مواجهات وتساؤلات: ماذا لو لم تحدث الانتخابات؟
مدار نيوز/ عليان صوافطة/
بقي المخيال الفلسطيني يتأمل حدوث الانتخابات العامة، وهو مخيال بالمعنى الدقيق في ظل الانكفاء الشعبي عن المطالبة بمثل هذا الحق الذي يتجاوز حدود المشاركة الديمقراطية والسياسية للأفراد، بقدر ما يُعبر عن محاولات جادة لإنهاء الانقسام السياسي بالحد الأدنى.
وإذ يتأمل المُتأمِّل انتخابات عامة بعد انقطاعها لسنواتٍ طِوال، تَشوّه خلالها النظام السياسي، وأصبحت مهمة الإدارة العامة محصورة في ثنائيات متصارعة، وبالتالي فقدت الاستراتيجيا الوطنية أدنى توافقات حزبية مُوَلِّدَة لقواعد لعبة مواتية لمناهضة سياق الاستعمار الاستيطاني بالمعنى التحرري، والأهم من ذلك أن ذات المواطن الذي لم يكن فاعلاً رئيسياً في مأسسة انقسام عام 2007، لم يكن فاعلاً بشكلٍ متواصل في المطالبة بتغيير سياسي على مستوى بنى الانقسام، وهو ذاته الذي حُمِّل إزر الانقسام بناءً على ما تم التوافق عليه بين فصائل العمل الوطني في حوار القاهرة.
يحدث بعد ذلك، أن يتجدد الأمل مرات ومرات، ومنذ حوار اسطنبول العام الماضي والكل يَتَرَقّب، الكل يترقب موارياً ترقبه بالأسئلة المشروعة، هل حقاً ستحدث انتخابات؟ ماذا عن دور محددات الذات الفلسطينية في تعطيل دوران عجلة الانتخابات؟ وفيما لو تجاوزنا ما هو ذاتي، كيف يُمكن مواجهة المحددات الموضوعية التي يفرضها كل من شرط الاستعمار الاستيطاني والفواعل الدولية؟ وماذا لو تأجلت الانتخابات بفعل التقاء وتداخل عدة عوامل في نقطة حرجة واحدة يُمكن أن تُفجّر الصورة بأكملها؟ هي كلها أسئلة برهن الإجابة في محاولة لتفكيك السياق، ولفهم اتجاهات الحالة الفلسطينية الخاضعة لادعاءٍ واضح قد يتحقق، هو ادّعاء التأجيل المرادف لإلغاء الانتخابات العامة الفلسطينية.
الانتخابات الفلسطينية في قلب اتفاقيات العملية السلمية، ربما تكون مراجعات اتفاقيات العملية السلمية مسير إلى الخلف في حقل ألغام، ولا سيما في ظل الاختلال الواضح لموازين القوى بين المستعمِر والمستعمَر، وعدم وجود كتلة دولية ضاغطة لإلزام إسرائيل بتطبيق ما تم الاتفاق عليه، وحالة ضعف الخيارات الفلسطينية التي جعلت من الالتزام الذاتي الفلسطيني باتفاقيات العملية السلمية أقرب إلى الالتزام الحديدي الناتج عن تفضيل نخبوي. وبذلك، فإنّ اتفاقيات العملية السلمية تبدو -رغم المقت الشعبي لها- حاضرة في كل المناسبات الفلسطينية، وهذا يأخذ كثيراً من المنطقية، إذ أنَّ النظام السياسي الفلسطيني برمته نتاج تلك الاتفاقيات التي ورد في نصوصها، وتحديداً في البند الثالث لاتفاق المبادئ (أوسلو 1)، تفصيلاً لعلاقة الانتخابات بالمواطن الفلسطيني من جهة، وعلاقتها بالنظام السياسي الفلسطيني والسلطات الاستعمارية الاستيطانية من جهةٍ أخرى، “ليتمكن الشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة من حكم نفسه وفقاً لمبادئ ديمقراطية، ستجرى انتخابات سياسية عامة ومباشرة وحرة تحت إشراف متفق عليه ومراقبة دولية متفق عليها، بينما تقوم الشرطة الفلسطينية بتأمين النظام العام”.
