لو كنت رقما لانتحرت ..عماد الاصفر
مدار نيوز : ظهيرة الجمعة ثالث ايام العيد سجلت بلاغا لدى المباحث بسرقة لوحة سيارتي، لم يتعاطف معي الضابط ولم يبتسم، وانا لم استطع الابتسام ولكنني تعاطفت معه فهو يقضي العيد بعيدا عن اسرته وفي مكتب كئيب حار ، ترى لو كنت مكانه هل كنت ساشعر بالخجل والفشل من تقصير النظام في ردع الاشرار؟ كيف كنت ساعبر عن هذا الشعور؟ اتراني كنت سانفضه عن كاهلي بمقشة التبرير، الحمد لله انني لم اكن في مكانه.
ظهيرة السبت اول ايام ما بعد العيد، الرؤوس حليقة، وبنات ما قبيل المراهقة يتبخترن مزهوات ببناطيلهن البيضاء، امهات حديثات يتسوقن قرطاسية للاولاد، المدرسة على الابواب، اشترت سيدة كمية كبيرة من كاسات البلاستيك، يبدو ان والديها عادا من الحج، انا انتظر النادل لاطلب شايا، وهو يشير لي من بعيد ويسألني إسبريسو؟ لم اشأ ان اخيب ظنه، ولم اشأ ان اكسر هذه الالفة وهذا الاعتياد، لو كنت مكانه لفعلت مثله تماما، فماذا كان سيفعل لو كان مكاني؟
صبيحة الاحد، اول ايام الدوام، في موقف السيارات لم يساعدني الحارس على ركن سيارتي، لم يبتسم، لم يتقدم خطوة نحوي، انتظرني حتى اصل اليه، تمهلت محاولا اصطياد نظراته، لم افلح، وصلته ونقدته عشرة شواكل، رد لي ثلاثة بمنتهى البطء وكأنه يعاقبني، مرة اخرى لم استطع التبسم له ولا للكاميرا التي التقطت لي اربع صور اعطيت اثنتين منها للضابط.
اقسمت امام القاضي ان ما سجلته كاتبة الاستدعاء في مكتب الخدمات صحيح، الثواني العشرون التي استغرقها الامر لا تليق بهيبة القضاء ولا بعظمة القسم، ولا بكتاب الله الذي وضعت يدي فوقه، لو كنت قاضيا لتمهلت اكثر، ربما كنت سأسال كل زبون عن حاله، وكيف نام، ربما كنت ساصنع من كل حلفان يمين قصة ومع كل مراجع حكاية.
علي ان اصل وسط رام الله لوداع ابنتي سارة، صففت سيارتي في مكان ممنوع، لكنه لا يعرقل حركة المرور، لن تستطيع شرطة المرور القيام بواجبها ومخالفتي فليس للسيارة ارقام، هذه ميزة فريدة في بلد لا تقوم شرطته بسحب السيارات المخالفة، لو كنت شرطي سير لما استطعت ان اكون متسامحا الا مع من يبتسمون بصدق.
الابتسامة سحر، لا يقابله الا ابتسامة، ومهما كان جمال ودفء وصدق الابتسامة الاولى، فان ابتسامة رد الفعل اجمل وادفأ واصدق، لا يوجد من لا يستطيع الابتسام، ولا توجد ابتسامات غير جميلة، كل ما في الامر انني انسى ان ابتسم، ولا انسى ان احزن.
ستمر هذه الساعات الثقيلة التي تحيط وداعي لسارة، ستمر بكل كل ما فيها، تماما كما مرت احدى وعشرون سنة على جلوسي في مقهى “كان باتا زمان” لكتابة نص تفاؤلي في يوم ولادتها.
لو كنت رقما لانتحرت، وتركت الناس من دون ترقيم، غير قادرين على احتساب الساعات والسنوات الا من خلال ما تشهده وما تنحته فيهم. ستمضي هذه الساعات، ستمضي، سيدحرجها رضيع يحبو، سيقذفها غلام غاضب من عودة المدارس، سيمزقها طالب اجتاز الامتحان بنجاح، سيرميها موظف كقمع سيجارة، ستضعها سيدة الدار سمادا على نبتة لا تعرف ما هي، سيقف العجوز عند الشباك يراقب الساعات المتدحرجة، والسنوات المقذوفة والتواريخ الممزقة، قد تفيض عيناه دمعا لتسقي النبتة، لكنه رغم الدمع المنهمر سيكون في اعماقه راضيا وقانعا.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=102471



