“كان عنّا مطار”!..كتب يوسف الشايب
مدار نيوز : لا حقائب، ولا طائرات، ولا مضيفات في مطار القدس الدولي المعروف بـ”مطار قلنديا”، الذي كانت حركة السير على طريق القدس رام الله تتوقف عند هبوط الطائرات فيه وإقلاعها منه، إلا أنه بات الآن بعد خمسين عاماً على النكسة عبارة عن مدرجات وساحات مهجورة، وأعشاب يابسة وخضراء تنمو بين شقوق أسفلته، يحيطه جدار الضم والتوسع الإسمنتي البشع، وأبراج مراقبة عسكرية ومعسكرات الاحتلال ومنشآته الاقتصادية، وسط أحاديث عن نوايا احتلالية بتحويل أرض مطار القدس إلى مدينة استيطانية جديدة.
قبل العام 1967 كان المطار، الذي تبلغ مساحته 1100 دونم، يشهد حركة سياحية وتجارية نشطة، وشملت قائمة المسافرين عبره شخصيات سياسية واقتصادية واعتبارية شهيرة، إضافة إلى نجوم الفن العربي والعالمي، وذلك لأهمية القدس الدينية والسياحية، ولكن بعد الحرب و”النكسة”، امتنعت دول العالم من استخدام المطار لوجوده في أراضٍ محتلة، واستخدمته سلطات الاحتلال في رحلاتها الداخلية، وأغلقته أمام حركة الطيران في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى العام 2000.
وفي شباط 2012، حولت سلطات الاحتلال المطار إلى منطقة صناعية، بعدما سجلت لجنة التنظيم والبناء التابعة لبلدية الاحتلال في القدس الأرض المقام عليها المطار كأرض تابعة للبلدية ولدولة الاحتلال.
حكايات كثيرة عن مطار القدس، منها حكايات عابرة قصها رجال ونساء سبق أن سافروا عبر المطار أو استقبلوا فيه عزيزاً أو ودعوه، وكان والدي أحدهم .. “كان سعر تذكرة الطيران بين مطار القدس وعمّان ديناراً أردنياً فقط لا غير” ..”كنا نروح ونيجي عادي .. سافرنا عشان شهر العسل من مطار القدس، رحنا ع بيروت” .. “سافرت منه على تركيا، وألمانيا، ومصر، والكويت، ولبنان .. كل أسبوع كنت أسافر ع لبنان”.
والدي قال لي: كان لي عدة رحلات برفقة والديّ وبعض شقيقاتي من الكويت إلى فلسطين، عبر مطار القدس .. كانت بين الأعوام 1962 و1966 .. كنت لا أزال في المرحلة الابتدائية، أتذكر أنه كان يعج بالطائرات، ويأتيه ركاب من أنحاء العالم، كأي مطار آخر في العالم، وأتذكر أننا كنا نسافر منه إلى الكويت، والعكس، مباشرة .. لم تكن الرحلة طويلة أو مملة، خاصة أنني كنت أنتظر الوصول إلى فلسطين بفارغ الصبر.
وهناك ذكريات لا تفارق أصحابها، كذكريات يوسف حجار، وكان يعمل في المطار، ولا يزال يحتفظ بالعديد من تذاكر الطيران، وشهادة أول راتب له في العام 1956، وكان “7 دنانير أردنية” .. حجار لا يزال يتذكر تماماً يوم الثاني من أيلول في العام 1962، حين أقلته وعروسه طائرة خاصة إلى بيروت .. “وافق مدير المطار على أن نسافر أنا وعروسي وحدنا في الطائرة، برفقة قائدها وإحدى المضيفات .. كانت سابقة في تاريخ المطار”.
أما زميلته هانية ياسمينة، فلا تزال تتذكر كيف زار البابا مدينة القدس، عبر المطار، بعد أيام من خطبتها، وكيف جاءت لاستقباله وفود أقلتها طائرات من عدة دول في العالم.
كما تتذكر ياسمينة، وتقيم في العاصمة الأردنية عمان، عدداً من الفنانين العالميين، والعرب، ممن زاروا الأراضي الفلسطينية، أو عبروا مطار القدس في طريقهم لبلد آخر، ومنهم كاترين هيبر، وعمر الشريف، وفاتن حمامة، وفريد الأطرش، ونجوى فؤاد، بل وتتذكر حوارات بعضهم معها ومع العاملين في المطار .. إضافة إلى عدد من الزعماء، مشيرة إلى أن العاهل الأردني الراحل الملك حسين بن طلال، كان يزور المطار بشكل مكثف، وكان أحياناً يقود الطائرة بنفسه.
نورما حاطوم، لا تزال تقيم في “حارة المطار”، رغم أنها باتت منطقة شبه معزولة خلف الجدار، بل إنها مهددة بالعزل بأبواب وأسلاك شائكة، ما قد يتطلب تصاريح خاصة لدخولها وخروجها، هي وبعض العائلات التي لم تغادر المنطقة.
حاطوم تتذكر الكثير من التفاصيل عن المطار، كون سطح منزلها القريب منه كان بمثابة برج مراقبة .. “كنا نصعد إلى السطح حين نعلم أن شقيقي أو أي من أقاربنا قادم على متن طائرة ما .. وحين نلمح الطائرة تقترب من الهبوط نهرع إلى المطار .. كنا بطبيعة الحال نصل قبل الطائرة”.

وتترحم حاطوم على زمن كان فيه للمطار، الذي وصفه أحدهم بأنه “حزين .. يئن .. ويبكي”، حكايات جميلة، إلا أنها على قناعة كاملة بأن “الحق لا بد من أن يعود لأصحابه ذات يوم”، آملة بأن يأتي اليوم وهي على قيد الحياة.
وكانت المخرجة ناهد عواد أخرجت فيلماً عن المطار، وذكريات العاملين فيه، قبل تسع سنوات، أي في العام 2008، كما أقامت معرضاً لمقتنياتهم في رام الله، حمل ذات عنوان الفيلم “خمس دقائق عن بيتي”، وكانت الدعوة الخاصة بحضور عرض الفيلم في رام الله عبارة عن تذكرة طيران تعود إلى 15 آذار من العام 1960، مختومة بختم شركة الطيران الأردني – القدس، وفي أسفلها عبارة “حضرتكم مدعوون في رحلة إلى مطار القدس”، ومن ثم تفاصيل العرض وموعده ومكان استضافته، هو الذي ينتهي بصوت عواد نفسها، وهي تقول بما يختصر كل الألم الفلسطيني جراء الاحتلال: “الجدار عم يطول ويمتد كل يوم .. عم يغطي عليّ منظر المطار .. يمكن أفضل ما أشوفه .. هيك بيضل معي القصص اللي سمعتها، وصورة المطار أيام عزّة .. يمكن أحسن ما أضل أشوفه، وأنا ما بقدر أسافر منه، أو حتى أقرّب عليه”.
لم تعد المضيفة تصدح عند وصول الطائرة قادمة من عاصمة أوروبية أو عربية “حضرات السادة المسافرين .. هنا القدس”، لكن الكثيرين يتذكرون ويتحسّرون “كان عنّا مطار”.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=43533