وفيما يتعلق بالقدس، ميدان المواجهة الحالية، والمدينة التي يشتعل فيها فتيل الحرب من جديد، نص الملحق الأول الخاص بشروط الانتخابات على أنّه “يحق لفلسطينيي القدس الذين يعيشون فيها المشاركة في عملية الانتخابات وفقاً لاتفاقية بين الطرفين”.
إن نقاش الانتخابات الفلسطينية من زاوية اتفاقيات العملية السلمية ربما يقودنا إلى ما هو أبعد من المعنى الإجرائي للانتخابات، إذ نصت ذات الاتفاقيات على أنّ الهدف النظري لتلك الانتخابات هو “تشكيل خطوة تمهيدية انتقالية هامة نحو تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني ومتطلباته العادلة”.
ويتضح من ذلك، أنّ الانتخابات لها ما بعدها على اعتبارها وسيلة وليست غاية، وهذه النقطة تدركها إسرائيل كقوة قائمة بالاحتلال جيداً. لكن، وبما أنَّ الخطوة التمهيدية الانتقالية -والتي يفترض منها الوصول إلى العتبة الأولى من حق تقرير المصير وبقية الحقوق الوطنية الفلسطينية- لم تتحقق خلال الفترة الانتقالية وما بعدها في ظل التعامل مع الانتخابات كغاية، فإنّ معنى الانتخابات يأتي في سياق مفرغ من أبعاده.
تقوم سلطات الاستعمار الاستيطاني بجهد مقصود من أجل منع الانتخابات التي من شأنها أن تؤدي إلى أي سبيل يُقرب من فرص تحقيق الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وفق قرارات مجلس الأمن 242 و338، وباتت مؤخراً تتعامل مع القدس انطلاقاً من تحديد صريح لملامح السيطرة الإسرائيلية اليمينية على واقع المدينة، بهدف إنتاج سيادة إسرائيلية نقية على المكان والزمان الفلسطينيين، وحسم القضية لصالح بنية مستدامة لما هو إحلالي عبر تفكيك البنى الأصلية للسكان المحليين.
عودةً إلى اتفاقيات العملية السلمية، طلبت السلطة الفلسطينية في 17 يناير الماضي من السلطات (الإسرائيلية) تسهيل إجراءات الانتخابات في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967 (م.ف.م)، وخصوصاً في القدس، إلّا أن الأخيرة لم ترد، بل وتحاول جاهدة منع أي حدث يتعلق بالانتخابات في القدس المحلتة، الأمر الذي يجعل من سيناريو عقد الانتخابات غير وارد بنسبة كبيرة، في ظل محدد موضوعي متمسك بطبيعته الاستعمارية الاستيطانية، ومنسلخ بقوته المادية والرمزية عن أدنى التزامٍ بما تم الاتفاق عليه. وبالتالي فإن تأجيل\الغاء الانتخابات يأتي كسيناريو متشائم، لكنه أكثر ترجيحاً في ظل جملة من المؤشرات التي تدلل على ذلك.
جدلية الانتخابات بين تأجيلها وحدوثها: مؤشرات تجيب
يأتي استقراء الواقع الفلسطيني بإشكالياته وتعقيداته بعدة مؤشرات لربما تكون ذات قدرة نسبية على حسم جدلية الانتخابات بتأجيلها، ولا سيما في ظل نشوء واقعة كلية سياسية اقتصادية صحية، تستطيع أن تُحرِّك بقوة الدفع ملف الانتخابات العامة الفلسطينية نحو خيار التأجيل على أقل تقدير، وهذا خيار يأتي بالدرجة الأولى نتاج الواقع الاستعماري الاستيطاني المرتبط بتساؤل ماذا سيحدث في الحالة الفلسطينية فيما لو أنّ الانتخابات لم تحدث؟
إنَّ الوضع القائم بالاحتلال، وسياسات الاستعمار الاستيطاني في م.ف.م، ولا سيما في مدينة القدس، من أكثر المؤشرات قدرة على تحليل وتفكيك جدلية الانتخابات، إذ تتعمد سلطات الاستعمار الاستيطاني توظيف كل أدوات السيطرة من أجل إنتاج واقع ديمغرافي يهودي مريح في المدينة، عبر استهداف المواطن الأصلي من خلال هدم البيوت، وتهجير السكان، والمضايقات اليومية، وما يتزامن مع ذلك من جملة من الأفعال الواعية والمقصودة الهادفة إلى إجهاض تمثيل المواطن ومشاركته في عملية الانتخابات، من خلال اعتقال مرشحين من مختلف الفصائل، ومنع الأحداث والمناسبات الانتخابية، والأهم هو امتناعها عن الرد على طلب السلطة الفلسطينية بإجراء انتخابات في القدس المحتلة كما في بقية مدن الضفة الغربية وقطاع غزة.
