كرات البذور: طريق إلى معالجة المناطق القاحلة في فلسطين
“الإصلاح الزراعي هو حجر الزاوية في أي ثورة. فليست هناك حكومة يمكن أن تصف نفسها بأنها حكومة ثورية، إذا لم تنفذ برنامجا جذرياً للإصلاح الزراعي.” آرنستو جيفارا
كرات البذور، والمعروفة أيضًا باسم “كرات الأرض ” أو ناندو دانغو في اليابانية. تتكون هذه الكرات من مجموعة متنوعة من البذور المختلفة المخلوطة في الكرة الطينية، ويفضل الطين الأحمر البركاني في خليط الطين والبذور، يمكن إضافة مواد مضافة مختلفة، مثل الدبال أو السماد، حيث يتم اضافتها لتوضع في مركز الكرة الطينية لتوفير خلق البيئة البكتيرية المناسبة. وفي بعض الأحيان يتم خلط العجين (بذور +طين +سماد) في بعض الالياف القطنية أو الورق النباتي (مثلا: قش) من أجل تقويته وزيادة صلابته.
يعمل الغلاف الصلب على حماية البذور الموجودة في الداخل من الطيور والحيوانات الجائعة، فبدون هذا الغلاف الصلب يمكن للبذور أن تظهر على سطح التربة وتتعرض للجفاف من خلال تعرضها لأشعة الشمس أو تنجرف مع الرياح الشديدة أو الأمطار الغزيرة. مما يؤدي إلى تقليص كمية البذور التي نتركها لتنمو في التربة.
تم إعادة اكتشاف تقنية إنشاء كرات البذور من قبل فيلسوف الزراعة الطبيعية ماسانوبو فوكوكا الياباني1، الذي كان يعتبر الأب الروحي للزراعة الطبيعية والذي نادى لاستخدام أساليب الزراعة دون استخدام الحراثة على الطريقة التقليدية للعديد من السكان الأصليين2. واستخدم أسلوبه الثوري في الزراعة بالزراعة الطبيعية أو “الزراعة دون استخدام أي شيء”3.
مع العلم انه تم استخدام هذه التقنية في مصر القديمة لإصلاح المزارع بعد الفيضان السنوي لنهر النيل4. اما في العصر الحديث، وخلال فترة الحرب العالمية الثانية، أراد هذا العالم فوكوكا والذي عاش في جزيرة شيكوكو الجبلية، العثور على تقنية من شأنها زيادة إنتاج الغذاء، حيث قام حينها بإعادة إحياء واكتشاف كرات البذور.
آلية الإعداد المبدئية لكرات البذور وفق فوكوكا
حصة واحدة: بذور جافة تخلط مع جميع أنواع النباتات المطلوبة
* ٣ حصص: سماد جاف (ممكن إضافة الميكروبات الفطرية) للتربة (بالإضافة إلى 10٪ طارد طبيعي).
* ٥ حصص: طين أحمر جاف، ناعم ومنخول، لا ينصح بوضع طين رمادي أو أبيض.
تخلط المكونات الجافة، وتخلط البذور مع التربة المغربلة، ثم الطين، ثم نضيف:
* حصة او حصتين من الماء- الماء يضاف بكميات قليلة جدا في كل مرة حتى يصبح مزيج الطين قابلاً للتدوير (عمل كرات) بسهولة.
* من المهم ترك الكرات لتجف في مناطق فيها ظل، وليس تحت أشعة الشمس المباشرة.
استهداف المناطق القاحلة أو الجافة عالمياً
الفكرة من كرات البذور أن يتم استهداف منطقة كاملة والقاء كميات كبيرة من كرات البذور ومع وفرة المياه (الأمطار)، وضوء الشمس الكافي، يمكن للأراضي القاحلة ان تتحول لأراضٍ خضراء، مع مرور الوقت ظهر مصطلح “تفجير البذور”
أو بالإنجليزيةseeds bombing في مناطق متعددة في العالم على سبيل المثال تستخدم آلية تفجير البذور على نطاق واسع في أفريقيا، وخاصة في كينيا حيث يتم صنع مئات الآلاف من كرات البذور باستخدام الفحم الحيوي حيث تم نشرها في مناطق جرداء. ومع التطور التكنولوجي، يتم الآن وضع محتويات بعض كرات البذور في حاويات قابلة للتحلل البيولوجي مع نمو البراعم، تتحلل تلك الحاويات في التربة6.
