثل: المضحك بالمبكي، والواقع بالفنتازي والأسود بالأبيض، والحقيقة بالوهم …، ولا ننس الدور الذان قاما فيه فني الصوت الفنان ياسر نابلسي، وفني الإضاءة الفنان أسيد نابلسي، حيث كان دورهما وظيفيا وليس تكميليا، ما خدم ذلك رسالة العرض بشكل فني جميل. إذن، وفي النهاية، فإن طاهر باكير مهندس العرض وبانيه، استطاع من خلال رؤيته النفاذة والحساسة، ومن خلال طاقمه الفني الجميل المبدع، أن يأخذنا إلى قضايا حساسة في المجنمع، من خلال وضع يده على جرح عميق يوجعنا جميعا بنزفه وألمه، وكل هذا لم يكن ليحدث لولا الإنسجام والهارمني الذي لمسناه عند طاقم العرض برمته.





رابط قصير:
https://madar.news/?p=185956