بقيت السلطة الفلسطينية تُردد أن “لا انتخابات بدون القدس”، فالقدس في حيز ما هو إداري عام تأخذ منذ بدء القضية رمزية السيادة والسياسة أكثر من كونها موضوعاً ذو معنى إجرائي\فني انتخابي أو حياتي فحسب، وقبول السلطات الإسرائيلية حدوث انتخابات فيها، ولو بشكلها الرمزي الذي يسمح بمشاركة 6300 مواطن فلسطيني مقدسي، يعني أن القدس لها رمزية رام الله ونابلس وغزة، وهذا ما لا تريده السلطات الإسرائيلية من الزاوية القانونية أو الرمزية، في ظل التمفصل مع عدة أسباب، أهمها أن الاتفاق على الانتخابات الفلسطينية جاء مُعبِّراً ولو بالمعنى النظري عن روح اتفاق بين حركتي فتح وحماس، وهذا يتناقض مع منظور العقيدة الصهيونية في التجزئة السياسية والاجتماعية، كما التجزئة الجغرافية، التي تتفاعل كمنظومات سيطرة تعيد تشكيل الفضاء الفلسطيني الجديد (بانتوستانات)، وبالتالي فإنَّ أي انتخابات تُبشِّر بإصلاحٍ سياسي وطني\سياساتي عام على المستوى الفلسطيني سترفضها إسرائيل، وستستسهل إقناع المنظومة الدولية بمنعها، انطلاقاً من تجربة انتخابية فلسطينية سابقة.
ومن جهةٍ أخرى يأتي قبول السلطة الفلسطينية إلى جانب بقية فصائل العمل الوطني حدوث انتخابات بمعزل عن مدينة القدس -وهو أمر غير وارد- شرعنةً حقيقية لواقع الاستعمار الاستيطاني في المدينة، وهذا أيضاً ما لا تريده السلطة ولا الفصائل. فالقدس تمدُّ القوى السياسية الفلسطينية بالشرعية التقليدية والثورية حتى في ظل غياب الشرعية القانونية التي تنتجها صناديق الاقتراع. ولهذا فإنّ فقدان رؤية عامة ورسمية تقود الاشتباك مع واقع الاحتلال في مدينة القدس، يجعل سيناريو تأجيل\الغاء الانتخابات يظهر بنسبة أكبر في هذه الأيام.
يأتي تغير التوافق على قواعد اللعبة الفلسطينية كمؤشرٍ آخر، أي أنَّ هناك جزء كبير من ما تم الاتفاق عليه في حوار القاهرة بين كل من حركة فتح وحماس وبقية فصائل العمل الوطني لم يتحقق، وخصوصاً حول ما برز من محاولة لتسويق فكرة القائمة المشتركة بين حركتي فتح وحماس، من أجل تجنب جزء كبير من التعقيدات التنظيمية\الحركية داخل كلا الفصيلين الكبيرين والمسيطران على السواد الأعظم من الجمهور الفلسطيني. لكنها فكرة باءت بالفشل في ظل الإطار الزمني الذي أُعلنت فيه الانتخابات، إذ أنَّ الوقت العاجل الذي تم الاتفاق عليه بين فصائل العمل الوطني، وفي ظل انقطاع الانتخابات لخمسِ عشرة عاماً، وفي سياق الاستعمار الاستيطاني، فإن الانتخابات لا يُمكن أن تحدث لا من الزاوية التقنية ولا من الزاوية السياسية لها، والإطار الزمني هنا يأتي كمؤشرٍ ثالث.
