ماذا يريد محرر الأخبار؟ قمر 14 في نابلس!..جميل ضبابات
كان 26 نيسان( ابريل ) عام 1907 في نابلس يوما عاصفا خلال بحر النهار، وكان نهارا باردا جدا على أبواب الصيف.
كيف توصلت إلى رصد حالة الطقس هذه؟ سأقول وأكرر: هذه فائدة الصحافة التي توصف بأنها المسودة الأولى لتأريخ الحياة عندما تحتفظ لنا بصور الماضي التي نعيد تدويرها وقتما تقتضي الحاجة. لكم أن تتخيلوا قاع المدينة في ذلك اليوم مستندين الى صور مرسومة في الخيال.
ولكم أن تتخيلوا جبليها العاليين الباردين من تجاربكم الشخصية في مواجهة هوائهما البارد.
ولكم أن تتأكدوا أن مجتمع الاخبار يحتفظ لنا بصور جميلة من رومانسيات التاريخ في المدينة.
هل هذا ما يريده محرر الأخبار؟ هذه المسألة لم تبرح ذهني منذ أعلن من قبل وكالة الفضاء الأمريكية(ناسا) قبل نحو اكثر من اسبوع عن ظهور قمر” سوبر” كبير أكثر اشعاعا لم تشاهده أجيال مختلفة منذ نحو 70 عاما.
فجرًا، اضطررت مرة أخرى لإعادة قراءة الريبورتاج الصحافي الطويل جدا-اكثر من 4000 كلمة- للبحث عن وصف القمر المكتمل الذي ورد في المتن الذي حول من النسخة الورقية الى الكترونية في السنوات الماضية.
صدر الريبورتاج في المجلة الشهرية (ذا اوبن كورت) وكاتبه الصحافي ويليام بارتون في المجلة الشهرية التي كانت تصدر حينذاك في شيكاغو ،واصفا فيه المدينة وقمرها فوق جرزيم .
وهذا ما حصل في الليل الذي اعقب ذلك النهار: انقشعت غيوم النهار تماما، الا ان الهواء لم يسكن. لكن السماء صارت صافية جدا، واطل الوجه البهي؛ قمر مكتمل واسع ناصع رسا في سماء المدينة، أثار انتباه بارتون.
منذ ان تكثفت الرحلات الإيمانية المسيحية نحو هذه البلاد والتي كان المشاركون فيها يصلون الينا في نيسان( ابريل) لحضور احتفالات إحياء أعياد العهدين القديم والجديد ظهر القمر المكتمل في تقارير الكثير من الصحافيين الذين غطوا تلك الاحتفالات.
اذ كان نيسان شاهدا على ظهور الاقمار المكتملة. وهكذا دخلت علوم الفلك الى التغطيات الاخبارية بدون اتفاق مسبق بين الصحافيين المترعين بالروايات التي يقدمها العهد القديم، والذين غطوا قصصهم لمجلات دينية وأخرى كلاسيكية فسيفسائية المواضيع. ولكم ان تتخيلوا ماذا حدث في الليل الذي اعقب ذلك النهار البارد في نابلس!.
لكم ان تتخيلوا هذه الإثارة التي تقدمها القصص الصحافية قبل قرن، وننتظرها اليوم لتحدث مرة اخرى. في الشهر الأخير من نهاية العام الفارط دونت في مذكراتي الإلكترونية أحاديث مجتمع الاخبار عن القمر المكتمل في نابلس.
كانت أحاديث شحيحة، ذلك أن الصحافة المكتوبة اعتمدت غالبا على ترجمة المقالات الغربية، لكن الصحافة المحلية المصورة غطت جوانب مهمة لظهور الاقمار المكتملة فوق فلسطين.
في الحادي عشر من كانون اول( ديسمبر) 2015 بثت شبكة ABC نيوز الأمريكية خبرا أصبح بعد ساعات مثار تداول للكثير من المشتغلين في مجتمعات الاخبار من الغرب حتى الشرق .
