كيف تعاملت الحركة الصهيونية مع مسألة الارض؟ جبريل محمد
مدار نيوز \ قبل الاجابة على هذا السؤال، لا بد من تذكير يقول ان دولة الاحتلال والاغتصاب وكل الاوصاف البذيئة التي يمكن ان نسمها بها، تعد من الدول الاوائل في مجال التقنيات الزراعية وهي تصدر تقنياتها وتبني استثماراتها بناء على هذه التقنيات في اكثر من دولة افريقية لم تكن لها علاقة بهذه الدولة المارقة سابقا.
اما علاقة الصهيونية بالارض فهي كانت قائمة على محورية الارض في فكر الحركة الصهيونية باعتبارها مجال قيام مشروعهم وتنفيذه، فمقولة “ارض بلا شعب لشعب بلا ارض” قصد منها اساسا تأكيد ان اليهود شعب وقومية اولا وانه بناء على ذلك لا بد لهم من ارض يقررون مصيرهم عليها ومن نافل القول ان شعار ارض بلا شعب هو جزء من بروباغندا لتبرير الجزء الثاني.
امام هذه الحاجة التي اطلقها فكريا ليوبنسكر في كتابه التحرر الذاتي، وموسى هس في كتابه روما واورشليم مع نهايات القرن الثامن عشر، تم اللجوء لاساطير التوراة حول ارض الميعاد، وحول الارض التي تدر لبنا وعسلا، باعتبارها اساطير يمكن ان تعيد تشكيل الوجدان اليهودي في اوروبا وهو وجدان تربى في الغيتو وفي مجتمع الصيارفة والمرابين لا مجتمع الزراعة والاستقرار في القرية وما يخلقه من تراث وقيم وانماط حياة.
لكن هل ظلت الحركة الصهيونية اسيرة هذه الهلوسة الاسطورية؟ بالطبع لا لمن يفهم ان الحركة الصهيونية هي وليدة ظروف الاستعمار وبدايات تحولالرأسمالية الى امبريالية، لكن الحركة الصهيونية ادارت بشكل عقلاني معركتها عبر استخدام هذه الاسطورة، فارسلت فرسان الهيكل الذين جففوا مستنقعات سهل الحولة في اواخر القرن التاسع عشر وبرضى الوالي التركي حتى جاء مؤتمر بال الصهيوني الاول والذي نص بين بنوده على الربط بين الهجرة والاستيطان والزراعة من خلال استقدام المهاجرين الشباب الى فلسطين للعمل بالزراعة، ومن هنا نهجت الحركة الصهيونية نهجا عمليا تمثل في:
1- بناء منظمات الناحال والجدناع وهي منظمات شبيبية كشفية ذات طابع عسكري، كانت تعمل في المزارع نهارا وتحرسها ليلا.
2- بناء فرع الحركة ذو التوجه الاشتراكي للمزارع الجماعية (الكيبوتسات).
3- بناء فرع الحركة ذو التوجهات اليمينية تعاونيات زراعية عرفت بالموشاف.
4- سخاء بعض البارونات اليهود الصهاينة وعلى رأسهم روتشيلد في الصرف على مشاريع زراعية استيطانية ريادية مثل زخرون يعقوب (جنوب حيفا) التي فشلت تجربتها الاولى لكن صهيونيته دفعته الى الاصرار على نجاح التجربة حتى باتت اليوم مركز تصنيع النبيذ الاول في دولة الاحتلال.
4- العملا بكل السبل على توسيع رقعة الارض سواء عبر تسهيلات بريطانيا او من خلال شراء بعض الخونة قبل شراء اراضيهم خاصة في مرج ابن عامر والسهل الساحلي.
من هنا اصبحت الحركة الكيبوتسية مفرخة للمزارعين المجددين ولقادة الجيش والسياسة، فرابين ودايان وبيريز وغيرهم وآخرهم شارون هم خريجو مدرسة خضوري الزراعية ليس في طولكرم بل بفرعها الآخر في الساحل.
ولا زال هاجس السيطرة على مزيد من الارض هو هاجس التوسعية الصهيونية وهاجس الحركة الاستيطانية الى اليوم حيث يتحول الاستيطان الصهيوني بعد تناقص الهجرة وبعد تركز المدن الصناعية نحو الاستيطان الزراعي.
لقد فهمت الصهيونية عميقا اهمية الارض، ولم تحشرها ضمن الاسطورة فقط بل اوجدت كل الوسائل لكي تعمق ارتباط المهاجر الاوروبي بالارض والزراعة واستطاعت الدولة الاحتلالية الاستيطانية ان تتقدم الصفوف في علوم الزراعة وادارة التعاونيات وبناء نظم وتنظيمات جعلت من التراكم الرأسمالي في الكيبوتس لااحد اهم الركائز لتحولها الان الى صناعة الهايتك.
ان احفاد الصيارفة والمرابين باتوا زراعا، وكل الكلام حول سرقة التراث الزراعي الفلسطيني هو من قبيل تعزية النفس والهروب من الحقيقة الموجعة باننا لم نقدر حقا قيمة الارض سياسة واقتصادا وحتى الان لم نقدرها حق قدرها.
رابط قصير:
https://madar.news/?p=130415