إنَّ فقدان الكتلة الوطنية الواحدة هو مؤشر ذو أهمية كبيرة، أي أنَّ فقدان التواصل والحوار الفعال بين مختلف الكتل الانتخابية وفصائل العمل الوطني في السياق الفلسطيني له ما بعده، إذ أنَّ في هذه المرحلة الحرجة كان يجب على كل القوى الوطنية والسياسية والكتل الانتخابية أن تتعاون على إنتاج أداة ضغط جديدة أو برنامجاً مرحلياً يضمن واقع القدس فلسطينياً في ظل التهديدات المباشرة له، ويضمن استمرار العملية الانتخابية بدلاً من التنافس في دائرتها المفرغة فحسب، لأن الانتخابات المطلوبة في هذه الظرفية السياسية هي انتخابات وطنية-ديمقراطية وليست حزبية-ديمقراطية. ولذلك فإن غياب التواصل الوطني الفعال يُبقي القدس خارج إطار العمل الهادف للفصائل، ولا سيما تحت وطأة اللجوء الكلاسيكي إلى منظومة التدخل الدولي التي تنقسم بطبيعة الحال بين مؤيد ومحايد ومعارض للانتخابات العامة الفلسطينية.
الفواعل الدولية: قراءة في المواقف
بدت الانتخابات العامة الفلسطينية في عين جموعٍ لا بأس بها من المحللين والمراقبين كمطلبٍ دولي-أمريكي خالص، ولا سيما بعد قدوم الرئيس الأمريكي المنتخب “جو بايدن”، والذي يُراهن من جديد على إعادة تشكيل توازنات الشرق الأوسط وتعددية الأطراف فيه. إلَّا أنه ومن الملفت للنظر، أنّ ذات الولايات المتحدة -حتى هذه اللحظة على الأقل- لم تُصدر موقفاً واضحاً حول عملية الانتخابات، فيما لو كانت مع إجرائها أو ضدها، بل أكدت في كل مرة على أن الانتخابات شأن فلسطيني متروك للقيادة الفلسطينية. في حين يبدو ذلك الموقف الضبابي كورقة اختبار للقيادة الفلسطينية من جهة، وكفعلٍ مسبق ومبني على جميع التوقعات المتفائلة والمتشائمة وفق الرؤية الأمريكية من جهةٍ أخرى. أي أنه وبمعنى آخر، يبدو للرائي أن الولايات المتحدة لم تدفع حتى اللحظة عجلة الانتخابات بشكلٍ واضح إلى الأمام لوجود احتمال فوز حركة حماس التي ما زالت حركة (ارهابية) وفق تصريحات الخارجية الأمريكية، رغم أن هذا أمر غير وارد لفصيل\حزب ما دون آخر، في ظل شروط النظام الانتخابي المعمول به في هذه الدورة الانتخابية.
إن تعامل الولايات المتحدة الأمريكية مع الممارسات الإسرائيلية في القدس المحتلة، ومحاولات الأخيرة تعطيل الانتخابات، وعدم السماح بإجرائها، يبدو كموقفٍ منحاز لممارسات المستعمِر على المستعمَر، إذ كانت واشنطن واحدة من الأطراف النشطة التي رعت اتفاقيات العملية السلمية، وهي أيضاً طرفاً وسيطاً في المفاوضات التي لم يُكتب لها النجاح، وفي ذات الوقت ما زالت تردد وتُحذر من المس بتمثال حل الدولتين المُهشَّم.
وبالتالي فإنّ دور الولايات المتحدة يظهر من جديد كدورٍ غير نزيه في عملية الاقتراب والابتعاد عن طرفي الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وهو دور مجرد من الالتزام الأخلاقي للفاعل في سياق وساطات الصراع والسلام.