في مقدمة قصتها القصيرة، قالت الشبكة أنه للمرة الأولى منذ عام 1977 ستحدث ظاهرة القمر المكتمل مع حلول عيد الميلاد( يسمى القمر البارد المكتمل او القمر قبل عيد ميلاد المسيح Moon before Yule).
وسيكون حجم الذروة في الساعة 6:11 صباحا بتوقيت ET وهو التوقيت الشرقي في الأمريكتين وكندا ومنطقة البحر الكاريبي .
أشير أيضا في القصة الإخبارية إلى أن تلك المعلومات أبلغ بها ناطق باسم وكالة الفضاء الأمريكية للشبكة التي علقت قائلة: إن سانتا كلوز سينعم بضوء القمر المكتمل وهو يغدق بهداياه هذا العام، وان ذلك لن يتكرر حتى عام 2034 حين سيكتمل في 3:54 صباحا.
ان ذلك القمر البدر المكتمل في نيسان( القمر الوردي المكتمل) هو ذاته الذي خيم على جرزيم وعيبال في الليلة التي كان فيها بارتون يعد ريبورتاجه الوصفي.
مرة أخرى تعود ناسا لبث الاخبار المثيرة، ويعود مجتمع الاخبار لتداولها. ويطوف الخبر معظم المواقع الإخبارية الغربية والشرقية.
ويطوف ايضا على السن الصحافيين هنا في مكاتب الصحافة في نابلس. هذه المرة سيحظى سكان المدينة بفرصة مشاهدة قمر اكبر من أقمار نيسان، وسيحظى الصحافيون: مصورون وكتاب ومنتجو افلام بفرصة تاريخية لتوثيق صورة وجه القمر الواسع.
سمعت منذ الصباح جلبة المصورين الصحافيين المتاهبين لالتقاط بهجة وجه البدر المكتمل، وشاهدت منشوراتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومنصات النشر الأخرى عن القمر الكبير الذي سيطل على هذا العالم.
انظر الى التغطيات الإخبارية منذ قرن وتداولها مفردة القمر المكتمل وفي ذهني الميثولوجيا البابلية التي جسدت الإله سين وهو اسم لاله القمر الذي كانت مسؤوليته الكبرى اعادة الحياة للبذور الصلبة وارسال المطر مدرارا وبث الندى فوق الارض وتفجير ينابيعها، حتى اعتقد البابليون ان قدرا سين تؤهله للسيطرة المطلقة على الارض والبشر.
وستكون عدسات كاميرات الصحافيين، وأقلام الكتاب الذين سيصورون القمر الكبير بحدقات قلوبهم، ستكون مع موعد سيد تلك الليلة بمفاهيم مختلفة: ليست ميثولوجية تماما وليست اجتماعية تماما.. وليست إخبارية وعلمية بشكل مطلق.
ليلة 14 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، سيكون حجم القمر أكبر بـ 14 في المائة من الحجم المعتاد، وأكثر إشراقا بـ 30 في المائة من متوسط إشراق القمر ليلة اكتماله.
إنه أكبر قمر في القرن الـ 21، وسيظل الاكبر حتى 25 تشرين ثاني( نوفيمبر) 2034. انه بالنسبة للرومانسيين سيكون قمر العشاق، وللعلميين سيكون قمر الحضيض، والباحثين في الميثولوجيا سيعودون للقراءة عن اله البابليين سين صاحب القدرات المطلقة.
ولنابلس، سيكون قمرها الذي التقطته أعين الصحافيين منذ عقود طويلة. حري بنابلس ان تسجل في سجلات صحافتها مرة أخرى هذه الظاهرة التي أعطت اعتبارا كبيرا للتغطيات الإخبارية في التاريخ الحديث.
يقول الفلسطينيون في مثلهم الدارج عندما يصفون وجه فتاة بوجه جميل مشرق ناعم : مثل قمر 14. ها قد تحقق المثل الذي يساوي بقيمته اللغوية إعلان ناسا .
انتظروه إذا لم تلبس السماء حجابا من الغيوم.
احتراز: هذا المقال هو انجاز تطوعي لموقع مدار نيوز.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=14761



