الشريط الأخباري

حواجز الموت والوداع.. كيف يحول الاحتلال مقابر الضفة إلى ثكنات عسكرية؟

مدار نيوز، نشر بـ 2026/07/02 الساعة 7:06 مساءً

مدار نيوز \

لم تعد المقابر في الضفة الغربية ملاذاً للسكينة، بل تحولت إلى ساحات مواجهة مفتوحة يفرض فيها الاحتلال الإسرائيلي سطوته حتى على الموتى. وثقت مصادر حقوقية وشهادات ميدانية تحويل الجنائز الفلسطينية إلى إجراءات أمنية مشددة تتطلب تصاريح مسبقة وتخضع لرقابة الطائرات المسيرة والجنود المدججين بالسلاح، مما يفرغ لحظات الوداع من قدسيتها الإنسانية والدينية.

في مدينة الخليل، وتحديداً في أكتوبر 2025، واجهت عائلة المواطن مراد النتشة واقعاً قسياً حين رفضت سلطات الاحتلال السماح بدفن والده في مدفن العائلة بمقبرة الرأس. اضطرت العائلة لتنفيذ عملية الدفن سراً وخلال دقائق معدودة خشية الصدام مع الجنود الذين حاصروا المكان، في مشهد وصفه النتشة بأنه ‘أسرع جنازة’ رآها في حياته، حيث غاب عنها الدعاء والوداع اللائق.

هذه السياسة ليست وليدة الصدفة، بل هي منظومة تشكلت تدريجياً على مدار عقدين، وتوسعت مع بناء جدار الفصل العنصري الذي عزل بلدات كاملة عن مقابرها التاريخية. في بلدة السواحرة، أصبح الوصول إلى مقبرة جبل المكبر مشروطاً بالمرور عبر حاجز ‘الشياح’ العسكري، الذي بات يلقب بـ ‘حاجز المثوى الأخير’ نظراً للإجراءات المهينة التي يتعرض لها المشيعون.

وتشير معطيات الهيئة العامة للشؤون المدنية إلى أن التنسيق الأمني أصبح شرطاً لازماً لدفن الموتى في مناطق التماس والمناطق المغلقة، بمعدل يصل إلى 100 حالة شهرياً في الخليل وحدها. تشمل هذه الشروط تحديد هوية المتوفى، وعدد المشيعين الذي لا يتجاوز أحياناً عشرة أشخاص، بالإضافة إلى فرض وقت زمني صارم لعملية الدفن لا يتعدى الساعة الواحدة.

مع اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، انتقلت هذه القيود لتشمل قرى وبلدات جديدة مثل ‘أم صفا’ شمال غرب رام الله، حيث فصلت البوابات الحديدية والسواتر الترابية القرية عن مقبرتها. يضطر الأهالي هناك لحمل الجثامين على الأكتاف والسير بها عبر طرق وعرة وخطيرة للوصول إلى مثواهم الأخير، في ظل رفض متكرر لمنح تصاريح الدفن في الأوقات الطبيعية.

وفي شمال الضفة الغربية، وتحديداً في جنين وطولكرم، وصلت هذه السياسات إلى ذروتها مطلع عام 2025، حيث مُنع الدفن نهائياً في مقابر داخل مخيم جنين. انتشرت الآليات العسكرية في محيط المقابر البديلة، وسجلت مصادر محلية عشرات الحالات التي خضعت لتنسيق أمني مشدد، مما دفع العائلات للبحث عن بدائل بعيدة عن مراكز سكنهم.

لا تقتصر المعاناة على لحظة الدفن، بل تمتد لتشمل حرمان الأحياء من زيارة قبور أحبائهم، حيث تحولت المقابر الواقعة خلف الجدار أو قرب المستوطنات إلى مناطق عسكرية مغلقة. يروي مسنون من القدس والخليل بحرقة كيف تمر السنوات دون أن يتمكنوا من قراءة الفاتحة على قبور زوجاتهم أو آبائهم، معتبرين ذلك ‘قهراً يفوق احتمال البشر’.