فلسطين وكرات البذور
في فلسطين أيضا هناك عدة مبادرات لاستخدام كرات البذور، كانت بداياتها في مطلع عام ٢٠٠٢ من قبل المهندس الزراعي سعد داغر الذي يقول في مقابلة له عن استخدام كرات البذور الطينية: “هي كرة من التراب الذي نغربله ونجبله بالماء ونضع فيه البذور، ثم نلقي بها على الأرض قبل مواسم المطر. في هذه الكرات نستطيع أن نزرع الأرض البور بمختلف المحاصيل من دون حراثتها. بل إن التشققات الموجودة داخل الصخور تستطيع أن تستوعب هذه الكرات”7
يمكننا أيضا ان نستخدم كرات البذور في أي منطقة في فلسطين ممكن أن تنمو فيها النباتات، وذلك من أجل إعادة تكاثر النظم البيئية إلى المناطق القاحلة او الصحراوية (والتي أصبحت كذلك بفعل الانسان)، كرات البذور آلية جيدة لتجنب أكل الحشرات والحيوانات للبذور المنثورة على الطريقة التقليدية، فهي حماية لها إلى حين هبوط الأمطار حيث تنقع الكرة الطينية بالمياه وتحفّز البذور أن تنبت. مع الأخذ بعين الاعتبار ان البذور الموجودة في الكرات تنبت في ظروف مناخ مواتية أو ملائمة للمنطقة الجغرافية المستهدفة.
كرات البذور يمكننا استخدامها ونشرها في فلسطين، لإعادة التنوع الحيوي، ومعالجة المناطق القاحلة او الصحراوية، بجهد جمعي نستطيع ان نخلق واقع إيجابي مختلف. يمكننا أيضا تطبيق التجربة الكينية على سبيل المثال، حيث يتم عمل الملايين من كرات البذور بشكل تفاعلي من قبل جمعيات بيئية ومدارس وسكان أطفال ونساء، حيث انه بالفعل تم تخضير مناطق صحراوية بهذه الطريقة لدرجة انه أصبح له أثرٌ ومردود على الاقتصاد الكيني8.
فلسطين كانت مصدراً ملهما للثورة الزراعية العالمية، وكما ذُكر سابقا أول من بذر في تربة الكون امرأة فلسطينية خارج كهف في قربة شقبا في مغارة قديمة في العصر النطوفي، حيث عُثر على بعض الأدوات الزراعية التي اتضح للجيولوجيين منها أن الفلسطينيين هم أول من مارس الزراعة في العالم وذلك قبل الميلاد بـ ٨٠٠٠ عام.
كرات البذور هي أداة مهمة من أدوات عديدة نستطيع ممارستها ودمجها بثقافتنا، هي أدوات بسيطة نستطيع استخدامها بعيدا عن الحلول الرسمية او السياسات الزراعية المطروحة، آخذين بعين الاعتبار تقاعس القطاع الزراعي الرسمي، وضرورة إيجاد حلول جمعية خارج المنظومة الاعتيادية.
للمزيد من المعلومات الهامة في هذا الصدد وفي الزراعة الطبيعية يوصى بقراءة ثورة القشThe One Straw Revolution للعالم ماسانوبو فوكوكا الياباني. يمكنكم تحميل الكتاب على الرابط التالي: http://arvindguptatoys.com/arvindgupta//onestraw.pdf
“خاص بآفاق البيئة والتنمية”- وطن- راية زيادة: مبادرة منجلة الزراعية
رابط قصير:
https://madar.news/?p=124939