ظهرت بوادر ترحيب حار من كل من: روسيا، والصين، والاتحاد الأوروبي، إذ رحبت كلها بنوايا عقد الانتخابات العامة الفلسطينية في منتصف يناير من هذا العام، عندما أُصدر المرسوم الرئاسي الذي نص على تتابع الانتخابات العامة الفلسطينية في دورة انتخابية واحدة. واعتبر الاتحاد الأوروبي أن الديمقراطية هي القاعدة التي تُبنى عليها مداميك مؤسسات الدولة الفلسطينية، وللوصول إلى حق تقرير المصير.
ووجه الاتحاد الأوروبي عبر ممثليه دعوة واضحة لتسهيل السلطات الإسرائيلية إجراء العملية الانتخابية في م.ف.م، بما فيها القدس، وقال ممثله في فلسطين أنَّ الاتحاد الأوروبي على جهوزية في دعم ومساندة الانتخابات الفلسطينية في التنظيم والتنفيذ والرقابة في كل م.ف.م، إلَّا أن سلطات الاستعمار الاستيطاني تحاول تكبيل عبور البعثات الأوروبية التحضرية للمراقبة على الانتخابات الفلسطينية عبر المطارات الإسرائيلية، في ظل تعقيدات التنقل خلال المعابر البرية الفلسطينية، وفي ذلك دليل آخر وواضح على أن ثمة سيطرة مقصودة تفرضها سلطات الاستعمار الاستيطاني على كل ما يتعلق بالانتخابات الفلسطينية.
اعتبرت روسيا الانتخابات العامة الفلسطينية جسر عبور نحو المصالة الفلسطينية واستئناف المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية. وعلى ضوء الممارسات الإسرائيلية في القدس المحتلة، فإنّ روسيا رفضت أي ممارسات من شأنها تقويض الحالة الفلسطينية، وإجهاض العملية الانتخابية بأي طريقة كانت.
وعلى غرار ذلك، قالت الصين أن إسرائيل ليس لها الحق في أن تقوم بتعطيل الانتخابات في كل الأراضي الفلسطينية، بما فيها القدس. وكذلك دعت المجتمع الدولي أن يقوم بدوره في سياق تعزيز الموقف والفعل الفلسطينيين في إجراء الانتخابات في م.ف.م.
على عكس مواقف الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، يبدو الموقف العربي في الآونة الأخيرة غير متماسكٍ ولا مبالياً بأي ملفٍ فلسطيني، باستثناء جمهورية مصر العربية التي استضافت الحوار الوطني الأخير، والمملكة الأردنية الهاشمية التي زار وزير خارجيتها الرئيس الفلسطيني محمود عباس، ناقلاً له رسالة جلالة الملك عبد الله الثاني، والتي جاء فيها اعتبارات أن “القدس خط أحمر، ولن نسمح لأحدٍ أن يغير الوضع القائم فيها”.
ومن الملاحظ، أن دولاً عربية أخرى تَظهر بدور الحياد المطلق من أي شأنٍ فلسطيني، ودول أخرى باتت تُظهر انحيازها لإسرائيل في عدة مواقف. ويرتد الموقف العربي المُشتت بشكل مباشر على الموقف الفلسطيني قوةً وضعفاً في مختلف القضايا الفلسطينية، كما في قضية الانتخابات على سبيل المثال.
إنَّ تعامل كل من روسيا والصين والاتحاد الأوروبي بشكل استثنائي وواضح مع ملف الانتخابات الفلسطينية، يُمكن فهمه من زاوية تطلع تلك الجهات إلى استضافة أي مؤتمر دولي للسلام في المستقبل القريب، على اعتبار أن الانتخابات الفلسطينية ستقود إلى شرعنه فواعل النظام السياسي من جديد، من أجل إعادة إنتاج محاولة دولية جديدة للتدخل في الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وظهر ما سلف مبكراً في المبادرة الصينية للسلام.