أعمال الصيانة والترميم في المقابر التاريخية لم تسلم هي الأخرى من المنع، إذ يتطلب إزالة الأعشاب أو إصلاح الشواهد موافقات أمنية معقدة قد تستغرق أشهراً. وفي مقبرة ‘الخطيب’ بالخليل التي يعود تاريخها لستة قرون، يُمنع الدخول إلا لعدد محدود جداً وتحت مراقبة لصيقة، مما جعل القبور عرضة للإهمال واعتداءات المستوطنين المتكررة.

سائقو سيارات نقل الموتى وحفارو القبور باتوا جزءاً من هذه الدائرة الأمنية، حيث يُطلب منهم تقديم إحداثيات دقيقة لموقع القبر على الخرائط الجوية قبل البدء بالحفر. وفي حالات عديدة، تدخل الجنود لوقف عمليات الحفر بحجة عدم وجود تنسيق، مما أدى إلى احتجاز الجثامين داخل السيارات لساعات طويلة في انتظار ‘ضوء أخضر’ من ضباط الاحتلال.

يؤكد ناشطون حقوقيون أن الاحتلال يسعى من خلال هذه الإجراءات إلى فرض سيطرته الكاملة على الجغرافيا الفلسطينية، بما في ذلك المساحات المخصصة للموتى. ويرى الناشط عيسى عمرو أن تحويل الحزن إلى عملية تنسيق وحسابات أمنية يسلب الجنازة بعدها الإنساني ويضاعف المعاناة النفسية للعائلات المكلومة، محولاً الوداع إلى تجربة خضوع.

من الناحية الدينية، اعتبرت وزارة الأوقاف الفلسطينية أن هذه القيود تمثل اعتداءً صارخاً على حرية العبادة وحرمة الموتى التي كفلتها الشرائع السماوية. وأشارت الوزارة إلى أن منع الصلاة على الميت وتحديد أعداد المصلين يمثل حرماناً من أداء شعائر أساسية، وهو ما يتنافى مع أبسط قيم الكرامة الإنسانية التي يجب أن تُحترم في كل الظروف.

قانونياً، يشدد خبراء القانون الدولي على أن الفلسطينيين في الضفة الغربية هم ‘أشخاص محميون’ بموجب اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949. وأوضح الدكتور رزق شقير أن أي قيود على الدفن لا تستند لضرورة أمنية حقيقية ومباشرة تعتبر مخالفة جسيمة للقانون الدولي الإنساني، داعياً المؤسسات الدولية للتدخل لوقف هذه الانتهاكات.

تقارير مركز ‘بيتسيلم’ الحقوقي أكدت أن هذه الممارسات ليست حالات فردية، بل هي سياسة ممنهجة تهدف إلى التضييق على الفلسطينيين في كافة مناحي حياتهم ومماتهم. ورصد المركز اعتداءات مباشرة بالغاز وقنابل الصوت على مشيعين، مما أدى في بعض الأحيان إلى تفريق الجنائز وترك الجثامين دون إتمام مراسم الدفن الشرعية.

تظل المقابر في فلسطين شاهداً على صراع لا ينتهي، حيث يصر الفلسطيني على التمسك بأرضه حتى وهو يغادرها إلى الأبد. ومع استمرار غياب المساءلة الدولية، يبقى ‘حاجز المثوى الأخير’ رمزاً لواقع مرير يواجهه شعب يُحرم حتى من حق الوداع الهادئ، وتظل قبوره رهينة لقرارات عسكرية وتصاريح أمنية مسلوبة الإرادة.

رابط قصير:
https://madar.news/?p=361524

تعليقات

آخر الأخبار

اسرائيل تستقدم 5 الآف عامل اجنبي

الخميس 2026/07/02 6:32 مساءً