لكن يبقى السؤال الأهم أن تلك الجهات لا يُمكنها إجبار قوة قائمة بالاحتلال أن تُطبق القانون الدولي أو اتفاقيات معينة في جزئية الانتخابات، كما فشلت في عدة مواقف، فماذا لو لم تحدث الانتخابات؟
ماذا لو تأجلت الانتخابات؟
وفقاً لما تقدم من مؤشرات، واستناداً إلى معطيات سياقية خاصة بالظرفية الفلسطينية والتجارب الانتخابية، فإنَّ فرص حدوث الانتخابات أصبحت غير مرهونة بالإرادة الفلسطينية الذاتية فحسب، بقدر ما هي محكومة بشرطٍ موضوعي يتمثل بالاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي، وعلى افتراض أن الانتخابات لن تحدث، فإنَّ مرحلة ما بعد حوار القاهرة لن تكون كمرحلة ما قبلها، ولا سيما أن تأجيل\الغاء الانتخابات يعني تعثر فرصة قد تكون سبيل من سبل المصالحة الفلسطينية بين فصائل العمل الوطني، وبالتالي انهيار آمال أي عملية إصلاح للنظام السياسي برمته وللاستراتيجيا الوطنية بأكملها، وهذا له ارتدادات كبيرة على المجتمع الفلسطيني في م.ف.م، وعلى الفواعل السياسية، إذ أن فصائل العمل الوطني ستعاني من مآزق الشرعيات الواضحة، وخصوصاً تلك التي تعمل في الفضاء العام والإدارة العامة.
لا تنعكس مآلات تأجيل الانتخابات على فرص المصالحة فحسب، بل تمس بنية ورمزية ذات الفصائل المشاركة، فمثلاً نتج عن مرحلة ما قبل الانتخابات تشتت في حركة فتح، وظهور تيار جديد برئاسة ناصر القدوة. كما أن الأحزاب والفصائل الصغيرة أطلقت النار على نفسها، في ظل عدم قدرتها على الاتفاق على تشكيل جبهة تستطيع من خلالها فرض وزنها السياسي. كما أن حركة حماس ستبقى وفق المنظور العقائدي الكلاسيكي حركة غير قادرة، في ظل حركتها البندولية بين جبهة المقاومة، وبين مكاتب إدارة الدولة، وهذا له ما له من انقسامات على مستوى الحركة. بالاضافة إلى أنّ تأجيل الانتخابات يعدم بالمعنى السياسي نخب وبرامج سياسية لستة وثلاثين قائمة انتخابية.
إنَّ تأجيل الانتخابات في ظل عدم التمكن من فرضها في القدس، يدل على قصور حقيقي لكل فصائل العمل الوطني في تقديم بدائل ذات قدرة على الاشتباك مع واقع الاستعار الاستيطاني، وإجبار القوة القائمة بالاحتلال على قبول هذه العملية.
وبمعنى آخر، هو تفنيد حقيقي لوهم الحكم الذاتي الفلسطيني في ظل سطوة السلطات الإسرائيلية، وعدم اهتمامها بالتدخل الدولي، وهذا يدل على تغيير في نظرتها لركائز إدارة الصراع التقليدية من حيث الاكتفاء بقوتها المادية والانغلاق على نفسها بعيداً عن دور منظومة التدخل الدولي، الأمر الذي قد يُشبَّه بسكب الزيت على النار المشتعلة عند أعتاب المسجد الأقصى، فالمعركة أصبحت واضحة للجميع أنها معركة سيادة وسياسة، أكثر من كونها معارك من نوعٍ آخر، أو معركة انتخابية مجردة.
رغم كل التحليل السابق، ثمة أمل معقود على الأيام بأن تحدث الانتخابات، فهناك حاجة فلسطينية ووطنية مُلحّة لها. لكن، عدم حدوثها سيُمأسس لمرحلةٍ جديدة على مستوى الصراع الشعبي، وحتى الرسمي مع سلطات الاستعمار الاستيطاني، وفي القدس على وجه التحديد، الصراع الذي إن توفرت له قيادة سياسة حاضنة، سيتحول إلى انتفاضية جديدة في كل أرجاء الوطن، تُغير من موازين القوى التي استمرت لسنوات لصالح المستعمِر.
…………..
عليان صوافطة/ باحث في قضايا التنمية، ماجستير تخطيط وتنمية سياسية.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=210210



